من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
المعتصم أبو يحيى محمد بن معن بن محمد ابن صمادح
صاحب المريّة وبجانة والصّمادحيّة كان في عصر ابن عمار، وسمعت الأمير نجم الدين أبا محمد بن فضال ينشد أبياتاً كتبها أبو بكر بن عمار إليه في جواب أبيات كتبها ابن صمادح، ويستحسنها، ويطرب بها.
فأما أبيات ابن صمادح فهي معاتبة:
ودهّدني في الناس معرفتي بهموطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلاً تسرّنيمباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّةمن الدهر إلا كان إحدى النّوائب
والأبيات التي أجاب المعتصمَ ابنُ عمار بها:
فديتُك لا تزهد وثَم بقيّةسيرغب فيها عند وقع التجارب
وأبق على الخلصان إنّ لديهمُعلى البدء كرّات بحسن العواقب
تكنّفتني بالنظم والنثر عاتباًوسقت عليّ القول من كل جانب
وقد كان لي لو شئت ردّ وإنماأجرّ لساني ذكر تلك المواهب
ولا بد من شكوى ولو بتنفّسيخفّف من حر الحشا والتّرائب
كتبت على رسمي وبعد نسيئةقرأت جوابي في سطور المواكب
ثلاثة أبيات وهيهات إنمابعثت الى حرْبي ثلاث كتائب
وكيف يلذّ العيش في عتب سيّدوما لذّ لي يوماً على عتب صاحب
وقبْلُ جرت عن بعض كتبي جفوةألحّت على وجهي بغمز الحواجب
سلكت سبيلي للزيادة إثرهافصادفت دفعاً في صدور الرّكائب
وما كنت مرتاداً ولكن لنفحةتعوّدت من ريحان تلك الضرائب
ولو لمعت لي من سمائك برقةركبت الى مغناك هوج الجنائب
فقبّلت من يمناك أعذب موردوقضّيت من لقياك أوكد واجب
وأبتُ خفيف الظهر إلا من النّوىوخلّفت للعافي ثقال الحقائب
سواك لغا قول الوشاة من العدىوغيرك يقضي بالظنون الكواذب
وقال أبو يحيى بن صمادح في بركة بناها بالصمادحية:
كأنّ انسياب الماء في صفحاتهاحسام صقيل المتن سلّ من الغمد
تفور به فوّارة مستديرةلها مقلة زرقاء موصولة السّهد
أدرنا بها كأساً كأنّ حبابهاحباب سقط الطّلّ في ورق الورد
لها في غدير الماء لألاء جمرةحكت نار إبراهيم في اللون والبرد
مأخوذ من قول ابن المعتز:
ومشمولة قد طال بالنقص حينماحكت نار إبراهيم في اللون والبرد
حططنا الى خمّارها بعد هجعةرِحالَ مطايا لم تزل نوقها تحدي
وأحسن ما قيل في الفوّارة قول علي بن الجهم:
وفوّارة ثأرها في السماءفليست تقصر عن ثارها
تردّ على المزن ما أنزلتعلى الأرض من صوب مدرارها
وذكر مؤلف كتاب قلائد العقيان المعتصم بن صمادح، فأكثر له الممادح، وذكر أنّ دولته كانت منبعاً للجود، ومطلعاً للسعود، ومشرعاً للوفود، ووصفه برواج بضائع الرجاء في سوقه، وإنارة مطالع الفضلاء بشروقه، واتّساق نظام نفائس الأفاضل، واتّساع مجالي مجالس الأماثل، وتحلّي الساعات بمذاكرة الفضل، وتخلّي الأوقات عن مساورة الجهل، وكان متنقّلاً من مدارسة الى مؤانسة، ومن مذاكرة الى معاشرة، وهو من مغنى أدب، الى مثوى طرب، لم يزاحم مليكاً على ملكه، ولم ينظر إلا في إجراء فلَكه، وإرساء فلْكه، حتى قصد، وبالنّوائب أرصد، ونوزل وقوتل، وطالت عليه الطوائل، وغالته الغوائل فقضى نحبه، وما قضى حبه، وفاضت نفسه مضضاً، وزاده إحداق الأعداء به على مرضه مرضاً.
وقال وهو متوجع مضطجع، وقد علا منهم الصوت: نغّص علينا كل شيء حتى الموت، ورمق بطرفه الكليل، حظيّة له قد أخذت في البكاء والعويل، فقال:
ترفّق بدمعك لا تفنهفبين يديك بكاء طويل
قال: وكتب ابن عمار إليه بعد أن أقام عنده طويلاً راجياً إذناً يجد فيه الى الانصراف سبيلاً:
يا واضحاً وضح السّحاب الجود في معْنى السماح
ومطابقاً يأتي وجوه البرّ من طرق المزاح
أسرفت في بر الضياف فجد قليلاً بالسراح
فأجابه:
يا فاضلاً في شكرهأصل المساء مع الصباح
هلا رفقت بمهجتيعند التكلم بالسّراح
إن السماح ببعدكموالله ليس من السّماح
وقال ابن صمادح في صفة نهر:
انظر الى حسن هذا الماء في صَببهْكأنّه أرقم قد جدّ في هربه
وقال، وأراد الركوب الى وجهة، والهبوب في نزهة، فأخبر بوفاة حظيّة له معشوقة، بالمقة مرموقة، فلم يثن عنانه، ولم يعطّل لسانه، وقال في ذلك:
لما غدا القلب مفجوعاً بأسودهوفضّ كل ختام عن عزائمه
ركبت ظهر جوادي كي أسلّيهوقلت للسّيف كن لي من تمائمه
قال، وتذكّر في بعض منتزهاته حظيّة، فهزّه الشوق إليها فكتب على جناح طائر تحية:
وحمّلتُ ذات الطوق مني تحيةًتكون على أفق المرية مِجْمَرا
قرأت في تاريخ الأندلس الذي صنّفه بعض أهل العصر، وهو محمد بن أيوب بن غالب الأنصاري للملك الناصر بمصر في سنة ثمان وستين وخمسمائة يذكر أن أبا يحيى محمد بن معن بن محمد بن صمادح لمّا حوصر بالمرية، وحاصره جيش أمير المسلمين كان مريضاً، واشتدت حاله، فسمع يوماً صيحة ففتح عينيه وقال: نُغّصَ علينا حتى الموت، ومات في إثر ذلك عند طلوع الشمس من يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة. قال أبو يحيى بن صمادح:
مؤلّف من خلاف قلبه حجروجسمه نعمة تدميه أنفاسي
وكلّما أتمنّى قربه جعلتمطامعي فيه تهوي بي الى ياسي
وقال أيضاً:
يا من بجسمي لبعده سقمما فيه غير الدنوّ يبريني
بين جفوني والنوم معتركتصغر عنه حروب صِفّين
إن كان صرف الزمان أبعدنيعنك فطيف الخيال يدنيني
وقال:
بأبي من زارني وهنا وقدطبّق الأفق دجاه فأنارا
وعلى يمناه كأس أنبتتمن سناها فوق يسراه احمرارا
واكتسىفبدا ... منه ماء جامد يحمل نارا
وقال:
لعمرك إن القلب نحوك شيّقوأنت بما ألقى من الشوق أعلم
فودّك عن ودّي إليك مبلّغوقلبك عن قلبي لديك مترجم
هذا من قول المتنبي:
ومثلك من كان الوسيط فؤادهفكلّمه عني ولم أتكلّم
وقال ابن صمادح:
الرّوض يشرب والأنواء تنسكبوالشمس تظهر أحياناً وتحتجب
وللنهار على أفنانه زهركأنّه فضّة من فوقها ذهب
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع