من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الوزير الفقيه القاضي أبو الفضل جعفر ابن الأعلم
وصفه بتدرع التورع عبادة، متنسكا زهادة، واعتقال العقل واعتلاقه، والاعتناء بالنبل واعتناقه، إلا صبوة أخذت بالعافية صبوة، ونوبة لم يجد في الاقلاع منها نبوة، وجده أبو الحجاج الأعلم، وهو في عصره العلامة والعلم، وأورد لأبي الفضل ما أبى الفضل به أن يصادف نظير، وعرف أن روض معرفته بالأدب مؤنق نضير، وذكر أنه لقيه بشنتمرية داره، ومطلع اهلاله وابداره، ومن جملة ما أشعرنا به من شعره وأدرأنا به من دره، في وصف قلم:
متألّق تنبيك صفرة لونهبقديم صحبته لآل الأصفر
ومهفهف ذلق صليب المكسرسبب لنيل المطلب المتعذر
ما ضرّه أن كان كعب يراعةوبحكمه اطَّرَدَتْ كعوب السمهري
وله عند فراق الصبا والصبوة، واكتهال نبت الكهولة وشد عقد التوبة، بانحلال ما كان للحوبة من الحبوة:
أما أنا فقد ارعويت عن الصباوعضضت من ندم عليه بناني
وأطعت نصّاحي وربّ نصيحةجاءوا بها فلججت في العصيان
أيام أحْيَا بالغواني والغناوأموت بين الرّاح والريحان
أيام أسحب من ذيول شبيبتيمرحا وأعثر في فضول عناني
وأجل كأسي أن ترى موضوعةفعلى يدي أو في يدي ندماني
في فتية فرضوا اتصال هواهمبمناهم دينا من الأديان
هزت عُلاهم اريحيات الصبافهي النسيم وهم غصون البان
من كل مخلوع الأعنة لم يبلفي غَيِّهِ بتصارف الأزمان
أنحى على الجريال حتّى نوّرتفي وجنتيه شقائق النعمان
أقول: قد هز عطف طربي هذا المعنى، وانتشيت لما انتشقت هذا النسيم الذي يبل به المعنى. وله في الزهد والعظة، وذكر الموت لاستقامة اليقظة:
الموت سغْلٌ ذكرهعن كلّ معلوم سواه
فاعمر به ربع إدّكارك بالعَشِيّ وبالغداه
واكحل به طرف اعتبارك طول أيام الحياه
قبل ارتكاض النفس مابين الترائب واللهاه
فيقال هذا جعفررهن بما كسبت يداه
عصفت به ريح المنون فصيرته كما تراه
فضعوه في أكفانهودعوه يجني ما جناه
وتمتّعوا بمتاعهالمخزون واحووا ما حواه
يا مصرعا مستبشعابلغ الكتاب به مداه
لقيِّتُ فيك بشارةتشفي فؤادي من جواه
ولقيت بعدك أحمداعبد الإلاه ومجتباه
في دار خفض ما اشتهتنفس المقيم به أتاه
وأورد من نثره في الأوصاف، ما هو أروق وأرق من السوالف والسلالف. فمن ذلك في وصف فرس: أنظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ بين غبراء واليحموم، نجم إذا بدا، ووهم إذا عدا، يستقبل بغزال، ويستدبر برال، ويتحلى بشيات تقسمت الجمال.
وفي وصف سرج: بزة جياد، ومركب أجواد، جميل الظاهر، رحيب ما بين القام والآخر، كأنما قد من الخدود أديمه، واختص بإتقان المجيد تحكيمه.
وفي وصف لجام: متناسب الأشلاء، صحيح الانتماء، إلى ثريا السماء، نكله نكال، وسائره جمال.
وفي وصف رمح: مطرد الكعوب، صحيح اتصال العالية بالأنبوب، أخ كلما استنبته ينوب، ويصدق كل أمل مكذوب، خطي الأرومة، سهمي العزيمة، يستد برديني، ويرد بقعضيني، ظمآن على كثرة وروده، عريان تنسب صنعاء إلى وشي بروده.
في وصف قميص: كافوري الأديم، بابلي الرسوم، تباشر منه الجسوم، ما يباشر الروض من النسيم.
وفي وصف بغل: مقرف النسب، مستخبر للشرف من كثب إن ركب أقنع اعتماله، وإن نسب استقل به أخواله.
في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل، يشفي امتهانه ويدني من الأمل رديانه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع