من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ فرعان بن الأعرف فِي ابْنه منَازِل
ــ
أتخطر للأشراف لَفظه اسْتِفْهَام وَمَعْنَاهُ الْإِنْكَار والتوبيخ وتخطر من الخطران وَهُوَ رفع الْفَحْل ذَنبه عِنْد الْهياج استعاره هُنَا للمفاخرة وَلما كَانَ الْمُخَاطب من بني قرد جعله قردا وَمعنى قَوْله وَهل يستعد الخ أَن القرد ذَنبه قصير لَا يشول بِهِ وَلَا يخْطر يُرِيد من أَيْن لكم الخطران والقرد لَا ذَنْب لَهُ يخْطر بِهِ وَالْمعْنَى هَل تفاخر الْأَشْرَاف يَا قرد حذيم وَهل فِيك أَهْلِيَّة واستعداد للخطران بذيلك الْقصير يُرِيد بِهَذَا الْكَلَام أَن بني قرد لم يبلغُوا مرتبَة الْأَشْرَاف
أَبى قصر الأذناب الخ هَذَا تَفْسِير لما أنكرهُ بقوله وَهل يستعد القرد الخ وَمَعْنَاهُ إِن قصر أذنابكم يَا بني قرد مِنْكُم من الخطران أَي منعكم من مفاخرة الْأَشْرَاف فَلَيْسَ لكم شرف وَلَا حسب بل لؤمكم مَلأ الدُّنْيَا
قعدانكم جمع قعُود وَهُوَ مَا يقتعده الْإِنْسَان من الْإِبِل أَي يركبه وَإِنَّمَا جعل قعدانهم سَمِينَة لأَنهم يؤثرونها بِاللَّبنِ على الضَّيْف وَالْجَار وَمعنى وأحسابكم فِي الْحَيّ الخ إِنَّهُم يضيعون الْحُقُوق فَلَا حسب لَهُم يمدحون بِهِ يصفهم بالبخل لمنعهم اللَّبن عَن الأضياف وَالْجِيرَان وإيثارهم القعدان بِهِ حَتَّى تسمن وأحسابهم مَهْزُولَة غير سَمِينَة لأَنهم يضعون الْحُقُوق الَّتِي بهَا يكون الشّرف والحسب
أحد بني مرّة شَاعِر لص وَكَانَ منَازِل ابْنه قد عقه وتغمد حَقه واستهان بِهِ فَأَنْشَأَ هَذِه الأبيات يذمه ويهجوه بهَا قَالَ أَبُو رياش وَكَانَ لمنازل
جزت رحم بيني وَبَين منَازِلجزاءا كَمَا يسْتَنْزل الدّين طَالبه
لربيته حَتَّى إِذا آض شيظمايكَاد يُسَاوِي غارب الْفَحْل غاربه
فَلَمَّا رَآنِي أبْصر الشَّخْص أشخصاقَرِيبا وَذَا الشَّخْص الْبعيد أَقَاربه
ــ
هَذَا ابْن يُقَال لَهُ خليج فعق خليج أَبَاهُ فقدمه إِلَى إِبْرَاهِيم بن عَرَبِيّ مستعديا عَلَيْهِ وَقَالَ
تظلمني حَقي خليج وعقنيعلى حِين كَانَت كالحنى عِظَامِي
وَهِي أَبْيَات خَمْسَة فَأَرَادَ إِبْرَاهِيم بن عَرَبِيّ ضربه فَقَالَ خليج أصلح الله الْأَمِير لَا تعجل أتعرف هَذَا قَالَ لَا قَالَ هَذَا منَازِل بن فرعان الَّذِي عق أَبَاهُ وَفِيه يَقُول
(جزت رحم بيني وَبَين منَازِل) الأبيات فَقَالَ إِبْرَاهِيم يَا هَذَا عققت فعققت فَمَا أعلم لَك مثلا إِلَّا قَول خَالِد لأبي ذُؤَيْب
فَلَا تجزعن من سيرة أَنْت سرتهافَأول راضي سيرة من يسيرها
جزت رحم الخ جعل فعل الْجَزَاء للرحم والجازي هُوَ الله تَعَالَى لِأَنَّهَا السَّبَب فِي الْجَزَاء وَقَوله جَزَاء الخ أَي جَزَاء ذِي الدّين الَّذِي لَا يفتر صَاحبه عَن طلبه حَتَّى يَسْتَوْفِي مَاله وَالْمعْنَى جزى الله منَازِل على الرَّحِم أَي على الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَينه جَزَاء يسْتَوْفى لَهُ وَعَلِيهِ كَمَا يسْتَنْزل صَاحب الدّين مِمَّن عَلَيْهِ حَقه
لربيته الخ اللَّام فِيهِ وَاقعَة فِي جَوَاب قسم دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام ورباه قَامَ بأَمْره وَهُوَ صَغِير إِلَى أَن بلغ وآض بِمَعْنى صَار والشيظم الطَّوِيل وَالْغَارِب فِي الأَصْل مَا بَين السنام إِلَى الْعُنُق ثمَّ استعير حَتَّى قيل لأعالي كل شَيْء غارب وَالْمعْنَى أقسم أَنه بَعْدَمَا ربيته فَبلغ مبلغ الرِّجَال غدرني وهضمني حَقي وَلم يقم بِوَاجِب تربيتي لَهُ
فَلَمَّا رَآنِي الخ مَعْنَاهُ فَلَمَّا رَآنِي شَيخا كَبِيرا ضعف نظره وَاخْتلفت مواقع بصارته حَتَّى يرى الشَّخْص الْقَرِيب مِنْهُ أشخصا
تغمد حَقي ظَالِما ولوى يَديلوى يَده الله الَّذِي هُوَ غالبه
وَكَانَ لَهُ عِنْدِي إِذا جَاع أَو بَكَىمن الزَّاد أحلى زادنا وأطايبه
وربيته حَتَّى إِذا مَا تركتهأَخا الْقَوْم وَاسْتغْنى عَن الْمسْح شَاربه
وجمعتها دهما جلادا كَأَنَّهَاأَشَاء نخيل لم تقطع جوانبه
فَأَخْرجنِي مِنْهَا سليبا كأننيحسام يمَان فارقته مضاربه
ــ
وَيرى الشَّخْص الْبعيد مِنْهُ قَرِيبا تغمد حَقي الخ
تغمد حَقي أَي ستر حَقي وأخفاه لوى يَده الله هَذِه جملَة دعائية يُرِيد بهَا أَن ينْتَقم الله لَهُ من ابْنه منَازِل ويجازيه على قلَّة قِيَامه بِحُقُوق التربية
وَكَانَ لَهُ عِنْدِي الخ مَعْنَاهُ كَانَ منَازِل كلما جَاع أَو بَكَى وَهُوَ صَغِير يحضر لَهُ أَبوهُ من الطَّعَام أحلاه وأطببه من بَاب الرأفة بِهِ
وَاسْتغْنى عَن الْمسْح شَاربه عبارَة عَن كَونه بلغ عنفوان الشَّبَاب وَصَارَ فِي عداد الفتيان الْبَالِغين مبلغ الرِّجَال
وجمعتها الضَّمِير للخيل أَي جمعت خيلا دهما جمع أدهم جلادا من الجلادة وَهِي الصلابة كَأَنَّهَا أَشَاء نخيل الخ أَي كَأَنَّهَا صغَار نخل لم يقطع مِنْهُ شَيْء وَالْمعْنَى أَنِّي لما جمعت من الْخَيل الَّتِي وصفتها مَا جمعته وأعددتها لركوبي وركوبه اعْتدى عَليّ وسلبها مني ظلما وحرمني مِنْهَا
فَأَخْرجنِي مِنْهَا الضَّمِير إِلَى الدهم فِي الْبَيْت السَّابِق والسليب الَّذِي سلب مَاله مجَاز عَن الشَّجَرَة الَّتِي سلبت وَرقهَا وَالْمُضَارب جمع مضرب بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا وَالْمرَاد بِهِ هُنَا حد السَّيْف وَجمعه مُبَالغَة شبه نَفسه بِالسَّيْفِ الكهام المفلول يَقُول فَأَخْرجنِي من هَذِه الْخَيل سليبا كالسيف يماني قَاطع فتفلل حَده وتكسر
أأن أرعشت كفا أَبِيك وأصبحتيداك يَدي لَيْث فَإنَّك ضاربه
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع