من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
وقال أحمد شوقي بك يصف أبا الهول ويناجيه
أبا الهول طال عليك العصروبلغت في الأرض أقصى العمر
فيالدة الدَّهر لا الدهر شبب ولا أنت جاوزت حد الصغر
إلام ركوبك متن الرّمال لطيّ الأصيل وجوب السَّحر
تسافر منتقلاً في القرون فأيان تلقى غبار السَّفر
أبينك عهدٌ وبين الجبال تولان في الموعد المنتظر
ابا الهول ماذا وراء البقاء إذا ما تطاول غير الضَّجر
عجبت للقمانَ في حرصهعلى لبد والنُّسور الأخر
وشكوى لبيد لطول الحيّاة ولو لم تطل لتشكى القصر
ولو وجدت فيك يا ابن الصَّفاة لحقت بصانعكَ المُقتدر
فإن الحياة تفل الحديد إذا لبسته وتبلى الجر
أبا الهول ما أنت في المعضلات لقد صلت السبل فيك الفكر
تحيزت البدو ماذا تكون وضلّت بوادي الظنون الحضر
فمكنت لهم صورة العنفوان وكنت مثال الحجي والبصر
وسرُّك في حجبه كلماأطلّت عليه الظنون استتر
وما راعهم غير رأس الرجال على هيكل من ذوات الظفر
ولو صوروا من نواحي الطّباع توالوا عليك سباع الصُّور
فيا ربَّ وجهٍ كصافي النّمير تشابه حامله والنّمر
أبا الهول ويحك لا يستقلل مع الدهر شيءٌ ولا يحتقر
تهزأت دهراً بديك الصّباح فنقر عينيك فيما نقر
اسأل البياض وسلّ السواد وأوغل منقاره في الحفر
فعدت كأنك ذو المحبسين قطيعَ القيام سليبَ البصر
كأن الرمال على جانبيك وبين يديك ذنوب البشر
كأنك فيها لواء القضاء على الأرض أو ديدبان القدر
كأنك صاحب رمل يرىخبايا الغيوب خلال السطر
أيا الهول أنت نديمُ الزّمان نحي الأوان سميرٌ العصر
بسطت ذراعيك من آدمووليت وجهك شطر الزّمر
تطل على عالم يستهل_لُ وتوفى على عالم يحتضر
فعينٌ إلى من بدار للوجود وأخرى مشيعة من عبر
فحدث فقد يهتدى بالحديث وخبر فد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عزهإلى الشمس وخبر فقد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عوةإلى الشّمس معتزياً والقمر
طليل الحضارة في الأوّلين رفيع البناء جليل الأثر
يؤسس في الأرض للغابرين ويغرس للآخرين الثمر
وراعك ما راع من خيل قمبيز ترمي سنابكها بالشرَّر
جوارف بالنار تغزو في البلاد وآونةً بالقنا المشتجر
وأبصرت اسكندراً في الملاقشيب العلا في الشباب النضر
تبلج في مصر إكليلهفلم يعد في الملك عمر الزهر
وشاهدت قيصر كيف استبدد وكيف أذلَّ بمصرَ القصر
وكيفغ تجبر أعوانهوساقوا الخلائقَ سوقِ الحُمر
وكيف ابتلوا بقليل العديد من الفاتحين كريم النّفر
رمى تاج قيصر رميَّ الزّجاج وفلّ الجموع وثلَّ السرر
فدع كل طاغية للزمان فإن الزمان يقيم الصّعر
رأيت الدّيانات في نظمهاوحين وهي لكها وانتثر
تشاد البيوت لها كالبروج إذا أخذ الطّرف فيها انحسر
تلاقى أساساً وشمّ الجبال كما تتلاقى أصولُ الشَّجر
وإيزيس) خلف مقاصيرهاتخطى الملوك إليها الستر
تضيء عل صفحات السّماء وتشرق في الأرض منها الحجر
وآبيس في نيره العالمون وبعض العقائد نير عسر
تساس به معضلات الأمور ويرجى النعيم وتخشى سقر
ولا يشعر القوم إلا بهولو أخذته المدى ما شعر
يقلّ أبو المسك عبداً لهوإن صاغ أحمدُ فيه الدُّرر
وآنست (موسى) وتابوتهونورُ العصا والوصايا الغرر
وعيسى يلّم رداء الحياء ومريم تجمع ذيلَ الخفر
وعمرو يسوق بمصر الصحاب ويزجي الكتاب ويحددوا السور
فكيف رأيت الهدى والضلال ودنيا الملوك وأخرى عمر
ونبذ المقوقس عهد الفجور وأخذ المقوقس عهد الفجر
وتبديله ظلمات الضّلال يصبح الهداية لما سفر
وتأليفه القبط والمسلمين كما ألفت بالولاء الأسر
أبا الهول لو لم تكن آيةلكان وفاؤك إحدى العبر
أطلت على الهرمين الوقوف كثاكلة لا تريم الحفر
ترجى لبانيهما عودةٌوكيف يعودُ الرَّميم النَّخر
تجوس بعين خلال الدّيار وترمي بأخرى فضاء النهر
تروم (بمنفيس) بيض الظُّبىوسمر القنا والخميس الدثر
ومهد العلوم الخطير الجلال وعهد الفنون الجليل الخطر
فلا تستبين سوى قريةأجد محاسنها ما اندثر
تكاد لإغراقها في الجمود إذا الأرض دار بها لم تدر
فهل من يبلغ عنا الأصول بأن الفروع اقتدت بالسير
وأنّا خطبنا حسان العلىوسقنا لها الغالي المدَّخر
وأنا ركينا غمار الأمور وأنا نزلنا إلى المؤتمر
بكل مبين شديد اللّداد وكل أريب بعيد وانتشر
نطالب بالحق في أمةجرى دمها دونه وانتشر
ولم تفتخر بأساطيلهاولكت بدستورها تفتخر
فلم يبق غيرك من لم يخفْولم يبق غيرك من لم يطر
تحرك أبا الهول هذا الزمانن تحرّك ما فيه حتى الحجر
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع