من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو بكر محمد بن عمار
وزير المعتمد أيضاً وهو وأبو الوليد بن زيدون في حسن الشعر فرسا رهان، ورضيعا لبان، وقد ذكر أكثر الأدباء بالأندلس أنهما أشعر أهل عصرهما، وقتله المعتمد، وكان أقوى الأسباب في قتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرميكية وأوله:
ألا حي بالغرب حياً حِلالا
ويقول:
تخيرتها من بنات الهجانرميكية لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراعلئيم النجارين عماً وخالا
ومما ينسب إليه:
مما يقبح عندي ذكر أندلسسماع مقتدر فيها ومعتمد
أسماء مملكة في غير موضعهاكالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
وأنشدني ببغداد محمد بن عيسى اليماني، قال أنشدني بعض المغاربة باليمن لأبي بكر بن عمار وزير الملك ابن عباد من قصيدة استوزره بسببها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرىوالنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافورهلما استرد الليل منا العنبرا
والروض كالحسنا كساه نورهوشياً وقلده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد رياضهخجلاً وتاه بآسهن معذرا
روض كأن النهر فيه معصمصاف أطل على رداء أخضرا
الى هاهنا أنشدنيه ونقلت تمام الأبيات من مجموع:
وتهزه ريح الصبا فتظنهسيف ابن عباد يبدد عسكرا
عباد المخضر نائل كفهوالجو قد لبس الرداء الأغبرا
أندى على الأكباد من قطر الندىوألذ في الأجفان من سنة الكرى
من لا توازنه الجبال إذا احتبىمن لا تسابقه الرياح إذا جرى
فإذا الكتائب كالكواكب فوقهممن لامهم مثل السحاب كنهورا
من كل أبيض قد تقلد أبيضاًعضباً وأسمر قد تقلد أسمرا
ملك يروقك خلقه أو خلقهكالروض يحسن منظراً أو مخبرا
ملك إذا ازدحم الملوك بموردونحاه لا يردون حتى يصدرا
قداح زند المجد لا ينفك مننار الوغى إلا الى نار القرى
يختار إذ يهب الخريدة كاعباًوالطرف أجرد والحسام مجوهرا
لا خلق أفرى من شفار حسامهإن كنت شبهت المواكب أسطرا
ماض وصدر الرمح يكهم بالظبىينبو وأيدي الخيل تعثر في البرى
أيقنت أني من ذراه بجنةلما سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقاً أن ربعي مخصبلما سالت به الغمام الممطرا
أثمرت رمحك من رؤوس كماتهملما علمت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء ملوكهملما رأيت الحسن يلبس أحمرا
نمقتها وشياً بذكرك مذهباًوفتقتها مسكاً بحمدك أذفرا
فلئن وجدت نسيم حمدي عاطراًفلقد وجدت نسيم برك أعطرا
وله فيه من قصيدة أنشدني البيت الأول منها أبو الحسن بن علي بن صالح الأندلسي بالعراق، وهو:
علي وإلا ما بكاء الغمائموفي إلا ما لنوح الحمائم
في المديح:
ملوك مناخ العز في عرصاتهمومثوى المعالي بين تلك المعالم
هم البيت ما غير الهدى لبنائهبأس ولا غير القنا بدعائم
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهمطوال العوالي في طوال المعاصم
وأيد أبت من أن تؤوب ولم تقدبجز النواصي أو بحزّ الغلاصم
إذا ركبوا فانظره أول طاعنوإن نزلوا فانظره آخر طاعم
رقيق حواشي الطبع يجلو بيانهوجوه المعاني واضحات المباسم
ولا غرو إن حيتك بالطيب روضةسمحت لها بالعارض المتراكم
ومنها مما أورده أبو الصلت في الحديقة من مختاره:
أبى أن يراه الله إلا مقلداًحمالة سيف أو حمالة غارم
إذا جر أذيال الجيوش الى العدىأطاعته أو جرت ذيول الهزائم
ليس يقصر هذا الترديد في الحسن والجود عن قول أبي حية النميري:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلةتقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
وفي المخالطة بين أذيال وذيول إشارة لطيفة الى تقليل عدد الممدوح، وتكثير عدد أعدائه، وذلك أمدح.
منها في وصف الفرس:
خذوا بي إن لم تهدئوا كل سابحلريح الصبا في أثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتةالى غرة أهدت له ثغر باسم
طوى بي عرض البيد فوق قوائمتوهمته منهن فوق قوادم
ألا قاتل الله الجياد فإنهانأت بي عن أرض العلا والمكارم
ومنها:
أشلب ولا تنساب عبرة مشفقوحمص ولا تعتاد زفرة نادم
كساه الحيا برد الشباب فإنهابلاد بها عق الشباب تمائمي
ليالي لا ألوي على رشد لائمعناني ولا أثنيه عن غي هائم
ومنه، مما أنشدنيه محمد اليماني، أنه أنشده بعض المغاربة في صفة النهر والروض:
أنا سهادي من عيون نواعسوأجني عذابي من غصون نواعم
وقوم لنا بالسد بين معاطفمن النهر تنساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جاراً تزورناهداياه في أيدي الرياح النواسم
تبلغنا أنفاسه فيزيدهابأعصر أنفاس وأذكى لناسم
تسير إلينا ثم عنا كأنهاحواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا ولا واش نحس كأنناحللنا مكان السر من صدر كاتم
شعره أحق من الروض بوصفه، وأجدر بالإطراء لإطرابه، لبلاغته وسلاسته ولطفه. وقال من قطعة في مدح المعتضد عباد ويذكر فتح ابنة قرمونة وإحراقه إياها أولها:
ألا للمعالي ما تعيد وما تبديوفي الله ما تخفيه عنا وما تبدي
نوال كما اخضر العذار وفتكةكما خجلت من دونه صفحة الخد
جنيت ثمار النصر طيبة الجنىولا شجر غير المثقفة الملد
وقلدت أجياد الربى رائق الحلىولا درر غير المطهمة الجرد
بكل فتى عاري الأشاجع لابسالى غمرات الموت محكمة السرد
ومنها في ذكر ابنه:
ببدر ولكن من مطالعه الوغىوليث ولكن من براثنه الهندي
ورب ظلم سار فيه الى العدىولا نجم إلا ما تطلع من غمد
أطل على قرمونة متبلجاًمع الصبح حتى قلت كانا على وعد
فأرملها بالسيف ثم أعارهامن النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدىويا برد تلك النار في كبد المجد
هنيئاً ببكر في الفتوح نكحتهاوما قبضت غير المنية في النقد
ومنها:
لقد سلكت نهج السبيل الى الردىظباء دنت من غابة الأسد الورد
وأكثر ما يلهيك عن كأسك الوغىوعن نغمات العود نغمة مستجد
وما الملك إلا حلية بك حسنهاوإلا فما فضل السوار بلا زند
ما ألهب استهار استعاراته، وأثبت داري عباراته، وأحسن شعار شعره، وأقوم نظام نظمه، وما أروى رويه، وما أعطر ند نديه، وما أقوى مباني قوافيه، وما أحكم حكم معانيه، هذا هو السحر الحلال والنحو الحالي وأين من هذه الفوائد فرائد اللئالي، لقد أبدع صنيعاً، وصنع بديعاً، واخترع غراً واقترع عذراً، بل فرع سما، وهذا المعنى هو الكبريت الأحمر والأكسير المتخير، والإبريز العزيز، ودقة ذوق لا يعبر عنه البيان، ولا تعرفه إلا العيان، وحلاوة المذاق فوق طلاوة العيان.
وقال أيضاً في عباد من قصيدة:
إنا عبيدك أو يقول مصدقالحق مذموم وأنت بخيل
أترى القبول سرت إليك بنفحةمما ادعته فكان منك قبول
وهل استمالك من ثنائي عاطفإن الكريم الى الثناء يميل
وكتب إليه وقد أبلّ من علة:
الكأس ظامئة الى يمناكاوالروض مرتاح الى لقياكا
فأدر بآفاق السرور كواكباًتخذت أكف سقاتها أفلاكا
راحا إذا هب النسيم حسبتهامسروقة الأنفاس من رياكا
رد مورد اللذات عذباً صافياًفلقد وردت المجد قبل كذاكا
لم ترو من راح ولا من راحةحتى ارتوت بدم العداة قناكا
وقال من قطعة:
وعاطلة من دماء الحروب أطلعت رأيك فيها قمر
ولم تتقدم بجيش الرجال حتى تقدم جيش الفكر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيلفمن غرس تدبير ذاك السحر
ومنها:
فعاقر سيفك حتى انحنىوعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن عليوناب عن النهروان النهر
وكتب إليه من أبيات:
لقد فاز قدحي في هواك وقابلتمطالع حالي من سمائك أسعد
فإن أنا لم أشكرك صادق نيةتقوم عليها آية النصح تعضد
فلا صح لي دين ولا بر مذهبولا كرمت نفس ولا طاب مولد
وقال من قصيدة:
إني لممن إن دعوت لنصرةيوماً بساطاً حجة وجلاد
أذكيت دونك للعدا حدق القناوخصمت عنك بألسن الأغماد
قيل كان استشعر من المعتمد وهرب منه، ثم رجع إليه، فغدا يسفك دمه عليه. فمما كتب إليه يستعطفه:
أأركب قصداً أم أعوج على الركبفقد صرت من أمري على مركب صعب
وأصبحت لا أدري أفي البعد راحتيفأجعله حظي أم الحظ في القرب
ومنها:
أما أنه لولا عوارفك التيجرت في مجرى الماء في الغصن الرطب
لما سمت نفسي ما أسوم من الأذىولا قلت إن الذنب فيما جرى ذنبي
أخافك للحق الذي لك في دميوأرجو للحب الذي لك في قلبي
سأستمنح الرحمى لديك ضراعةوأسأل سقيا من تجاوزك العذب
فأجابه المعتمد بأبيات منها:
تقدم الى ما اعتدت عندي من الرحبورد تلقك العتبى حجاباً عن العتب
متى تلقني تلق الذي قد بلغتهصفوحاً عن الجاني رؤوفاً على الصحب
وما أحسن قول مهيار:
أحبك وداً من يخافك طاعةوأعجب شيء خيفة معها حب
وكتب الى المعتمد في يوم غيم وقد احتجب:
تجهم وجه الأفق واعتلّت النفسبأن لم تلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما عن توافقوضمكما أنس فيهنيكما العرس
وكتب الى أبي القاسم محمد بن قاسم الفهري لما عاتبه حين اجتاز عليه، ولم يعرج نحوه:
لم تثن عنك عناني سلوة خطرتعلى فؤادي ولا سمعي ولا بصري
فقصرك البيت لو أني قضيت بهحجي وكفك منه موضع الحجر
لكن عدتني عنكم خجلة سلفتكفانيَ القول فيها غير معتذر
لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
واجتاز على أبي بكر بن عبد العزيز ببلنسية فأخرج الى لقائه رجلاً من اليهود، فقال في ذلك يعاتبه:
تناهيتم في برنا لو سمحتمبوجه صديق في اللقاء وسيم
وسلسلتم راح البشاشة بيننافما ضر لو ساعدتم بنديم
سألتمس العذر الجميل على العلىوأحتال للفضل احتيال كريم
وأثني على روض الطلاقة بالحياوإن لم أفز من نشره بنسيم
ضننتم بأعلاق الرجال على النوىفلم تصلونا منهم بزعيم
ولكن سأستعدي الوفاء فأقتضيسماحك بالأنس اقتضاء غريم
وقال في فارسين تبارزا، فسبق أحدهما الآخر فطعنه، من أبيات:
كم من شجاع قدته تحت الردىبدم من الأوداج كالأرسان
روّى ليضرب فانتهدت بطعنهإن الرماح بداية الفرسان
وقال في مغن يكنى أبا الفضل، وقيل القائل غيره:
غنى أبو الفضل فقلنا لهسبحان مخليك من الفضل
غناؤه حدٌّ على شربهافاشرب فأنت اليوم في حل
ومما أورده أبو الصلت في الحديقة من شعر أبي عمار وقال:
وفيت لربك فيمن غدروأنصفت دينك ممن كفر
وقمت تطالب في الناكثينمر الحفاظ بحلو الظفر
ولم تتقدم بجيش الرجالحتى تقدم جيش الفكر
وعاطلة من ليالي الحروبأطلعت رأيك فيها قمر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيلفمن غرس تدبير ذاك السحر
وقوله من أخرى:
لله درك ما تعلق ناظريبمدى علاك ولا جرى تحصيل
وجه بمعرفة الدلاص مقنعأبداً وطرف بالعجاج كحيل
ويد بآمال العفاة نهالهاأبداً وآجال العداة تسيل
عمرت ربوع المجد منها إنماتركت بيوت المال وهي طلول
وذكره ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار وقال: كان خصيصاً بالمعتمد في زمن إمارته وكلاهما نقي العذار، من ثوب الوقار، فلما صار الأمر إليه، حافظ عليه، وامتزج به امتزاج الماء بالعقار، ثم نكبه وأعطبه وآل الأمر الى أن هجاه ابن عمار، وكان قد التجأ منه الى الفرار.
فمن ذلك من قصيدة:
ألا حي بالغرب حياً حِلالاأناخوا جِمالاً وحازوا جمالا
وعرج بيومين أم القرىونم فعسى أن تراها خيالا
يومين: قرية بالأندلس كانت أولية المعتمد منها، يذكره بها، يعني ليس له قديم أصل في المملكة:
لتسأل عن ساكنيها الرمادولم أر للنار فيها اشتعالا
أيا فارس الخيل يا زيدهاحميت الحمى وأبحت العيالا
أراك تورّي بحب النساوقدماً عهدتك تهوى الرجالا
تخيّرتها من بنات الهجانرميكية لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراعلئيم النجارين عماً وخالا
بصفر الوجوه كأن استهارماهم فجاءوا حيارى كسالى
قصار القدود ولكنهمأقاموا عليها قروناً طوالا
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع