من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الضوء سراج بن أحمد بن رجاء الكاتب
قرأت من ديوان أبي الصّلت ما كتبه الى سراج الكاتب، فمن جملة ما قرأت فيه، ما يقول فيه أبو الصلت من قصيدة طويلة، جواباً عن أبيات، قوله وهو يدلّ على فضله ونبله:
حلفتُ بها أنضاءَ كل تنوفةٍإذا قطعَتْ شَهْبا أبيح لها حزْمُ
تزورُ لوفد الله أكرمَ بقعةوأفضلَ ما تنحو الرّكابُ وتأتمّ
لقد نالَ في رِفقٍ أبو الضوءِ رتبةيقصّرُ عن غاياتِها العربُ والعجم
فتًى خصّني منه على الشّحْط والنّوىبعهدِ وفاءٍ ما لعروته فصْمُ
تناهى لديه العلمُ والحلمُ والحِجاوكُمِّلَ فيه الظّرفُ والنُبلُ والفهم
رقيقُ حواشي الطّبْعِ رقّ حواشياًلأنْ عُدّ من أبنائِه الزّمنُ العُدْمُ
إذا هدّم الناسُ المعاليَ شادَهاولن يستوي الباني ومن شأنُه الهدْمُ
وإن أخّرَ الأقوامَ نقص تقدّمتْبه رتبة تعنو لها الرتَبُ الشُمّ
له قلم ماضي الشَّباةِ كأنّمايمجّ به في طِرسِه الأرقمُ السُم
كفيل بصرفِ الدهر يصرفُ كيْدهوقد عزّ من حدّ الحُسام له حسْمُ
شدوتُ بذكراهُ فمُصْغٍ وقائِلٌأخو كرمٍ حيّاه بابنته الكرْمُ
أبا الضوءِ وافاني كتابكُ يزدهيبه النثْرُ من تلك البلاغةِ والنُظمُ
كتابٌ لو استدعى به العُصمَ قانِصٌلما استعصمتْ من أن تخِرّ له العُصم
ولما فضضتُ الختْمَ عنه تضوّعتْلطيمةُ سفرٍ فُضّ عن مِسكها الختم
وسرّحتُ طرْفي في رياضِ محاسنٍوشاها الحيا المنهلّ بل علمكَ الجمّ
فدُم، وابقَ، واسلَمْ، واستطِلْ عِزّةً، وصِلْوسُدْ، وارْقَ، واغنَمْ، واستزِدْ نعمة، وانْمُ
فلن يتنافى اثنان: رأيُك والنُهىولن يتلاقى اثنان: فعلُك والذّمُّ
ولأبي الصّلت أيضاً فيه من قصيدة، جواباً:
إيهٍ أبا الضوء هل يقضي اللقاء لناوبيننا لُجَح والموجُ يلتطمُ
وافى كتابكَ مختوماً على دُرَرٍيروق منتثرٌ منها ومنتظمُ
طرس غدا الغيثُ بالتّقصير معترفاًعما وشاهُ به من روضه القلمُ
قد أودع الزهْرَ إلا أنه فِقَروالأنجمَ الزّهرَ إلا أنها كلِم
ولأبي الصلت أيضاً في أبي الضوء في صدر كتاب جواباً عن أبيات:
أزَهْرَ الرّبى برُضوب الغواديأم الحَلْيُ فوق نُحور الغواني
أم الإلْفُ زار بِلا موعدٍفأبرأني منهُ ما قد براني
وغيّضَ دمعي وكم قد طفِقْتُوعينايَ عيناه نضّاحَتانِ
أم الطِّرسُ أعملَ فيه اليراعوأودعَ أحسنَ رقِم البنانِ
فذُمّ لمرآه وشي الصّناعوبيع له الدرّ بيع الهوان
وما خِلتُ أن بُرودَ الكلامتقدّرُ حسبَ قدود المعاني
ولم أدرِ أنّ بنات العقول تفعلُ فعلَ بنات الدّنان
وما السّحر سحر مراض الجفونِولكنّما السّحرُ سحرُ البيان
وأين الخدودُ من الجُلّناروأين الثّغور من الأقحوان
كتاب نفيْتُ اكتئابي بهونلتُ الأماني بظلّ الأماني
أتى من بعيدِ مرامي الضّميرِ والفِكرِ مرهف غرب اللسان
زرى في التّرسلِ بابْنِ العميدكما قد شأى في القريض ابنَ هاني
فقرّب من فرَحي كلّ ناءٍوأبعدَ من ترحي كلّ دانِ
صَفيّ نأى ودَنا ذكرُهفناب السّماعُ منابَ العِيان
ومهما تصافت قلوبُ الرجالفحالُ تباعدها كالتّداني
ولكن على ذاكَ قربُ المزاروأشهى وأحلى جنى في الجَنان
أبا الضوء سُدْتَ فباتَ الحسوديراك بحيث يُرى الفرْقَدان
فجادَك عارضُ صوب الغماموجازك عارضُ صرْفِ الزّمان
هذا الفاضل لم يقع إليّ من شعره شيء، لكنني أحببت ذكره بإثبات ما قيل فيه، وشهادة ذلك على قدره النّبيه، وإن سمح الدهر الضّنين بعد هذا بشيء من فوائده، اغتنمت إثباته، وجمعت في هذا المؤلّف شتاته، ثم وقع بيدي كتاب ألّفه ابن بشرون الكاتب بصقلية في عصرنا هذا، ووسمه بالمختار في النظم والنثر لأفاضل العصر، وذكر فيه الشيخ أبا الضوء سراجاً، وأوضح من محاسنه الغرّ ومناقبه الزّهر منهاجاً، ووصفه بصحة التصوّر، وصدق التخيّل، وسداد الرأي، وحدة الخاطر، وأنّ شعره بديع الحوك، رفيع السّلك، فمنه أنّ الفقيه عيسى بن عبد المنعم الصقلي كتب إليه يستعير منه كتاباً:
لنا حاج وأنتَ بها مليّورأيكَ في السّماح بها عليّ
فإنْ وافَتْ فذلك ما ظننّاوأشبه أهلهُ الفعلُ الزكيّ
وإن يعتاقُها منعٌ فقُلْ ليالى من يُنسَبُ الفعلُ الرضيّ
فأجابه أبو الضوء:
ألا انجابَتْ فضاءَ لنا الخفيّوأعشى الأعينَ القمرُ المُضيّ
وما خابتْ بما شامَت نُفوسشفى غُلاتِها جود ورِيّ
من الخبرِ الذي وافى بلِرْماًأعيسى المجدُ أم عيسى النّبي
وكيف بدا وما أنْ حان حشْروكل مواتِ هذا الخلْقِ حي
رويدَك رُبّ خوّارٍ ضعيفٍغدا وهو القويّ القَسْوريّ
أعِدْ نظراً وجَلّ بحسنِ ظنٍغبايا الشّكّ يبْدُ لك الجليّ
ألا خُذها وِداداً لا عِناداًأجَدّ صفاءَها قلبٌ صفي
وقال في رمد الحبيب، والبيت الأخير تضمين:
قالوا حبيبي أصابه رمَدجفا الكرى جفنَه لِما وجَدا
يا ليتني كنتُ دونَه ولهُنفسي فِداء فقلّ ذاك فِدا
مرّ فأبْدى احمرارُ وجنتِهمن دمِ قلبي هواهُ ما وجَدا
فراعني بهجةً وأدهشنيفظلتُ أدعوهُ منشِداً غرِدا
يا أرمدَ العينِ قف بساحتِناكيما نُداوي من جفنِك الرّمدا
وقوله من مرثية في ولد رُجار الإفرنجي صاحب صقلية أولها:
بكاء وما سالتْ عيون وأجفانُشجون وما ذابتْ قلوب وأبدانُ
ومنها:
خبا القمرُ الأسْنى فأظلمتِ الدّناومادَ من العلياء والمجدِ أركانُ
أحينَ استوى في حُسنِه وجلالِهوتاهتْ به أطواد عزّ وأوطانُ
تخطّفَه ريبُ المَنون مخاتِلاًعلى غِرّة إنّ المنونَ لخوّانُ
كذلك أعراضُ البُدور يعوقُهاإذا كمُلتْ من حادث الدّهر نقصانُ
لحُقّ بأن نبكي عليه بأدمُعٍلها في مسيلِ الخدّ درّ ومَرْجانُ
وتُحرَقُ أكباد وتمرضُ أنفُسوتعظُم أتراح وتكبُر أشجانُ
وتهتاجُ أحزانٌ وتهمي مدامعوتُجمع أمواه غِزار ونيرانُ
تبكّتْ له خيماتُه وقُصورُهوناحتْ عليه مرهفاتٌ ومُرّانُ
وعاد صهيلُ الخيلِ في لهواتِهحنيناً وعافتْهُنّ لُجم وأرْسانُ
وما ناح وُرْقُ الأيكِ إلا له فلودرَتْ لبكتْ قبلَ الحمائم أغصانُ
فيا لك من رُزْءٍ عظيمٍ وحادثٍيعزّ له صبر ويُعوِزُ سُلوانُ
ويا يومَه ما كان أقطعَ هولَهُتشيبُ لمرآهُ المروّعِ وُلْدانُ
كأن منادي البعثِ قام منادياًلحشرٍ فهبّ الخلْقُ طُرّاً كما كانوا
وقد ضاق رحبُ الأرضِ بالخلقِ والتقتْجموعهُم مرجاً رجالٌ ونسوانُ
وشُقّتْ قلوبٌ لا جيوب ورجّعتْبلابِلُ وارتجّتْ نفوس وأذهان
وكانوا بلُبْسِ اللهوِ بيضاً حمائماًفعادوا وهم في ملبَسِ الحزن غرْبان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع