من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ حجية بن المضرب يُخَاطب زَوجته
لججنا ولجت هَذِه فِي التغضبولط الْحجاب دُوننَا والتنقب
ــ
الْمَعْنى أَن صَاحب الصَّبْر جدير بنيل حَاجته وَمن يدمن قرع الْبَاب لَا محَالة يدْخل
الزلق هُنَا مَكَان الزلق والغرة الْغَفْلَة وزلج زل وَالْمعْنَى تَأمل مَوضِع قدمك قبل أَن تضعها فَمن مَشى فِي مَكَان الزلق على غَفلَة مِنْهُ زل
الْمَعْنى لَا تغتر بصفاء الْعَيْش فَرُبمَا يكون ممزوجا بِمَا يكدر
شَاعِر جاهلي كريم فَارس مقل وَكَانَ من حَدِيثه أَنه كَانَ جَالِسا ذَات يَوْم بِفنَاء بَيته فَخرجت جَارِيَة بِقَعْبٍ فِيهِ لبن فَقَالَ لَهَا أَيْن تريدين بالقعب فَقَالَت بني أَخِيك الْيَتَامَى فَوَجَمَ وأطرق لشدَّة الْحزن فَلَمَّا أراح راعياه إبِله قَالَ لَهما رداها نَحْو بني أخي ثمَّ دخل منزله فعاتبته امْرَأَته فَقَالَ هَذِه الأبيات قَالَ أَبُو رياش يُقَال أَن عَائِشَة لما قتل أَخُوهَا مُحَمَّد بن أبي بكر أرْسلت عبد الرَّحْمَن أخاها فجَاء بِابْنِهِ الْقَاسِم وبنتيه من مصر فَلَمَّا جَاءَتْهُم أخذتهم عَنهُ عَائِشَة فربتهم إِلَى أَن استقلوا ثمَّ دعت عبد الرَّحْمَن فَقَالَت يَا عبد الرَّحْمَن لَا تَجِد فِي نَفسك من أخذي بني أَخِيك دُونك وَلَكنهُمْ كَانُوا صبيانا فَخَشِيت أَن تتأفف بهم نساؤك فَكنت ألطف بهم وأصبر عَلَيْهِم فخذهم إِلَيْك وَكن لَهُم كَمَا كَانَ حجية بن المضرب لبني أَخِيه معدان وأنشدته هَذِه الأبيات
لج من اللجاجة وَهِي التَّمَادِي فِي الشَّرّ وَالْخُصُومَة والتغضب أَن يغْضب
تلوم على مَال شفاني مَكَانإِلَيْك فلومي مَا بدا لَك واغضبي
رَأَيْت الْيَتَامَى لَا تسد فقورهمهَدَايَا لَهُم فِي كل قَعْب مشعب
فَقلت لعبدينا أرِيحَا عَلَيْهِمسأجعل بَيْتِي مثل آخر معزب
بني أَحَق أَن ينالوا سغابةوَأَن يشْربُوا رنقا لَدَى كل مشرب
ــ
شَيْئا بعد شَيْء واللط السّتْر والتنقب شدّ النقاب وَالْمعْنَى تماديت أَنا وَهَذِه الْمَرْأَة فِي الْخُصُومَة والتغضب حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى ستر الْحجاب بَيْننَا وَشد النقاب
شفاني مَكَانَهُ مَعْنَاهُ أذهب مَا فِي قلبِي من الْحزن وَأَبْرَأ مَا فِي صَدْرِي من دَاء الكمد حَيْثُ وَضعته مَوْضِعه وواسيت بِهِ بني أخي وَإِلَيْك أَي تنحى وَالْمعْنَى أَنَّهَا تلومني على بذل مَال وَضعته فِي مَوْضِعه فَقلت لَهَا تنحي عني وافعلي مَا شِئْت من اللوم وَالْغَضَب
الفقور جمع فقر والمصادر لَا تجمع إِلَّا أَنه ذهب بِهِ مَذْهَب الْأَسْمَاء والقعب الْقدح من الْخشب والمشعب المجبور فِي مَوَاضِع مِنْهُ الْمَعْنى رَأَيْت الْيَتَامَى لَا تسد فَقرهمْ الْهَدَايَا الَّتِي ترسل إِلَيْهِم فِي كل قدح مجبور
أرِيحَا عَلَيْهِم أَي ردا الْإِبِل عَلَيْهِم رواحا وَمثل آخر أَي مثل بَيت آخر والمعزب الْخَالِي من الْإِبِل وَالْمعْنَى لما رَأَيْت الْيَتَامَى على هَذَا الْحَال عطفت عَلَيْهِم فَأمرت عَبدِي أَن يردا عَلَيْهِم الْإِبِل فِي الرواح ليأخذوها فسأجعل بَيْتِي مثل الْبَيْت الَّذِي لَا إبل فِيهِ
السغابة الْجُوع والرنق المَاء المكدر وكنى بِهِ عَن سوء الْحَال يَقُول إِنِّي أوثر بني أخي على أَوْلَادِي وأولادي أَحَق أَن ينالوا الْجُوع والسغب وَأَن يَكُونُوا فِي بؤس وَسُوء حَال وَالْمعْنَى أَنِّي أحب أَن أبذل لبني أخي مَا يدْفع عَنْهُم الْفقر وَإِن كَانَ مِنْهُ مَا يفقر بني
ذكرت بهم عِظَام من لَو أَتَيْتهحريبا لآساني لَدَى كل مركب
أخي وَالَّذِي إِن أَدَعهُ لملمةيجبني وَإِن أغضب إِلَى السَّيْف يغْضب
فَلَا تحسبيني بلدما إِن نكحتهولكنني حجية بن المضرب
رحمت بني معدان إِذْ ساف مَالهموَحقّ لَهُم مني وَرب المحصب
فَإِن تقعدي فَأَنت بعض عيالناوَإِن أَنْت لم ترْضى بذلك فاذهبي
ــ
ذكرت بهم الخ يُرِيد بِهَذَا أَن يبين وَجه تَفْضِيل بني أَخِيه بِالْمَالِ دون أَوْلَاده والحريب المسلوب وآساه سواهُ بِنَفسِهِ
أخي أَي الَّذِي تَذكرته هُوَ أخي وَمعنى الْبَيْتَيْنِ كَيفَ أبخل عَلَيْهِم وَأَنا أَتَذكر بهم من لَو كَانَ حَيا وأتيته مسلوبا لسواني بِنَفسِهِ وأعانني مَا اسْتَطَاعَ هُوَ أخي وَمن إِذا ناديته لنازلة لم يقْعد عَن نصرتي وَإِن غضِبت غَضبا يُؤَدِّي إِلَى اشتعال نَار الْحَرْب حَارب من يحاربني
البلدم الرجل البليد الثقيل المضطرب الْخلق وَالْمعْنَى لَا تظني أَن أكون ثقيلا عَلَيْك إِن نكحتني لكنك إِن لم تعرفيني حق الْمعرفَة فَأَنا حجية بن المضرب
ساف من السواف كسحاب الموتان فِي الْإِبِل يُقَال ساف المَال يسوف هلك أَو وَقع فِيهِ السواف وَالْمَال المُرَاد بِهِ الْإِبِل يَقُول لما هلك مَال بني أخي رحمتهم وَذَلِكَ حق وَاجِب عَليّ
الْمَعْنى فَإِن شِئْت أَن تقيمي عندنَا فحبك مني حب أَوْلَادِي وَإِن لم توافقك الْإِقَامَة فاذهبي إِلَى حَيْثُ شِئْت
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع