من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ مجمع بن هِلَال
إِن أك مَا شَيخا كَبِيرا فطالماعمرت وَلَكِن لَا أرى الْعُمر ينفع
ــ
يُقَال زلق كفرح وَنصر ذل وَضعف وبمكانه مل مِنْهُ فَتنحّى عَنهُ وَلَا أبديت فَاحِشَة المُرَاد بالفاحشة الِاضْطِرَاب والقلق وَالْمعْنَى فَمَا فَارَقت مركزي وَلَا مللته خوفًا من صعوبة هَذِه المقامات إِذا زلق الرِّجَال فِي أَمْثَالهَا وَجَوَاب إِذا فَمَا زلقت مُتَقَدم عَلَيْهِ
مَا يحاذر أَي مَا يخَاف وَيكرهُ وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى هُوَ الْعَالم بمصلحة الْإِنْسَان فَرُبمَا كَانَت مصْلحَته فِيمَا يكره ومفسدته فِيمَا يحب يُرِيد أَن بعض مَا يكرههُ الْمَرْء رُبمَا كَانَ فِيهِ رشده وَمَا يهواه وَيُحِبهُ رُبمَا كَانَ فِيهِ مَا يخافه ويحذره
وَالْألف جَائِر كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول وَهُوَ جَائِر لكنه وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر للنظم يُرِيد أَنه لَا يمِيل إِلَى الْجور وَلَو دَعَاهُ إِلَيْهِ صديقه
وجده خَالِد بن مَالك أحد بني تيم الله بن ثَعْلَبَة أَو هُوَ شَاعِر جاهلي ذكره أَبُو حَاتِم فِي المعمرين وَقَالَ عَاشَ مائَة وتسع عشرَة سنة وَكَانَ قد غزا ذَات مرّة فَلم يغنم فَمر وَهُوَ رَاجع من غزاته بِمَاء لبني تَمِيم وَعَلِيهِ نَاس من مجاشع فَقتل مِنْهُم وَأسر وسبى فَقَالَ فِي ذَلِك هَذِه الأبيات
إِن أك مَا شَيخا مَا زَائِدَة وَقَوله فطالما يجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة أَي فقد
مَضَت مائَة من مولدِي فنضوتهاوَخمْس تبَاع بعد ذَاك وَأَرْبع
وخيل كأسراب القطا قد وزعتهالَهَا سبل فِيهِ الْمنية تلمع
شهِدت وغنم قد تحويت وَلَذَّةأتيت وماذا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع
ــ
طَال عمري وَيجوز أَن تكون كَافَّة للْفِعْل وَيُقَال عمر فلَان كفرح وَنصر وَضرب عمرا إِذا بَقِي زَمَانا وَقَوله لَا أرى الْعُمر أَي اتِّصَال الْعُمر وَطوله فَحذف الْمُضَاف وَالْمعْنَى إِن كنت صرت شَيخا فَلَقَد طَال تعميري فِي الدُّنْيَا وَلَكِن لَا أرى طول الْعُمر نَافِعًا إِذا كَانَ عاقبته مُفَارقَة الْأَهْل والوطن
فنضوتها من قَوْلهم نضا ثِيَابه إِذا نَزعهَا واستعاره لبَقَائه هَذِه الْمدَّة ومضيها عَلَيْهِ أَي تجردت مِنْهَا تجردي عَن ثوبي وَخمْس تبَاع أَي تَابِعَة للمائة فَهُوَ مصدر وصف بِهِ وَقَوله بعد ذَاك أَي بعد مَا ذكرُوا أَربع أَي أَربع تبع لَهَا أَيْضا يُرِيد أَنه عَاشَ مائَة وتسعا من السنين
كأسراب القطا الأسراب الْجَمَاعَات مفرده سرب والقطا نوع من الطير لَا يحب الِانْفِرَاد قد وزعتها أَي كففتها لتجتمع والسبل الْمَطَر وَالْمرَاد بِهِ هُنَا تتَابع الْخَيل فِي الْغَارة كتتابع الْمَطَر وَالْمعْنَى وَرب خيل مثل القطا فِي اجتماعها كففتها لتجتمع فِي سَيرهَا ثمَّ تنْدَفع فِي الْغَارة والمنية تلمع من حركاتها أَي أَن سَيرهَا يدل على الشَّرّ وَالْقَتْل وَجَوَاب رب أول الْبَيْت بعده وَهُوَ شهِدت
شهِدت هُوَ جَوَاب رب وَقَوله وغنم أَي وَرب غنم الخ ثمَّ أقبل بعد ذكر هَذِه الْأَشْيَاء كالملتفت إِلَى غَيره فَقَالَ وماذا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع أَي بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مَعْنَاهُ وَرب خيل هَذِه صفاتها شهِدت بهَا الْغَارة وَرب غنم حويته وَرب لَذَّة عَيْش استقصيتها وَمَا الْعَيْش إِلَّا الِانْتِفَاع بِهَذِهِ الْأَشْيَاء
وعاثرة يَوْم الهييما رَأَيْتهَاوَقد ضمهَا من دَاخل الْقلب مجزع
لَهَا غلل فِي الصَّدْر لَيْسَ ببارحشجى نشب وَالْعين بِالْمَاءِ تَدْمَع
تَقول وَقد أفردتها من حَلِيلهَاتعست كَمَا أتعستني يَا مجمع
فَقلت لَهَا بل تعس أم مجاشعوقومك حَتَّى خدك الْيَوْم أضرع
عبأت لَهُ رمحا طَويلا وألةكَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع
ــ
الهييما مَوضِع كَانَت فِيهِ هَذِه الْوَاقِعَة وَالْمعْنَى وَرب امْرَأَة تعثر فِي مشيها لتحيرها من هول يَوْم الهييما نظرتها وَقد استولى عَلَيْهَا الرعب من دَاخل قَلبهَا
لَهَا غلل الخ أصل الغلل المَاء الْجَارِي بَين الْأَشْجَار وَجعله كِنَايَة عَن الشجي وَهُوَ مَا ينشب فِي الْحلق من عظم وَغَيره والبارح الزائل وشجى بدل من غلل ونشب من نشب الشَّيْء بالشَّيْء إِذا علق بِهِ وَالْمعْنَى رَأَيْتهَا وَهِي ذَات شجى لَا يفارقها وعينها يجْرِي مِنْهَا الدمع كَأَنَّهَا أُصِيبَت فِي حلقها فَهِيَ لَا تستريح
تَقول الخ هُوَ جَوَاب رب وَمَعْنَاهُ وَرب عاثرة هَذِه صفتهَا قَالَت لي بعد أَن سبيتها وَفرقت بَينهَا وَبَين زَوجهَا تعست أَي سَقَطت لوجهك يَا مجمع كَمَا أتعستني بأسرك لي
انتصب تعس على الْمصدر وخدك أضرع من الضراعة وَهِي الذل والانقياد وَالْمعْنَى فَقلت لَهَا بل تعسا لَك يَا أم مجاشع ولقومك حَتَّى أَنَّك الْيَوْم فِي ذل وهوان ومجاشع قَبيلَة وَقد جعلهَا أما لهَذِهِ الْقَبِيلَة وأصلا لَهَا مَعَ أَنَّهَا أُخْت لَهَا أَي بعض مِنْهَا تهكما بهَا واستهزاء
عبأت لَهُ أَي هيأت لَهُ والألة السِّلَاح والقبس النَّار وَالْمعْنَى أَعدَدْت لَهُ رمحا طَويلا وحربة إِذا أشرعت يرى رَأسهَا كَأَنَّهُ قبس مشتعل
وكائن تركت من كَرِيمَة معشرعَلَيْهَا الخموش ذَات حزن تفجع
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع