من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
باب في ذكر محاسن أعيان المغرب والأندلس جماعة اتفقوا في بالأندلس في حدود سنة خمسمائة المعتمد بن عباد الملك بالأندلس
هو أبو القاسم محمد الملقب بالمعتمد بن أبي عمرو عباد الملقب بالمعتضد بن إسماعيل بن محمد بن قريش عمار بن عمرو بن عطاف بن نعيم. وعطاف ونعيم هما الداخلان بالأندلس. وولد المعتمد بمدينة باجة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وولي سنة إحدى وستين بإشبيلية وخلع سنة أربع وثمانين وتوفي بأغمات سنة ثمان وثمانين، وكانت بداية دولتهم من سنة أربع عشرة وأربعمائة ولم تزل أيامه صافية المشارع من الكدر، ضافية المدارع بالظفر، محمية من الغير، واضحة الحجول والغرر، إلى أن دهي من يوسف ابن تاشفين بداهية خلعته عن سلطانه، وازعجته عن أوطانه، فعاد من كانيمدحه راثيا له ناعيا، ومن كان يرجوه منتجعا عليه باكيا. وقدم إلينا بالعراق رجل من أصحاب الحديث يقال له الشيخ أبو الحسن بن صالح الاندلسي، وقدم إلى البصرة وأنا نائب الوزير ابن هبيرة بها في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وخمسمائة وكان ينشدنيأشعار أهل المغرب ومما ذكره من حديث الملك عباد، قال: ذكر لي قاضي الجماعة بإشبيلية أبو الحسن شريح بن محمد أنه لما خلع المعتمد غربه يوسف بن تاشفين الى العدوة، فوصل الى موضع منها وأهل البلد خارجون للاستسقاء، فأنشد:
خرجوا ليستسقوا فقلت إليهمدمعي ينوب لكم عن الأنواء
قالوا حقيق في دموعك مقنعلكنها ممزوجة بدماء
وذكر أنه حكى له أنه كان المعتمد سائراً الى الجامع يوم الجمعة، ووزيره ابن عمار معه، فسمع أذان المؤذن، فقال:
هذا المؤذن قد بدا بأذانه
فقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانه
فقال المعتمد:
طوبى له من شاهد بحقيقة
فقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه
نقص
كأنك تحسبها نرجساًتدير الدماء عليها عقارا
تريك الرماح القدود انثناءوتجلو الصفاح الخدود احمرارا
إذا نار حربك ضرّمتهاحسبنا الأسنة فيها شرارا
ستلقى فعالك يوم الحسابينشر بالمسك منك انتشارا
وللشهداء ثناء عليكبحسن مقامك ذاك النهارا
وأنهم بك يستبشرونألا تخاف وألا تضارا
وتلقى نعيماً ينسي الشقاوتجنى سراحاً ينسي الإسارا
وأول هذه الأبيات - وكان طلب خباء من يوسف يسافر به فوعده وأخلف - فقال:
هم أوقدوا بين جنبيك ناراًأطالوا لها في حشاك استعارا
أما يخجل المجد إن رحلوكولم يصحبوك خباء معارا
تراهم نسوا حين جبت القفاراحنيناً إليهم وخضت البحارا
بعهد لزوم لسبل الوفاإذا حاد من حاد عنها وجارا
وقلب نزوع الى يوسففلولا الضلوع عليه لطارا
ونقلت من بعض تعاليق المصريين ما أورده آنفاً، ووشحه من كلامه بما يرد من شعره الى أبيه من قصيدة:
سميدع يهب الآلاف مبتدئاًويستقل عطاياه ويعتذر
له يد كل جبار يقبلهالولا نداها لقلنا إنه الحجر
وأولها في الاعتذار عن كبيرة:
سكن الفؤاد لا يذهب بك الفكرماذا يعيد عليك الهم والسهر
وازجر جفونك لا ترضى البكاء لهفاصبر فقد كنت عند الخطب تصطبر
وإن يكن قدر قد عاق عن وطرفلا مرد لما يأتي به القدر
وإن تكن خيبة في الدهر واحدةفكم غدوت ومن أشياعك الظفر
ومنها في قوم خذلوه وتركوه مع العدى وأهملوه:
ما الذنب إلا على القوم ذوي دغلوفى لهم عدلك المألوف إذ غدروا
قوم نصيحتهم غش وحبهمبغض ونفعهم إن صرفوا ضرر
يميز البغض في الألفاظ إن نطقواويعرف الحقد في الألحاظ إن نظروا
وكتب أيضاً الى أبيه:
مولاي أشكو إليك داءأصبح قلبي به قريحا
سخطك قد زادني سقاماًفابعث إلي الرضا مسيحا
فقوله: مسيحا، من القوافي التي يتحدى بها.
وكتب الى أبيه يشكر عن فرس أصعد بعثه إليه:
نوال جزيل يبهر الشكر والحمداوصنع جميع يوجب النصح والودا
لقد جدت بالعلق الذي لو أباعهبذلت ولم أغبن به العيشة الرغدا
جواد أتاني من جواد تطابقافيا كرم المهدي ويا كرمى المهدى
وكم من يد أوليت موقعها ندلديّ ولكن أين موضع ذا الاصدا
لعليَ يوم أن أوفيه حقهفأنعله ممن عصى أمرك الخدا
وكتب إليه جواباً عن تحفة:
يا ملكاً قد أصبحت كفهساخرة بالعارض الهاطل
قد أفحمتني منّة مثلهايضيق القول على القائل
وإن أكن قصرت عن وصفهافحسنها عن وصفها شاغلي
ومن خطابه لأصحابه، كتب الى أبي بكر محمد بن عمار وزيره:
لما نأيت نأى الكرى عن ناظريورددته لما انصرفت عليه
طلب البشير بشارة يجزى بهافوهبت قلبي واعتذرت إليه
وما أحسن قول أبي فراس لسيف الدولة:
أهديت نفسي إنمايهدى الجليل الى الجليل
وجعلت ما ملكت يديصلة المبشر بالقبول
وكتب ابن عباد من قصره بقرطبة الى أصحاب له:
حسد القصر فيكم الزهراءولعمري وعمركم ما أساء
قد طلعتم بها شموساً صباحاًفاطلعوا عندنا بدوراً مساء
وكتب الى بعض ندمائه، يستدعيه الى الشراب:
أيها الصاحب الذي فارقت عيني ونفسي منه السنى والسناء
نحن في المجلس الذي يهب الراحة والمسمع الغنى والغناء
نتعاطى التي تنسيك في اللذة والرقة الهوى والهواء
فأته تلف راحة ومحياقد أعدا لك الحيا والحياء
وكتب الى أبي بكر محمد بن عمار:
قد زارنا النرجس الذكيوطاب من يومنا العشي
ونحن في مجلس أنيقوقد ظمئنا وفيه ريّ
ولي صديق غدا سمييا ليته وافق السمي
فحضر أبو بكر باب القصر، وكتب إليه رقعة فيها:
لبيك لبيك من منادله الندى الرحب والندي
ها أنا بالباب عبد قنقبلته وجهك السني
شرفه والداه باسمشرفته أنت والنبي
ومن شعره في الغزل، قال في قصيدة كتب بها الى أبي بكر بن عمار:
وكم ليلة قد بت أنعم جنحهابمخضبة الأرداف مجدبة الخصر
وبيض وسمر فاعلات بمهجتيفعال الصفاح البيض والأسل السمر
وباتت تسقيني المدام بلجهافمن كأسها حيناً وحيناً من الثغر
وتطربني أوتارها وكأننيسمعت بأوتار الطلى نغم البتر
وقال:
فتكت مقلتاه بالقلب منيوبكت مقلتاي شوقاً إليه
فحكى لحظه لنا سيف عباد ولحظي له سحاب يديه
وقال:
كتبت وعندي من فراقك ما عنديوفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد
وما خطت الأقلام إلا وأدمعيتخط سطور الشوق في صفحة الخد
ولولا طلاب المجد زرتك طيّهعميداً كما زار الندى ورق الورد
فقبلت ما تحت اللثام من اللمىوعانقت ما فوق الوشاح من العقد
من قول عمر بن أبي ربيعة:
واسقط علينا كسقوط الندىليلة لا ناه ولا زاجر
وقال - وهو عليل - وقد زارته سحر جاريته:
سأسأل ربي أن يديم بي الشكوىفقد قربت من مضجعي الرشأ الأحوى
إذا علة كانت لقربك علةتمنيت أن تبقى بجسمي وأن تقوى
شكوت وسحر قد أعنت زيارتيفجاءت بها النعمى التي سميت بلوى
فيا علتي دومي فأنت حبيبةويا رب سمعاً من ندائي والشكوى
وقال في جارية يحبها وهي بين يديه يوماً تسقيه والكأس في يدها، إذ لمع البرق، فارتاعت، فقال:
روعها البرق وفي كفهابرق من القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحىكيف من الأنوار ترتاع
وهي من توارد الخواطر، أن ابن عباد أنشد عبد الجليل بن وهبون البيت الأول وطلب منه أن يذيله، فقال:
ولن ترى أعجب من آنسمن مثل ما يمسك يرتاع
قال أبو الصلت في الحديقة: هذا البيت أجود، لجودة ترتيب اللفظ مع جودة معناه، وللمطابقة بين لفظي الأنس والارتياع، وتشبيه لمعان الخمر بلمعان البرق وإن كان بيت الأمير أيضاً جيداً.
وقال ابن عباد:
تظن بنا أم الربيع سآمةألا غفر الرحمان ذنباً تواقعه
أأهجر ظبياً في ضلوعي كناسهوبدر تمام في جفوني مطالعه
إذن هجرت كفي نوالاً تفيضهعلى معتفيها أوعدوا تقارعه
وقال:
دارى ثلاثته بلطف ثلاثةفثنى بذاك رقيبه لم يشعر
أسراره بتستر وأوارهبتصبر وخباله بتوقر
وقال:
يا معرضاً عني ولم أجنِ مايوجب إعراضاً ولا هجرا
قد طال ليل الهجر فاجعل لناوصلك في آخره فجرا
وقال:
أكثرت هجري غير أنك ربماعطفتك أحياناً عليّ أمور
فكأنما زمن التهاجر بينناليل وساعات الوصال بدور
وقال:
يا صفوتي من البشريا كوكباً بل يا قمر
يا غصناً إذا مشىيا رشأ إذا نظر
يا نفس الروضة قدهبت لها ريح سحر
يا ربة اللحظ الذيشد وثاقاً إذا فتر
متى أداوي يا فداك السمع مني والبصر
ما بفؤادي من جوىبما بفيك من خصر
وقال:
الصبح قد مزق ثوب الدجىفمزق الهم بكفّيْ مها
خذ باسمها من ريقها قهوةفي لون خديها تجلى الأسى
وقال:
أسر الهوى نفسي فعذبهايوم الوداع فلم أطق منعا
فأذاب حر صبابتي كبديوأسالها في وجنتي دمعا
وقال:
حرم النوم علينا ورقدوابتلانا بهواه ثم صد
يا هلالاً حسن خد يا رشاغنج لحظ يا قضيباً لين قد
بودادي لك بالشوق الذيفي فؤادي لا تدعني للكمد
لست أرضى عن زماني أو أرىمنك حسناً لا أراه من أحد
وقال:
يا ليت مدة بعدكرشيقة مثل قدك
كمدة الورد ورد الربيع لا ورد خدك
فعمر ذا عمر صبريوعمر ذا عمر صدك
رضيت منك وإن لمتنجز بلذة وعدك
وقال:
لو زرتنا لرأيت ما لم تعهدذوب اللجين خليط ذوب العسجد
نطف تجملها فقاقع منه ماجمدت لتحفظ جسم ما لم يجمد
وقال في غلام اسمه سيف:
سميت سيفاً وفي عينيك سيفانهذا لقتلي مسلول وهذان
أما كفت قتلة بالسيف واحدةحتى أتيح من العينين ثنتان
أسرته وثناني غنج مقلتهأسيره وكلانا آسر عان
يا سيف أمسك بمعروف أخا ثقةلا يبتغي منك تسريحاً بإحسان
وكانت له جارية تسمى جوهرة يحبها فكتب إليها يسترضيها في عتاب جرى بينهما فأجابته برقعة لم تعنونها باسمها فقال:
لم تصف لي بعد وإلا فلملم أرَ في عنوانها جوهره
درت بأني عاشق لاسمهافلم ترد للغيظ أن تذكره
قالت إذا أبصره ثانياًقبّله والله لا أبصره
وما أحسن قول الصنوبري:
وشاطرة أدبتها الشطارهحلى الروض من حسنها مستعاره
أميرة حسن إذا ما بدتأقر الأمير لها بالإماره
أتت في لباس لها أخضركما تلبس الورق الجلناره
فقلت لها ما اسم هذا اللباسفردت مرداً مليح العباره
شققنا مرائر قوم بهفنحن نسميه شق المراره
وقال ابن عباد في الجارية:
سرورنا دونكم ناقصوالطيب لا صاف ولا خالص
والسعد إن طالعنا نجمهوغبت فهو الآفل الناقص
سموك بالجوهر مظلومةمثلك لا يدركه غائص
وقال فيها:
جوهر قد عذبنيمنك تمادي الغضب
فزفرتي في صعدوعبرتي في صبب
يا كوكب الحسن الذيأزرى بزهر الشهب
مسكنك القلب فلاترضي له بالوصب
وقال في جارية اسمها وداد:
اشرب الكأس في وداد ودادكوتأنس بذكرها في انفرادك
قمر غاب عن جفونك مرآهـ وسكناه في سواد فؤادك
وقال:
لكِ الله كم أودعتِ قلبيَ من أسىوكم لك ما بين الجوانح من كلم
لحاظك طول الدهر حرب لمهجتيألا رحمة تثنيك يوماً الى سلمي
وقال:
ولج الفؤاد فما عسى أن أصنعاولقد نصحت فلم أرد أن أسمعا
أسفي أود ولا أود وأغتديوأروح أحفظ عهد من قد ضيعا
ما كان ظني أن أجود بمهجتيحبا وأقنع بالسلام فأمنعا
يا هاجرين قد اشتفيتم فارفقواوهبوا لعثرة عاشق لكم لعا
ردوا بردكم السلام حشاشةلم تبق لولا أن فيكم مطمعا
وقال من أبيات:
قلت متى ترحمنيقال ولا طول الأبد
قلت فقد أيستنيمن الحياة قال قد
ولما علقت هذين البيتين في هذا الجزء في دمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة عملت في أسلوبها:
راودته في قبلةمن وجهه الحلو ومن
فاغتاظ مني حنقاكأنه لي مضطغن
فقلت إن بذلت مايرضيك مني قال إن
وقال ابن عباد:
حكّمه في مهجتي حسنهفظل لا يعدل في حكمه
أفديه ما ينفك لي ظالماًيا رب لا يجز على ظلمه
وقال من أبيات:
ولما التقينا للوداع غديةوقد خفقت في ساحة القصر رايات
بكينا دماً حتى كأن عيوننالجري الدموع الحمر منها جراحات
مأخوذ من هذا البيت:
بكيت دماً حتى لقد قال قائلترى ذا فتى من جفن عينيه يرعف
ومن أوصافه وملحه، قال:
ورب ساق مهفهف غنجقام ليسقي فجاء بالعجب
أبدى لنا من لطيف حكمتهفي جامد الماء ذائب الذهب
وقال:
لاح وفاحت روائح الندمختصر الخصر أهيف القد
وكم سقاني والليل معتكرفي الماء ذائب الورد
قد أكثر الشعراء من أخذ هذا المعنى، وتصرفوا في قول ابن المعتز:
وخمارة من بنات المجوسترى الدن في بيتها سائلا
وزنّا لها ذهباً جامداًفكالت لنا ذهباً سائلا
ومما نظمته في هذا الأسلوب من قطعة ببغداد:
رعى الله عصراً فيه فازت قداحناودارت علينا بالمسرة أقداح
وقد راقنا ورد وراح تشابهافلم ندر ذاب الورد أم جمد الراح
وقال ابن عباد، وقد أمره أبوه أن يصف مجنّاً فيه كواكب فضة:
مجنّ حكى صانعوه السمالتقصر عنه طوال الرماح
وقد صوروا فيه شبه الثرياكواكب تقضي لنا بالنجاح
وقال ابن عباد في شمعة:
وشمعة تنفي ظلام الدجىنفي يدي العدم عن الناس
ساهرتها والكأس يسقي بهامن ريقه أشهى من الكاس
ضياؤها لا شك من وجههوحرها من حر أنفاسي
وقال في وصف قصيدة:
إليك روضة فكر جاد منبتهاندى يمينك لا طل ولا مطر
جعلت ذكرك في أرجائها زهراًوكل أوقاتها للمجتني ثمر
وقال يستدعي عوداً للغناء:
غلب الكرى ودنت مطايا الراحواشتقن شدو حداتها النصاح
فابعث نشاط سؤومها وحسيرهابغناء حاديها أخي الإفصاح
ليقيم ذاك العود من رسم السرىويعود في الأجسام بالأرواح
فنسير في طرق السرور ونهتديلخفيفهن بأنجم الأقداح
وقال في توديع بعض جواريه:
ساويتهم والليل غفل ثوبهحتى تبدى للنواظر معلما
فوقفت ثَم مودعاً وتسلمتمني يد الإصباح تلك الأنجما
ومن أشعاره في مدة أسره، واستيلاء أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين على بلده بأسره، قال من قطعة:
أبى الدهر أن يقنى الحياء ويندماوأن يمحوَ الذنب الذي كان قدما
فإن يتلقى وجه عتبي وجههبعذر يغشّي صفحتيه التذمما
ستعلم بعدي من تكون سيوفهالى كل صعب من مراقيك سلما
سترجع إن حاولت دوني فتكةبأخجل من خد المبارز أحجما
وقال من أبيات:
سلت علي يد الخطوب سيوفهافجذذن من جلدي الحصيف الأمتنا
ضربت بها أيدي الخطوب وإنماضربت رقاب الآملين بها المنى
يا آملي العادات من نفحاتناكفوا فإن الدهر كف أكفنا
وكتب الى ابن صمادح حين سعى به الى أمير المسلمين بالقبائح سعي الطاعن القادح:
يا من تمرس بي يريد مساءتيلا تعرضن فقد نصحت لمندم
من غره مني خلائق سهلةفالسم تحت ليان مس الأرقم
وقال من قصيدة يصف فيها الكبل:
تعطف في ساقي تعطف أرقميساورها عضاً بأنياب ضيغم
وإني من كان الرجال لسيبهومن سيفه في جنة وجهنم
وقال:
قبح الدهر فماذا صنعاكلما أعطى نفيساً نزعا
قد هوى ظلماً بمن عاداتهأني ينادى كل من يهوى لعا
من إذا قيل الهوى صم وإننطق العافون همساً سمعا
قل لمن يطمع في نائلهقد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوةجبر الله العفاة الضيَّعا
وقال:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسروراأسرّك العيد في أغمات مأسورا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاًفردك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسرُّ بهفإنما بات بالأحلام مغرورا
ومنها:
أرى بناتي في أغمات من عدميغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يمشين في الأرض والأقدام حافيةوطالما وطئت مسكاً وكافورا
وتعرض له ملحفو أهل الكدية، فقال:
سألوا اليسير من الأسير وإنهلنوالهم لأحق منهم فاعجب
لولا الحياء وعزة لخميةطي الحشا لحكاهم في المطلب
وكان قد أبلى بلاء حسناً عند خلعه، فأشار عليه وزراؤه بالخضوع والاستعطاف، فقال:
قالوا الخضوع سياسةفليبدُ منك لهم خضوع
إن يسلب القوم العدىملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعهلم تسلم القلب الضلوع
كم رمت يوم نزالهمأن لا تحصني الدروع
وبرزت ليس سوى القميص عن الحشا شيء دفوع
أجلي تأخر لم يكنبهواي ذلي والخشوع
ما سرت قط الى القتالوكان في أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهموالأصل تتبعه الفروع
قوله: ما سرت قط الى القتال، البيت، من قول أحد الخوارج في وقعة قديد أيام مروان الجعدي حين تمثل:
وخارج أخرجه حب الطمعفر من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع
وقال يرثي ابنيه: الفتح ويزيد، وكانا قتلا:
يقولون صبراً لا سبيل الى الصبرسأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
أفتح لقد فتحت لي باب رحمةكما بيزيد الله قد زاد في أجري
هوى بكما المقدار عني ولم أمتفأدعى وفياً قد نكصت الى الغدر
ولو عدتما لاخترتما العود في الثرىإذا أنتما أبصرتماني في الأسر
أبا خالد أورثتني البث خالداًأبا النصر
مذ ودعت ودعني نصري
وقال من قطعة يرثي فيه سعداً ابنه:
إذا كان قد أودى الزمان بمثلهولم يبق في عود له طمع بعد
فلا بترت بُترٌ ولا قنيت قناولا زأرت أسد ولا صهلت جرد
ولا زال ملذوعاً على سيد حشاولا انفك ملطوماً على ملك خد
وقال من قطعة:
نار وماء صميم القلب أصلهمامتى حوى القلب نيراناً وطوفانا
ضدان ألّف صرف الدهر بينهمالقد تلون في الدهر ألوانا
وفي المجموع، قال ابن اللبانة: كنت مع المعتمد بأغمات، فلما قاربت الصدر، وأزمعت السفر، صرف حيله، واستعد ما قبله، وبعث إلي مع شرف الدولة ابنه - وهذا من بنيه أحسن الناس سمتاً، وأكثرهم صمتاً، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، شارع في اقتناء الكتب - بعشرين مثقالاً مرابطية، وثوبين غير مخيطين، وكتب مع ذلك أبياتاً منها:
إليك النزر من كف الأسيروإن تقبل تكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياءوإن عذرته حالات الفقير
فامتنعت من ذلك، وأجبته بأبيات منها:
تركت هواك وهو شقيق دينيلئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزاياإذا أصبحت أجحف بالأسير
جذيمة أنت والزباء خانتوما أنا من يقصر عن قصير
تصرف في الندى حيل المعاليفتسمح من قليل بالكثير
وأعجب منك أنك في ظلاموترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سروراًإذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعاليغداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاءبها وأزيد ثَم على جرير
تأهب أن تعود الى طلوعفليس الخسف ملتزم البدور
وأتبعتها أبياتاً منها:
حاش لله أن أجيح كريمايتشكى فقراً وكم سد فقرا
وكفاني كلامك الرطب نيلاكيف ألقي دراً وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتتلا سقى الله بعدك الأرض قطرا
وطالعت قلائد العقيان، وله في غلام رآه يوم العروبة من ثنيات الوغى طالعاً، ولطلى الأبطال قارعاً، وفي الدماء والغاً، ولمستبشع كؤوس المنايا سائغاً وهو ظبي قد فارق كناسه، وعاد أسداً صارت القنا أخياسه، ومتكاثف العجاج قد مزقه إشراقه، وقلوب الدارعين قد شكتها أحداقه.
فقال:
أبصرت طوقك بين مشتجر القنافبدا لطرفي أنه فلك
أو ليس وجهك فوقه قمراًيجلى بنيّر نوره الحلك
وله فيه:
ولما اقتحمت الوغى دارعاًوقنعت وجهك بالمغفر
حسبنا محياك شمس الضحىعليه سحاب من العنبر
وأورد أبو الصلت في الحديقة من شعر المعتمد قوله في جارية وقفت تحجب الشمس عنه:
قامت تحجب ضوء الشمس قامتهاعن ناظري حجبت عن ناظر الغير
علماً لعمرك منها أنها قمرهل تحجب الشمس إلا دارة القمر
وقوله في نكبته وهو في العقل وهو أحسن ما سمع فيه:
قضى وطراً من أهله كل نازحوكرّ يداوي علة في الجوارح
سواي فإني رهن أدهم مبهمسبيل نجاتي آخذ بالمبارح
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع