من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ الْأَخْنَس
فَمن يَك أَمْسَى فِي بِلَاد مقامةيسائل أطلالا بهَا لَا تجاوب
فلابنة حطَّان بن قيس منَازِلكَمَا نمق العنوان فِي الرّقّ كَاتب
تمشي بهَا حول النعام كَأَنَّهَاإِمَاء تزجى بالْعَشي حواطب
ــ
وكائن تركت أَي وكأي تركت والخمش فِي الْبدن وَالْوَجْه مثل الخدش وَالْمعْنَى وَكم من كَرِيمَة معشر تركتهَا مخدوشة الْوَجْه من الضَّرْب واللطم متفجعة لما حل بمعشرها
وَأَبوهُ شهَاب بن شريق بن ثُمَامَة بن أَرقم أحد بني تغلب وَهُوَ شَاعِر جاهلي قبل الْإِسْلَام بدهر
فِي بِلَاد مقامة أَي إِقَامَة وَيُقَال فِي ضِدّه هُوَ بلد قلعة أَي لَيْسَ بِموضع للإقامة والأطلال جمع طلل وَهُوَ مَا شخص من آثَار الديار وَالْمعْنَى من أَمْسَى فِي بِلَاد أَقَامَ فِيهَا يسائل الأطلال من ديار الْأَحِبَّة وَهِي لَا تجبيبه
فلابنة حطَّان الخ جَوَاب الشَّرْط ونمق الْكتاب كتبه ونمقه تنميقا حسنه وزينه وَالرّق جلد الغزال وَالْمعْنَى من كَانَ الْوُقُوف على ديار الْأَحِبَّة من همه فلابنة حطَّان ديار أَيْضا أَقف بهَا وَهِي فِي الدُّثُور والعفاء مثل العنوان المنمق فِي الرّقّ
حول النعام جمع حَائِل وَهِي الَّتِي لم تحمل وتزجى أَي تساق وَالْمعْنَى أَن منَازِل الْأَحِبَّة خلت من أَهلهَا فَصَارَت مسَاكِن للنعام ترعى فِيهَا غير خائفة من أحد وَهِي فِي مشيها مثل الْجَوَارِي الَّتِي تمشي على مهل بالْعَشي لما على رُؤْسهنَّ من الْحَطب
وقفت بهَا أبْكِي وأشعر سخنةكَمَا اعْتَادَ محموما بِخَيْبَر صالب
خليلي عوجا من نجاء شملةعَلَيْهَا فَتى كالسيف أروع شاحب
خليلاي هوجاء النَّجَاء شملةوَذُو شطب لَا يحتويه المصاحب
وَقد عِشْت دهرا والغواة صَحَابَتِيأُولَئِكَ خلصاني الَّذين أصَاحب
قرينَة من أسفى وقلد حبلهوحاذر جراه الصّديق الْأَقَارِب
ــ
وأشعر أَي يَجْعَل شعاري والشعار مَا يَلِي الْجَسَد من الثِّيَاب ثمَّ توسع فِيهِ فَقيل أشعر قلبِي هما وسخنة أَي حرارة والصالب الْحمى الَّتِي مَعهَا صداع وأضافها إِلَى خَيْبَر لِأَن حماها شَدِيدَة وَالْمعْنَى وقفت بديار الْأَحِبَّة لآخذ حظي من الْبكاء بهَا فَلَمَّا بَكَيْت وجدت بِي حرارة تخالط جسمي وقلبي مثل حرارة حمى خَيْبَر من الوجد والتذكار
خليلي عوجا أَي قفا وانزلا والنجاء السرعة والشملة السريعة والأروع الْجَمِيل والشاحب المهزول يُخَاطب خليلية وَيَقُول لَهما انزلا من نَاقَة سريعة السّير عَلَيْهَا فَتى كالسيف فِي المضاء والحدة كثير الْأَسْفَار
خليلاي مَوْضِعه نصب على الْحَال من وقفت بهَا السَّابِق والهوجاء النَّاقة فِي سَيرهَا هوج والنجاء السرعة والشملة السريعة والشطب طرائق السَّيْف والاجتواء الْكَرَاهَة وَالْمعْنَى وقفت على ديار أحبتي أبْكِي بهَا وخليلاي هَذِه النَّاقة المسرعة وَهَذَا السَّيْف الْجيد الَّذِي لَا يكرههُ المصاحب يُشِير بِهَذَا الْكَلَام إِلَى أَن أَصْحَابه خذلوه وَلم يساعدوه فِي وُقُوفه على ديار أحبته
والغواة صَحَابَتِي المُرَاد بالغواة الشبَّان الَّذين استغواهم الْعِشْق وَالْمعْنَى بقيت زَمَانا طَويلا لَا يطيب لي عَيْش إِلَّا بِحُضُور الندامي الَّذين أَخْلصُوا لي مَوَدَّتهمْ فاتخذتهم أَصْحَابِي
قرينَة من أسفى الخ
فأديت عني مَا استعرت من الصِّبَاوللمال عِنْدِي الْيَوْم رَاع وكاسب
ترى رائدات الْخَيل حول بُيُوتنَاكمعزى الْحجاز أعوزتها الزرائب
لكل أنَاس من معد عمَارَةعرُوض إِلَيْهَا يلجؤن وجانب
ــ
الْقَرِينَة القرين وأسفى دخل فِي السفاء وَهُوَ السَّفه وقلد حبله أَي ترك مهملا وجراه جريمته وَالصديق كالأصدقاء وَالْمعْنَى عِشْت زَمَانا قرين من لَا يُؤْخَذ بِرَأْيهِ لسفهه فاعتزله الأصدقاء وخافوا جرمه
فأديت عني الخ أَتَى بعن ليشير إِلَى أَنه أدّى حَقًا وَجب عَلَيْهِ وَمعنى فأديت عني نحيت عَن نَفسِي مَا وَجب عَلَيْهَا وَقَوله مَا استعرت يُرِيد حُقُوق مَا استعرت وَجعل الصِّبَا مستعارا على التَّشْبِيه كَأَن الصِّبَا كَانَ عَارِية ثمَّ أخذت مِنْهُ وَقَوله وللمال عِنْدِي الخ نبه بِهِ على أَنه بعد أَن ترك مَا كَانَ فِيهِ من اللَّهْو والغي أقبل على جمع المَال وَحفظه وَلم يرد بِالْيَوْمِ وقتا معينا وَلكنه أَرَادَ حَاضر الْأَزْمَان ومؤتنفها وَمَعْنَاهُ نحيت عَن نَفسِي مَا كنت فِيهِ من لَوَازِم الصِّبَا الْمُسْتَعَار وتنبهت لحفظ المَال وَجمعه
الرائدات المختلفات والمعزى خلاف الضَّأْن وأعوزتها أَي ضَاقَتْ عَلَيْهَا والزرائب جمع زريبة وَهِي محبس الْغنم وَالْمعْنَى لَا ترى عندنَا إِلَّا الْخَيل تخْتَلف حول بُيُوتنَا لَا تسعها المرابط لكثرتها يُرِيد أَنهم أَصْحَاب غارات وهمتهم فِي اقتناء الْخَيل وَجَمعهَا دون الْإِبِل وَالْغنم
الْعِمَارَة دون الْقَبِيلَة وَهِي مجرورة على الْبَدَل من أنَاس وَالْعرُوض الطَّرِيق فِي عرض الْجَبَل وَالْمرَاد هُنَا الظّهْر الَّذِي يستندون إِلَيْهِ وَيُقَال لجأت إِلَى كَذَا فزعت إِلَيْهِ ولذت بِهِ وَالْمعْنَى لكل عمَارَة من معد مُسْتَند يعولون عَلَيْهِ ويراقبون غوثه
وَنحن أنَاس لَا حجاز بأرضنامَعَ الْغَيْث مَا نلفى وَمن هُوَ غَالب
فيغبقن أحلابا ويصبحن مثلهَافهن من التعداء قب شوازب
فوارسها من تغلب ابْنة وَائِلحماة كماة لَيْسَ فيهم أشائب
هم يضْربُونَ الْكَبْش يَبْرق بيضهعلى وَجهه من الدِّمَاء سبائب
وَإِن قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَاخطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فنضارب
ــ
الْحجاز الحاجز ونلفى نوجد وَالْمعْنَى نَحن أَصْحَاب عزة لَا نبتني حاجزا بَيْننَا وَبَين الْأَعْدَاء وَإِنَّمَا نَكُون حَيْثُ يكون الخصب وَالْغَلَبَة على الْعَدو
الغبوق مَا يشرب بالْعَشي والصبوح مَا يشرب بِالْغَدَاةِ واستعاره إِلَى الأحلاب بِمَعْنى الأشواط من قَوْلهم احلب فرسك قرنا أَو قرنين فَجعل صبوحهن وغبوقهن الْأَعْدَاء فِي أول النَّهَار وَآخره لتضمر والتعداء الجري والقب جمع أقب وَهُوَ دَقِيق الخصر والشزب جمع شازب وَهُوَ الضامر فَيكون الْمَعْنى أَن صبوح الْخَيل وغبوقها الجري فِي أول النَّهر وَآخره فَهِيَ من ذَلِك دقيقة الخصر ضامرة فائقة الجري لتعودها عَلَيْهِ
حماة كماة الخ الحماة المحامون والكماة الفرسان والأشائب الأخلاط جمع إشابة وَالْمعْنَى أَن فوارس هَذِه الْخَيل كلهم شجعان مقاديم من بني تغلب لَيْسَ فيهم أخلاط يُرِيد أَنهم لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى غَيرهم لقوتهم
الْكَبْش رَئِيس الْقَوْم ويبرق بيضه أَي يلمع وَالْبيض جمع بَيْضَة الْحَدِيد والسبائب جمع سبيبة وَهِي الطرائق وَالْمعْنَى أَنهم أدرى النَّاس بِضَرْب الْأَعْدَاء فَلَا يضْربُونَ إِلَّا الرئيس اللامع بَيْضَة الْحَدِيد الَّذِي يسيل دَمه على وَجهه كَأَنَّهُ طرائق حمر
وَإِن قصرت أسيافنا الخ مَعْنَاهُ أننا لَا نبالي بقصر سُيُوفنَا عَن تنَاولهَا الْأَعْدَاء فَإِن سرعَة
فَللَّه قوم مثل قومِي عِصَابَةإِذا اجْتمعت عِنْد الْمُلُوك العصائب
أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهموَنحن خلعنا قَيده فَهُوَ سارب
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع