تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ الرّبيع بن زِيَاد فِي مَالك بن زُهَيْر الْعَبْسِي

ــ

ومقبل بِمَعْنى آتٍ ومدبر بِمَعْنى ذَاهِب وآسي مضارع أسى من بَاب تَعب إِذا حزن وَالْمعْنَى لَا أسر بعد بني عَمْرو بِطيب الْعَيْش وإقبال الدُّنْيَا وَلَا أَحْزَن على إدبارها

الْمَعْنى لَا يرد الْفَائِت شَيْء بعد فقدانه فَلَا علاج غير الصَّبْر فالزمه

هامكم مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره مقبور وَذكر الْهَام على عَادَة الْعَرَب فِي زعمهم أَن عِظَام الْمَوْتَى تصير هاما تطير وَبني عَمْرو منادى حذف مِنْهُ حرف النداء وجمال الندي مَنْصُوب على الْمَدْح والندى الْمجْلس لُغَة فِي النادي والقنا جمع قناة وَهِي الرمْح والسنور لبوس من جلد كالدروع يُرِيد أَنهم جمال الْمجَالِس يَوْم الْجمع وزين السِّلَاح غَدَاة الروع وَالْمعْنَى سَلام عَلَيْكُم يَا بني عَمْرو يَا جمال النادي والرماح وَسَائِر السِّلَاح حَيْثُ أَنْتُم مقبورون

أولاك لُغَة فِي أُولَئِكَ وَبَنُو خير وَشر أَرَادَ أَنهم ملازمون لفعل الْخَيْر مَعَ الأصدقاء وَالشَّر مَعَ الْأَعْدَاء وكليهما بدل من خير وَشر وألم نزل وَالْمعْنَى هَؤُلَاءِ كَانُوا يحبونَ أَصْحَابهم ويعادون من خالفهم فَكَانُوا مَعْرُوفا لأحبابهم ومنكرا لأعدائهم

الرّبيع تقدّمت تَرْجَمته وَكَانَ من خبر هَذِه الأبيات أَن مَالك بن زُهَيْر الْعَبْسِي كَانَ متزوجا فِي بني فَزَارَة فَبعث إِلَيْهِ أَخُوهُ قيس حِين قتل ندبة بن حُذَيْفَة أَن أخرج عَنْهُم لَيْلًا فَبعث إِلَيْهِ مَالك مَالِي إِلَى بني بدر من ذَنْب وَإِنَّمَا ذَنْبك عَلَيْك وَمَا أَنا بتارك منزلي لما أحدثت

إِنِّي أرقت فَلم أغمض حَارمن سيئ النبإ الْجَلِيل الساري
من مثله نمسي النِّسَاء حواسراوَتقوم معولة مَعَ الأسحار
أفبعد مقتل مَالك بن زُهَيْرترجو النِّسَاء عواقب الْأَطْهَار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»
مَا إِن أرى فِي قَتله لِذَوي النهىإِلَّا الْمطِي تشد بالأكوار

ــ

أَنْت وَمكث مَالك فِي بني فَزَارَة زَمنا ثمَّ غدرت بِهِ فزاره وَجه إِلَيْهِ حُذَيْفَة من يقْتله فَقَتَلُوهُ وَكَانَ الرّبيع مجاورا لِحُذَيْفَة فجَاء إِلَيْهِ وَقَالَ يَا حُذَيْفَة سيرني فَإِنِّي جاركم فسيره ثَلَاث لَيَال فَقَالَ حمل لِحُذَيْفَة بئس مَا عملت قتلت مَالِكًا وخليت حَبل الرّبيع وَالله ليضر مِنْهَا عَلَيْك نَارا فدونك الرجل قبل أَن يفوتك وَلَا أحسبك تُدْرِكهُ ثمَّ إِن الرّبيع جمع بني عبس للقاء بني فَزَارَة وَجَرت بِسَبَب ذَلِك حروب فِيمَا بَينهم يطول ذكرهَا

أرقت سهرت وحار مرخم حَارِث والنبأ الْخَبَر والساري السَّرِيع وَالْمعْنَى يَا حَارِث إِنِّي سهرت لَيْلَتي وَلم أنم من الْخَبَر السَّيئ الْعَظِيم الْمُنْتَشِر فِي الْقَبَائِل بِسُرْعَة

حواسرا أَي كاشفات والمعولة الباكية أَشد الْبكاء وَالْمعْنَى أَن هَذَا الْخَبَر من الْأَخْبَار الَّتِي تبيت لَهَا النِّسَاء كاشفات الْوُجُوه وتصبح رافعات الصَّوْت بالبكاء لشدَّة وقعها

الْمَعْنى لَا يَنْبَغِي للنِّسَاء أَن ترجو مواقعة الرِّجَال لَهُنَّ عقب الطُّهْر بعد قتل مَالك بن زُهَيْر فَإِن ذَلِك غير مُمكن وَقد كَانَ من عَادَة الْعَرَب أَنهم لَا يمسون النِّسَاء وَلَا يشربون الْخمر وَلَا يتلذذون بلذيذ قبل أَن يَأْخُذُوا الثأر

إِن زَائِدَة وَالنَّهْي الْعُقُول والمطئ الَّتِي تمطو فِي السّير والأكوار جمع كور الرحل وَالْمعْنَى لَا أرى شَيْء يَلِيق بأرباب الْعُقُول فِي أَمر قَتله إِلَّا أَن يشدوا على مطيهم للأخذ بثأره

ومجنبات مَا يذقن عذوفايقذفن بالمهرات والأمهار
ومساعرا صدأ الْحَدِيد عَلَيْهِمفَكَأَنَّمَا طلي الْوُجُوه بقار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»
من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مَالكفليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار
يجد النِّسَاء حواسرا يندبنهيلطمن أوجههن بالأسحار
قد كن يخبأن الْوُجُوه تسترافاليوم حِين برزن للنظار
يضربن حر وجوههن على فَتىعف الشَّمَائِل طيب الْأَخْبَار

ــ

هَكَذَا يرْوى هَذَا الْبَيْت نَاقِصا والمجنبات من الْخَيل مَا تجنب إِلَى الْإِبِل فِي الْغَزْو والعذوف أدنى مَا يُؤْكَل والمهرات جمع مهرَة والأمهار جمع مهر وَالْمعْنَى تشد الأكوار على الْمطِي وَالْخَيْل المقادة فِي جَانب الْإِبِل لتركب وَلَا تذوق أدنى شَيْء طلبا للسرعة ويرمين بأولادهن ذُكُورا وإناثا حَتَّى لَا يفوتها لحاق الْعَدو

المساعر جمع مسعر وَهُوَ من يُوقد الْحَرْب وصدأ الْحَدِيد طبعه ووسخه وَالْمرَاد بالحديد الدروع وَهُوَ كِنَايَة عَن طول مكثها عَلَيْهِم وملازمتها لَهُم والقار الزفت وَالْمعْنَى وَلَا أرى أَن يَلِيق بذوي النهى أَيْضا إِلَّا أَن يعدوا رجَالًا شجعانا كثيري لبس المغافر حَتَّى تسود وُجُوههم فَتكون كَأَنَّهَا طليت بقار

وَجه نَهَار أَي أَوله وَالْمعْنَى من سره قتل مَالك فليجئ إِلَى نسائنا فِي أول النَّهَار فَيرى مَا هن فِيهِ من الْحزن والصراخ والعويل

يندبنه يبْكين عَلَيْهِ وَالْمعْنَى فَإِذا جاءهن شاهدهن مكشوفات الْوُجُوه لاطمات الخدود قبل أَن يَبْدُو الصَّباح يبْكين عَلَيْهِ

برزن ظهرن

حر الْوَجْه خالصه وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن هَذِه النسْوَة كن من ذَوَات الْخُدُور اللَّاتِي لَا يراهن أحد فصرن الْيَوْم مكشوفات لكل نَاظر يضربن

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.