من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
التنبيه الثالث فى بيان التفرقة بينه وبين الكناية
ويظهر ذلك من أوجه ثلاثة، أولها أن الكناية واقعة فى المجاز، ومعدودة منه، بخلاف التعريض، فلا يعد منه، وذلك من أجل كون التعريض مفهوما من جهة القرينة، فلا تعلق له باللفظ، لا من جهة حقيقته، ولا من جهة مجازه، وثانيها هو أن الكناية كما تقع فى المفرد، فقد تكون واقعة فى المركب، بخلاف التعريض، فإنه لا موقع له فى باب اللفظ المفرد كما مر بيانه، وثالثها أن التعريض أخفى من الكناية، لأن دلالة الكناية مدلول عليها من جهة اللفظ بطريق المجاز، بخلاف التعريض، فإنما دلالته من جهة القرينة.
والإشارة، ولا شك أن كل ما كان اللفظ يدل عليه، فهو أوضح مما يدل عليه اللفظ، وإن
علم بدلالة أخرى، ومن أجل هذا فرق علماء الشريعة بين صريح القذف وكنايته، وتعريضه، فأوجبوا فى الصريح من القذف الحد مطلقا فى قولك: يا زانى، وأوجبوا فى كنايته الحد إذا نوى به فى مثل قولك: يا فاعلا بأمه، ويا مفعولا به، ولم يوجبوا فى التعريض الحد فى مثل قولك. يا ولد الحلال، وما ذاك إلا لأجل أن الصريح والكناية، يدلان على القذف من جهة اللفظ، إما بالحقيقة، أو بالمجاز، ويحكى عن الإمام الناصر أن رجلا قال لرجل بحضرته. يا ولد الحلال، فلم يحده، واعتذر بأنه لا حد فى التعريض، فصار التعريض وإن لم يكن معدودا من المجاز، لكنه أخص من الكناية، ولهذا فإن كل تعريض كناية، وليس كل كناية بتعريض، فهى أعم منه، والكناية بالإضافة إلى الاستعارة خاصة، ولهذا فإن كل كناية فهى استعارة، وليس كل استعارة تكون كناية، لما كانت أخص منها، فأما التشبيه المضمر الأداة والاستعارة التى لا يظهر فيها مقصود التشبيه، فهما نوعان لا يدخل أحدهما تحت الآخر، لكن التشبيه المضمر الأداة، يمكن اندراجه تحت التشبيه، لما كان التشبيه مقدرا فيه، ويمكن اندراجه تحت الاستعارة لما كان حرف التشبيه غير ظاهر فيه، فإذن حقيقته منحدرة إليهما كما ترى، وقد أسلفنا فيه قولا بالغا يطلع على السر والغاية ويفى بالمقصود وإحراز النهاية، ثم إنها مندرجة تحت المجاز، لأنها أنواعه وهو جنسها، فهذا ما أردنا ذكره فى التعريض، وهو الفصل الثانى.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع