تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

وأما [المركبة]

فأكثر ورود الكناية عليها، وهذا كقولك: الكرم فى برديه، والمجد بين ثوبيه، والعفاف فى عطفيه، وهذا كله فى المدح، فأما الكناية فى الذم فكقولهم «إنك لعريض الوساد» كما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ

جعل عدى بن حاتم خيطين فى يده، أحدهما أسود والآخر أبيض، علامة للفجر، فحكى ذلك لرسول الله ﷺ وأخبره بما فعل، فقال له الرسول: «يا عدى. إنك لعريض الوساد»، وهو كناية عن بله الإنسان، وقلة فطانته، ونقصان كياسته، وقولهم «فلان عريض القفا» يجعلونه كناية عن فهاهته وقلة ذكائه، ومنه قول أمير المؤمنين لبعض الناس «وإنه لمزهو فى عطفيه، مختال فى برديه، تفاق فى شراكيه» يشير بذلك إلى حمقه وخيلائه، فجعل ذلك كناية عنه.

نعم ورود الكناية إنما هو على جهة التشبيه عند التأمل والنظر، فإذا وردت على طريقة التركيب كانت أشد ملاءمة، وأعظم بلاغة، وإذا وردت على صورة الإفراد لم يكن لها تلك المزية التى حصلت للمركبة، ومثاله أنك إذا قلت فى الكناية المركبة، فلان نقى الثوب، وأردت إيراده على صورة المشابهة، فإنك تقول هو فى نزاهة العرض من العيوب كنزاهة الثوب من الأدناس، فإذا حصل على هذا التأليف اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة وظهر أمر الكناية، وإذا قلت فى الكناية المفردة، اللمس، فى الجماع لم تكن فى تلك الدرجة من المناسبة وقوة المشابهة كما ترى.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.