من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون
هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون القرطبي، وزير آل عباد، والمتقدم فيهم. له الى عباد والد المعتمد مع باكورة تفاح خدمه بها:
يا من تزينت الرئاسة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدام فخذ عليها ذنوبه
وكتب إليه أيضاً مع تفاح أنفذه، وكان عباد قد ترك الشرب:
جاءتك وافدة الشمولفي المنظر الحسن الجميل
لم تحظ ذائبة لديك ولم تنل حظ القبول
لهجرتها صفراء فيبيضاء هاجرها قليل
الكأس من رأد الضحىوالراح من طفل الأصيل
آثرت عائدة التقىورغبت في الأجر الجزيل
يروى من قول كسرى: لست أدري هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب. أخذه الخليع: فقال:
الراح تفاح جرى ذائباًكذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبهولا تدع لذة يوم لغد
من هذا ابن زيدون.
وللسري الرفا:
وقد أضاءت نجوم مجلسناحتى اكتسى غرة وأوضاحا
لو جمدت راحنا اغتدت ذهباًأو ذاب تفاحنا غتدى راحا
وللصنوبري:
من ينس لا أنس اتصال زمانناويد الزمان على السعود مساعده
إذ تجتلى راح كورد ذائبأو يجتنى ورد كراح جامده
ومن شعر ابن زيدون في الغزل:
ما للمدام تديرها عيناكفيميل في نشواتها عطفاك
هلا مزجت لعاشقيك سلافهاببرود ظلمك أو بعذب لماك
بل ما عليك وقد محضت لك الهوىفي أن أفوز بحظوة المسواك
ناهيك ظلماً أن أضربي الصدىبرحا ونال الريّ عود أراك
إن تألفي سنة النؤوم خليةفلطالما نافرت في ذكراك
أو تحتبي بالهجر في نادي القلىفلكم حللت الى الوصال حباك
أما منى نفسي فأنت جميعهايا ليتني أصبحت بعض مناك
يدنو بوصلك حين شط مزارهوهم أكاد به أقبل فاك
ومما أورده أبو الصلت في الحديقة من شعر ابن زيدون قوله في الاعتذار والاستعطاف:
ما للذنوب التي جاني كبائرهاغيري يحملني أوزارها وزري
من لم أزل من تأنيه على ثقةولم أبت من تجنيه على حذر
الكاظم الغيظ ينتاب الضمير لهلولا الأناة سقاه من دم هدر
لا تله عني فلم أسألك معتسفاًرد الصبا غب إيفاء على الكبر
هبني جهلت وكان الجهل سيئةلا عذر منها سوى أني من البشر
إن السيادة بالإغضاء لابسةبهاءها وبهاء الخود في الخفر
وقوله في الشفاعة:
واشفع فللشافع نعمى بماسناه من عقد وثيق النواح
إن سحاب الجوب منها الحياوالشكر في تأليفها للرياح
وقال ابن زيدون:
ما بال خدك لا يزال مضرجاًبدم ولحظك لا يزال مريبا
لو شئت ما عذبت مهجة عاشقمستعذب في حبك التعذيبا
ولزرته ما عدته إن الهوىمرض يكون له الوصال طبيبا
وقال:
متى أخفي الغرام يصفه جسميبألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب نزعن عنيخفيت خفاء خصرك في الوشح
وقال:
يا قمراً مطلعه المغربقد ضاق بي في حبك المذهب
وإن من أعجب ما مر بيأن عذابي فيك مستعذب
ألزمتني الذنب الذي جئتهصدقت فاصفح أيها المذنب
وقال:
وبنفسي وإن أضر بنفسيقمر لا ينال منه السرار
جال ماء النعيم منه بخدفيه للمستشف نور ونار
متجنّ يحلو تجنيه عنديفهو يجني ومني الاعتذار
وقال:
وقاطعاً صلتي من غير ما سببتالله إنك عن روحي لمسؤول
ما شئت فاصنعه كل منك محتملوالذنب مغتفر والعذر مقبول
لو كنت حظي لم أطلب به بدلاًأو نلت منك الرضا لم يبق مأمول
وقال:
كم نظرة لك في عيني علمت بهايوم الزيارة أن القلب قد ذابا
قلب يطيل معاصاتي لطاعتكمفإن أكلفه يوماً سلوة يأبى
ما توبتي بنصوح في محبتكملا عذب الله إلا عاشقاً تابا
وقال:
ودع الصبر محب ودعكذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنزاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنىحفظ الله زماناً أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكمبت أشكو قصر الليل معك
وقال:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضعسر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعاً حظه مني ولو بذلتلي الحياة بحظي منه لم أبع
ته، احتمل، واستطل، اصبر، وعز، أهنوول، أقبل، وقل، اسع، ومر، أطلع
هذا أحسن ما سمع في هذا الباب، لأجل ذكر الجواب، فإن الشعراء قد أكثروا ولكنه ادعاء مجرد. ولأبي الفرج الأصفهاني:
يا فرجة الهم بعد اليأس من فرجيا فرحة الأمن بعد الخوف والوهل
اسلم، ودم، وابق، واملك، وانم، واسم، وردوأعط، وامنع، وضر، وانفع، وصل، وصل
وللمتنبي:
أقل، أنل، اقطع، احمل، عل، سل، أعد، زد، هش، بش، تفضل، ادن، سرَّ صل
والأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر:
أصدق وعف وجد وانصف واحتملواصفح ودار وكاف واحلم واشجع
ومن شعر أبي الوليد في المديح والعتاب والشكر والاستعطاف، وغير ذلك، قال:
وطاعة أمرك فرض أراهـ من كل مفترض أوكدا
هي الشرع أصبح دين الضميرفلو قد عصاك لقد ألحدا
ومن أبيات كتب بها الى المعتمد أيضاً:
يا ندى يمنى أبي القاسم عميا سنا شمس المحيا أشمس
وارتشف معسول ثغر أشنبتحتسيه من مجاج ألعس
وقال من أبيات:
مهما امتدحت سواك قبل فإنمامدحي الى مدحي لك استطراد
تغشى الميادين الفوارس حقبةكيما يعلمها النزال طراد
وقال من أبيات في محمد بن جهور:
هو الدهر مهما أحسن الفعل مرةفعن خطأ لكن إساءته غمد
حذارك أن تغتر منه بجانبففي كل واد من نوائبه سعد
كرام يمد الراغبون أكفهمالى أبحر منهم لها باللهى مد
ولولا السراة الصيد من آل جهورلأعوز من يعدى عليه ومن يعدو
هم النفر البيض الذين وجوههمتروق فتستشفي بها الأعين الرمد
أمثلي غفل خامل الذكر ضائعضياع الحسام العضب أصدأه الغمد
أنا السيف لا ينبو مع الضرب غربهإذا ما نبا السيف الذي طبع الهند
لعمرك ما للمال أسعى فإنمايرى المال أسنى حظه الطمِع الوغد
ولكن بحال إن لبست جمالهاكسوتك ثوب النصح أعلامه الحمد
وقال في وصف خالع للطاعة:
ضلالاً لمفتون سموت بحالهالى أن بدت بين الفراقد فرقدا
رأى حطّاً أولى به فأحطهاحضيضاً بكفران الصنيعة أوهدا
فذل وقد أوطيته شبح السهىوضل وقد لقيته قبس الهدى
فما آثر الأولى ولا قلد الحجىولا شكر النعمى ولا حفظ اليدا
رأى أنه أضحى هزبراً مصمماًفلم يعد أن أمسى ظليماً مشردا
يود إذا ما جنه الليل أنهأقام عليه آخر الدهر سرمدا
وقال:
تحييني بريحان التحفّيوتصبحني معتقة السماح
فها أنا قد ثملت من الأياديإذ اتصل اغتباقي باصطباحي
وقال:
وصلنا فقبلنا الندى منك في يدبها يتلف المال الجسيم ويخلف
لقد جدت حتى ما بنفس خصاصةوأمّنت حتى ما بقلب تخوف
أفدت بهيم الحال مني غُرةيقابلها طرف الحسود فيطرف
وقال:
بني جهور أنتم سماء رئاسةمناقبكم في أفقها أنجم زهر
طريقتكم مثلى وهديكم رضاومذهبكم قصد ونائلكم غمر
وكم سائل بالغيب عنهم أجبتههناك الأيادي الشفع والسؤدد الوتر
عطاء ولا منّ وحكم ولا هوىوحلم ولا عجز وعز ولا كبر
وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه:
بني جهور أحرقتم بجفائكمضميري فما بال المدائح تعبق
تعدونني كالعنبر الورد إنماتطيب لكم أنفاسه حين يحرق
وفيه يقول:
قل للوزير وقد قطعت بمدحهعمري فكان السجن منه ثوابي
لم تعد في أمري الصواب موفقاًهذا جزاء الشاعر الكذاب
وكتبالى أبي حفص أحمد بن برد في مدة حبسه:
ما على ظني بأسيجرح الدهر ويأسو
ربما أشرف بالمرء على الآمال ياس
ولقد ينجيك إغفال ويرديك احتراس
ولكم أجدى قعودولكم أكدى التماس
وكذا الحكم إذا ماعز ناس ذل ناس
وبنو الأيام أخياف سراة وخساس
تلبس الدنيا ولكنمتعة ذاك اللباس
يا أبا حفص وما ساواك في الفهم إياس
من سنا رأيك لي فيغسق الخطب اقتباس
وودادي لك نصلم يخالفه القياس
أنا حيران وللأمر وضوح والتباس
ما ترى في معشر حالوا عن العهد وخاسوا
ورأوني سارياًيتقى منه المساس
أذؤب هامت بلحميفانتهاب وانتهاس
كلهم يسأل عن حالي وللذئب اعتساس
إن قسا الدهر فللماء من الصخر انبجاس
ولئن أمسيت محبوساً فللغيث احتباس
ويفت المسك في الترب فيوطاً ويداس
يلبد الورد السبنتىوله بعد افتراس
فتأمل كيف يغشىمقلة المجد النعاس
لا يكن عهدك ورداًإن عهدي لك آس
وأدر ذكريَ كاساًما امتطت كفك كاس
واغتنم صفو اللياليإنما العيش اختلاس
وعسى أن يسمح الدهر فقد طال الشماس
قال، وكتب الى عامر بن عبدوس:
أثرت هزبر الشرى إذ ربضونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلاًإليه يد البغي لما انقبض
حذار حذار فإن الكريمإذا سيم خسفاً أبى فامتعض
وإن سكون الشجاع النهوس ليس بمانعه أن يعض
عبثت بشعري ولم تتئبتعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القريض أم قد عفا رسمه فانقرض
لعمري لفوقت سهم النصالوأرسلته لو أصبت الغرض
وكتب الى الملقب بالمعتضد والد المعتمد، وقد شرب دواء:
أحمدت عاقبة الدواءونلت عافية الشفاء
وخرجت منه مثل ماخرج الحسام من الجلاء
وبقيت للدنيا فأنت دواؤها من كل داء
وورثت أعمار العدىوقسمتها في الأولياء
يا خير من ركب الجواد وسار في ظل اللواء
بشراك عقبى صحةتجري الى غير انتهاء
وبقيت مفدياً بناإن نحن جزنا في الفداء
وكتب الى أبي المعالي بن عامر يستدعيه:
أبا المعالي نحن في راحةفانقل إلينا القدم العاليه
أنت الذي لو تشترى ساعةمنه بدهر لم تكن غاليه
وقال في هجاء رجل كان في عينه فص:
محضت في استه الأيور حليباًفعلت عينه من الزبد نقطه
ولآخر كان في عينه فص وعلى محبوبه خال، وهو أبو الحسن بن منصور الديلمي:
لست آسى لفقد إنسان عينيوجميع الجمال في معتاضه
وحبيبي من مقلتي أخذ الخال وأعطى سوادها من بياضه
وقال ابن زيدون في المعتمد بعد المعتضد من قصيدة طويلة جميلة:
وإذا غصون المكرمات تهدلتكان الهديل ثناؤك المترنم
الفجر ثغر عن حفاظك باسموالمجد برد من وفائك معلم
ومن شعره في قلائد العقيان قوله:
يا مستخفاً بعاشقيهومستغشاً لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فيناحتى أطعنا السلو فيه
الحمد لله إذ أرانيتكذيب ما كنت تدعيه
من قبل أن يهزم التسليوغلب الشوق ما يليه
وقوله:
أيوحشني الزمان وأنت أنسيويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبتك الأمانيفأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدراً عن وفائيوبعت مودتي ظلماً ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكميفديتك من مكارهه بنفسي
وقوله:
ولقد شكوتك بالضمير الى الهوىودعوت من حنق عليك فأمّنا
منّيت نفسي من صفائك ضلةولقد تغر المرء بارقة المنى
وقوله يتغزل ويمدح المعتضد وفي آخرها ثلاثة أبيات سبق ذكرها:
أما في نسيم الريح عرف يعرفلنا هل لذات الوقف بالجزع موقف
ومنها:
ضمان علينا أن تزار ودونهارقاق الظبى والسمهري المثقف
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهموأزهرها من ظلمة الحقد أكلف
يودون لو يثني البعاد زمامناوهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف
كفانا من الشوق التحية خلسةفيومئ طرف أو بنان مطرف
وإني ليستهويني البرق صبوةالى ثغر برق إن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهماًلظلم لها كالراح إذ يترشف
وتذكرني العقد المرن جمانهمرنات ورق في ذرى الأيك تهتف
فما قبل من أهوى طوى البدر هودجولا ضم ريم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد طوى البحر مجلسولا حمل الطود المعظم رفرف
هو الملك الجعد الذي في ظلالهتكف صروف الحادثات وتصرف
روّيته في الحادث الأدِّ لحظةوتوقيعه الجالي دجى الخطب أحرف
طلاقة وجه فيمضاء كمثل مايروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة ميسموفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
يظن الأعادي أن حزمك نائملقد تعد الفسل الظنون فتخلف
ومنها:
رأيناك في أعلى المصلى كأنماتطلع من محراب داوود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادمتشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يدبها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخير أنّى لي بشكرك نهضةوكيف أؤدي شكر ما أنت مسلف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانبولا ذل منقاد ولا لان معطف
وقوله عند فراره، من محبسه وإساره، وإقامته متوارياً كالقمر في سراره، وهو في قرطبة - يخاطب ولادة - وكانت مخصوصة منه بالمحبة، ويستنهض الأديب أبا بكر للشفاعة، ويستنزل أبا الحزم بن جهور:
شحطنا وما بالدار نأي ولا شحطوشط بمن أهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوت بحادث عهدناحوادث لا عهد عليها ولا شرط
لعمركم إن الزمان الذي قضىبتشتيت جمع الشمل منا لمشتط
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجرزيارته عب وإلمامه فرط
وما شرق مقتول الجوانح بالصدىالى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ماأدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الأنسي أحوى كناسهنواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون السحر يرتاح درعهمتى ضاق ذرعاً بالذي حازه المرط
كأن فؤادي يوم أهوى مودعاًهوى خافقاً منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطرهفمن زفرتي شكل ومن عبوتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهمفريسة من يعدو ونهزة من يسطو
وأن الجواد الفائت الشأو صافنتخوّنه شكل وأزرى به ربط
وأن الحسام العضب ثاو بجفنهولا ذم من غربيه قدٌّ ولا قط
عليك أبا بكر بكرت بهمةلها الخطر العالي وإن نالها حط
أبي بعدما هيل التراب على أبيورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندي ظلالهاعلي ولا جحد لدي ولا غمط
ولولاك لم يثقب زناد قريحتيفتلتهب الظلماء من نارها سقط
ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهراًفمن خاطري نثر ومن روضه لقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقيولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرتمن الروضة الغناء طاولها القحط
مئون من الأيام خمس قطعتهاأسيراً وإن لم يبد سرّ ولا قسط
أتت بي كما ميط الإناء من الأذىوأذهب ما بالثوب من دنس مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشروغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرنيَ المنىوللغر في العشواء من ظنه خبط
أما وأرتني النجم موطئ أخمصيلقد أوطأت خدي لأخمص من يخطو
ومستبطأ العتبى إذا قلت قد أتىرضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنيني فيأبى قبولههوى سرف منه وصاغية فرط
ونظم ثناء في نظام ولائهتحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصلوفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى الى عدىلهم في أديمي كلما استمكنوا عط
بلغت المدى إذ قصروا فقلوبهممكامن أضغان أساودها رقط
يولّونني عرض الكراهة والقلىوما دهرهم إلا النفاسة والغبط
ولما انتحوني بالتي لست أهلهاولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار إرابةفقد فر موسى حين هم به القبط
وإني لراج أن تعود كبدئهالي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفو الذنوب بعفوهوتمحى الخطايا مثل ما محي الخط
فما لك لا تختصّني بشفاعةيلوح على دهري لميسمها غبط
يفي بنسيم العنبر الورد ريحهاإذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعمى هنيئةلنفس على نفس ألظ بها ضغط
وإن يأب إلا قبض مبسوط فضلهففي يد مولى فوقه القبض والبسط
قال يكلف بولادة ويهيم، ويستضيء بنور تجليها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب الى أخلاق الشباب، فلما يئس من لقياها وحجب عنه محياها، كتب إليها:
بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحناشوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنايقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدتسوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفناومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانيةقطوفها فجنينا منه ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فماكنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بامتزاجهمحزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أن الزمان الذي ما زال يضحكناأنساً بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوابأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسناوانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنافاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكمرأياً ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرناإن طالما غيّر النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاًمنكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلاً عنك يشغلناولا أخذنا بديلاً منك يسلينا
يا ساري البرق غادِ القصر فاسق بهمن كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنامن لو على البعد حياً كان يحيينا
يا روضة طالما أجنت لواحظناورداً جلاه الصبا غضاً ونسرينا
ويا حياةً تملّينا بزهرتهامنى ضروباً ولذات أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من غضرتهفي وشي نعمى سحبناً ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالاً وتكرمةوقدرك المعتلى عن ذاك يكفينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةفحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلهاوالكوثر العذب زقوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثناوالسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمناحتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو حين ذكرنا الحزن حين نهتعنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوَراًمكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهلهشرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق كمال أنت كوكبهسالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختياراً تجنبناك عن كثبلكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعةفينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلناسيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
فما ابتغينا خليلاً منك يحبسناولا استعدنا حميماً عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعهبدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبكي وفاء وإن لم تبذلي صلةفالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
دومي على العهد ما دمنا محافظةفالحر من دان إنصافاً كما دينا
وفي الجواب متاع لو شفعت بهبيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيتصبابة منك نخفيها فتخفينا
ولما مات عباد المعتضد قربه ولده محمد المعتمد واتخذه جليساً، وأكرمه أنيساً ورأى رعي مواته، وأحيى الموات من حرماته، فقال يرثيه، ويشكر ابنه:
أعباد يا أوفى الملوك لقد عداعليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك عليهوذكرك في أردان أيامه عطر
أأنفسَ نفس في الهوى قصد الردىوأخطر علق للهدى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمَرفإن سواء طال أو قصر العمر
ومنها:
فهل علم الشلو المقدس أننيمسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وإن مثابي لم يضعه محمدخليفتك العدل الرضا وابنك البر
وأرغم في بري أنوف عصابةلقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوةوقام سماطاً حفله فلي الصدر
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع