من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد
هذا من شعراء اليتيمة، وصفه برجاحة الفضل على كل مواز موازن، فإنه كان ذا فكر لأنوف أبيات المعاني خازم، ولشنوف أبيات المعالي خازن، وله تصانيف وتواليف أغرب فيها وأعرب، وأعجز وأعجب، ومن ذلك كتاب حانوت عطار، وهو يتمل على ملح من أبكار الأفكار، ومن جملة فقره قوله: من كتم الحق بعد ما ظهر، وستر البرهان بعد ما بهر، فإنما يجحد المسك طيبه بعد شمه، ويدعي ظلمة البدر ليلة تمه.
وقوله في وصف جبان: يزحف يوم الزحف إلى خلف، ويروعه الواحد وهو في ألف أزهد في الحرب من بني العنبر، وأدهش من مستطعم الماء على المنبر، بنو العنبر أشار إلى قول بعضهم:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددليسوا من الشر في شيء وإن هانا
ومستطعم الماء على المنبر خالد بن عبد الله القسري وخبره مشهور.
وقوله في سلطان مضيع: إن كان من يعجبه اللهو، ويغلبه السهو، فهو.
وقوله في أوصاف، أهل إنصاف: إخوان استوت بواطنهم وظواهرهم، وصفت علانيتهم وسرائرهم، كلهم السموءل إلا دينه وفاء، وحاتم إلا جاهليته سخاء، وزياد إلا سميًّتهُ دهاء، وإيَّاس إلا عجبه ذكاء.
وقوله في ضد ذلك: إخوان أخون من السراب للعين، ومن أهل الكوفة للحسين، يادرون الهفوة بالإشاعة، ويسبقون الزّلَّة بالإذاعة.
وقوله في المؤاساة: المقل يرثي للمقل، لعلمه مرارة الفاقة، وضعف الطاقة، حتى أنه ليشد من أزره، بالنزر من بره، وللمساكين أيضا بالندى ولع.
وقوله في الشفاعة: جعلني سبيلا من جعلك مقصدا، ورآني زائدا من رآك موردا.
وقوله في المطل: المطل عدو النفس والإنجاز حبيبها، والتسويف مرضها والتعجيل طبيبها.
وقوله في ذم رجل: فيه عن الشكر سكر، وعن الحمد جمد، وعن الحسن وسن، وعن الإعطاء إبطاء، وأنا أرغب إلى الله في وجهين: أحدهما لقاؤك بلا وجهين، والآخر أن أرى علق النفاق، في سوقك قليل النفاق.
ومن قوله في صفة الشعراء: جرير كلب منابحة، وكبش مناطحة، جارى السوابق بمطية، وفاخر غالبا بعطية.
أبونواس، خرم القياس، وترك السيرة الأولى، ونكب عن الطريقة المثلى، وجعل الجد هزلا، والصعب سهلا وصادف الأفهام قد كلت ونكلت، وأسباب العربية قد انحلت ونحلت، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت، فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه، فتهادوا شعره، وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وفتنوا بأضعفه وقد فطن باستضافه، وخاف من استخفافه، فاستطرد بفصيح طرده.
ومن شعره ابن شهيد قوله من قصيدة أولها:
طرقتك بالدهنا وصحبك نوًّموالليل أدهم بالثريا ملجم
ومنها في مدح بني الشامي وتنزيه الممدوح عن النسبة إلى بلد، ولم يسبقه إليه أحد:
والشام خطتكم وليست نسبةإلا كما نسبت إليه الأنجم
وله:
ولما تَمَلَّأ من سكرهونام ونامت عيون العسس
دنوت إليه على بعدهدنوًّ رفيق درى ما التمس
أدب إليه دبيب الكرىوأسمو إليه سموَّ النفس
فبت به ليلتي ناعماإلى أن تبسم ثغر الغلس
أقبل منه بياض الطلىوألثم منه سواد اللعس
قوله: أدب إليه دبيب الكرى، أحسن ما قيل في هذا المعنى، قول أمريء القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلهاسموَّ حباب الماء حالا على حال
ونحوه قول ابن حجاج:
فديته من طارق في الكرىيسقط بالليل سقوط الندى
ولأبي عامر ابن شهيد في وصف السيف والرمح:
ومن تحت حضني أبيض ذو شقائقوفي الكف من عسَّالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعامقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد يشفى به الصداوذا غصن في الكف يجنى ويثمر
وله في وصف حمَّام:
أنعم أبا عامر بلذّتهواعجب لأمرين فيه قد جمعا
نيرانه من زنادكم قدحتوماؤه من بنانكم نبعا
وله في وصف فرس:
وكأنني لما انحططت بهأرمي الفلاة بكوكب طلق
وكأنّني لما طلبت بهوحش الفلاة على مطا برق
وله:
بطل إذا خطب النفوس إلى الوغىجعل الظبي تحت العجاج صداقها
وإذا الملوك جرت جيادا في الندىوالباس قطًّع سيفه أعناقها
ومنها:
ولو أن أفواه الضراغم منهلللورد أورد خيله أشداقها
وله من أبيات مرثية:
وقالوا أصاب الموت نفسا كريمةفقلت لصحبي هذه نفس صالح
هذا من قول دريد ابن الصمة:
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسافقلت: أعبد الله ذلكم الرّدي
وقد أحسن مهيار الاتباع في قوله:
بكر النعيّ فقال أودى خيرهاإن كان يصدق فالرضيُّ هو الرّدِي
ولابن شهيد رسالة في البرد: صبحتنا اليوم خيل البرد، مغيرة على سوام كل ممتد، وانقبضت إلى باب الإيوان، وقد خدشني بصارم وسنان، وجعلت مجني حطبا دل على نفسه، وقد تشظى من يبسه، وسلطت عليه حاجب الشرر، ورميته منها ببنات الحديد والحجر فوافقها قليلا، وعاركها حينا، لها عجيج، وله من حر نزالها ضجيج، ثم أثخن بها ضربا فبددت شمله وألفت شملنا واستحالت حية لا يستحل قتلها ترمي من ألوان، وتهدد بلسان، فلذعت البرد لذعة، ونكزته على فؤاده نكزة، خرّ لها عن جبينه، ومات من حينه، وغشينا من فائض حمتها حرّ كان لنا حياة، ولذلك وفاة، فالحمد لله على نعمته، وما أرانا من غريب قدرته، ودلّنا على لطيف بدعته، ولما استحال الجمر رمادا، وتمهد لنا من الدفء مهادا، ولمحته العين كالورد، عليه كافور الهند، انبسطت يد شاكرك فذكر ما كلفته، من الزيادة في المعنى الذي اعتمدته
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع