تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الحكم الأول هو أنه لابد من رعاية جهة التشبيه

ويجب أن لا يتعدى فى التشبيه عن الجهة المقصودة، وإلا وقع الخطأ لا محالة، ومثاله قوله ﷺ «الكمأة جدرى الأرض» فالغرض من كلامه ﵇ فى تشبيه الكمأة بالجدرى هو أنها مفسدة لها كما أن الجدرى يفسد الوجه والبدن، وليس المقصود من التشبيه هو الاتصال، فإن مثل هذا لا فائدة فيه ولا ثمرة تحته، فإن الاتصال، غرض حقير لا يقصد التشبيه لأجله، وكما يقال: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام فإن المقصود من هذا التشبيه هو أن الكلام لا يجدى ولا يكون فيه نفع إلا بمراعاة الأحكام النحوية، كما أن الطعام لا ينفع ما لم يصلح بالملح، وليس المقصود ما ظنه بعضهم من أن وجه التشبيه هو أن القليل من النحو مغن، والكثير مفسد، كما أن القليل من الملح مصلح للطعام، والكثير مفسد، فهذا باطل، لأن الزيادة والنقصان فى مجارى الأحكام النحوية فى الكلام باطل، وبيانه هو أنا إذا قلنا: إن زيدا قائم، وكان زيد قائما فلابد من رفع أحد الاسمين ونصبه، فهذا إذا وجد فقد حصل

القانون النحوى، وتمتنع الزيادة عليه، وإن لم يحصل فقد زال قانون النحو، ولا فائدة فيه لأنه خارج، فإذن لا وجه لدخول الزيادة والنقصان فى النحو كما لخصناه، وعلى هذا يكون تشبيه النحو بالملح ليس كما اعتقده، وإنما هو من جهة الإصلاح كما أشرنا إليه، فتقرر بما حققناه أن التشبيه قد يكون من جهة ويظن أنه من جهة أخرى، وعند هذا يقع الغلط، وهكذا الحال فى قوله ﵇: «المؤمن كالسنبلة، يعوج أحيانا ويقوم أخرى» فجهة التشبيه هو أنه أراد أن المؤمن يواقع الذنب فيتوب منه، ويسترجع مرة بعد أخرى، والكافر كالأرزة، يعنى أنه إذا هفا فى الذنب لم يتذكر ولم يسترجع، فهو كالأرزة، إذا انجعفت لم تقم أبدا، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يتوب إلا عند الموت بحيث لا يقوم، ولا تنفعه التوبة (كالأرزة) إذا انجعفت لا يرجى لها استقامة بحال فما خالف هذه الجهات فى التشبيه يكون خطأ بلا مرية.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.