من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ خفاف بن ندبة
ــ
شَدِيد وَالْمعْنَى لعمر أَبِيك قسمي لَا يزَال منا أَخُو ثِقَة يتكل جميعنا عَلَيْهِ فِي المعاش وَهُوَ صَاحب قُوَّة ورأي لَا يقطع أَمر دونه يُرِيد نَحن الَّذين فِينَا مثل هَذَا السَّيِّد
معنى قَوْله مُفِيد مهلك أَنه يكْسب المَال وينفقه فِي وجوهه وَيهْلك أعداءه ولزاز خصم أَي ملازم لخصمه وَالْمعْنَى أَنه ينفع أصدقاءه ويضر أعداءه وَلَا يُفَارق خَصمه حَتَّى يَقْهَرهُ وَإِذا وزن بِغَيْرِهِ رجح عَلَيْهِ
النبالة مصدر نبل ككرم وَهُوَ الذكاء والنجابة والنافلة الْفضل وَدون هُوَ الْقَاصِر عَن الشَّيْء يُقَال هُوَ دون فِي الرِّجَال وَلَيْسَ بِدُونِ وَالْمعْنَى أَنه فاق غَيره فِي النبالة وَالْفضل فَلَا يُسَاوِيه أحد فيهمَا وَقد حوى من الْمجد حَدِيثه وقديمه وَبَعض الْقَوْم قصر عَن ذَلِك
هُوَ ابْن عُمَيْر بن الْحَارِث ابْن الشريد بن ريَاح يَنْتَهِي نسبه إِلَى سليم بن مَنْصُور شَاعِر مخضرم وكنيته أَبُو خراشة وندبة بِفَتْح النُّون اسْم أمه أشتهر بهَا وَهُوَ صَحَابِيّ جليل شهد فتح مَكَّة مَعَ النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ لِوَاء بني سليم وَشهد حنينا والطائف وَهُوَ مِمَّن ثَبت على إِسْلَامه فِي الرِّدَّة وَهُوَ أحد فرسَان قيس وشعرائها وَكَانَ أسود حالكا وَهُوَ أحد أغربة الْعَرَب وَهُوَ ابْن عَم الخنساء الشاعرة وَجعله ابْن سَلام فِي الطَّبَقَة الْخَامِسَة من الفرسان مَعَ مَالك بن نُوَيْرَة وَمَعَ ابْني عَمه صَخْر وَمُعَاوِيَة وَكَانَ بَينه وَبَين الْعَبَّاس بن مرداس مهاجاة وملاحاة وتخاصم أَيَّام كَانَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَذَلِكَ أَن خفافا كَانَ فِي مَلأ من بني سليم
أعباس إِن الَّذِي بَيْننَاأَبى أَن يُجَاوِزهُ أَربع
علائق من حسب دَاخلمَعَ الإل وَالنّسب الأرفع
وَأَن ثنية رَأس الهجاءبيني وَبَيْنك لَا تطلع
ــ
فَقَالَ لَهُم إِن عَبَّاس بن مرداس يُرِيد أَن يبلغ فِينَا مَا بلغ عَبَّاس بن أنس ويأبى ذَلِك عَلَيْهِ خِصَال قعدن بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتى من رَهْط الْعَبَّاس وَمَا تِلْكَ الْخِصَال يَا خفاف فَقَالَ اتقاؤه بخيله عِنْد الْمَوْت واستهانته بسبايا الْعَرَب وَقَتله الأسرى ومكالبته للصعاليك على الاسلاب وَلَقَد طَالَتْ حَيَاته حَتَّى تمنينا مَوته فَانْطَلق الْفَتى إِلَى الْعَبَّاس وَأخْبرهُ الْخَبَر فَوَقع بَينهمَا مَا وَقع وَبَقِي الحَدِيث لَهُ مَوضِع غير هَذَا
الْمُخَاطب عَبَّاس بن مرداس وَقَوله أَبى أَن يُجَاوِزهُ الخ فِيهِ قلب وَالْأَصْل أَبى أَن يُجَاوز هُوَ أَربع خِصَال لِأَنَّهَا تَمنعهُ يَقُول يَا عَبَّاس إِن الحرمات الْأَرْبَع الَّتِي تجمعني وَإِيَّاك تمنع الشَّرّ الَّذِي بَيْننَا فَلَا يتخطاها بل يقف دونهَا
علائق تَفْسِير للخصال الْأَرْبَع الَّتِي أجملها والعلائق جمع علاقَة وَقَوله من حسب دَاخل أَي مختلط والحسب مَا يعد من الْخِصَال الْكَرِيمَة والإل الْعَهْد وَالْحلف وَالنّسب الرَّحِم والأرفع العلى الرفيع وَالْمعْنَى وَتلك الْخِصَال علائق هِيَ الْحسب الْمُخْتَلط بالعهد وَالنّسب الأرفع الَّذِي هُوَ أقرب النّسَب وَهُوَ نسب الْأَب
وَأَن ثنية الخ الثَّنية الْعقبَة والهجاء الذَّم وَلَا تطلع أَي لَا تصعد وكأنهما كَانَا تعاقدا أَن لَا يهجو أَحدهمَا صَاحبه يَقُول والخصلة الرَّابِعَة الصعوبة فِي صعُود عقبَة الهجاء بَيْننَا أَي للمعاقدة الَّتِي مَضَت بَينهمَا على أَن لَا يَقع من أَحدهمَا هجاء للْآخر
وَأبْغض إِلَيّ بإتيانهاإِذا أَنا لم آتِهَا أدفَع
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع