من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
التقرير الثانى [المعرفة]
اعلم أن المعارف أجناس مختلفة كما أسلفنا حصرها، لكنا إنما نتعرض للمعرفة باللام، لاختلاف المعانى بها، فقد تكون واردة فى المبتدأ، وقد تكون واردة فى الخبر، فهاتان حالتان؛ الحالة الأولى: أن تكون واردة فى المبتدأ، ودخولها فيه يكون على أوجه أربعة، أولها أن تكون داخلة لإفادة تعريف الجنسية الحاصلة فى الذهن، ومثاله قولنا: أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل خير من المرأة، إلى غير ذلك من الحقائق الذهنية، وهكذا قولنا: أكلت الجبن، وشربت الماء، ودخلت السوق؛ لأنه ليس الغرض الاستغراق ولا المقصود بذاك عهدية سابقة، وإنما الغرض ما قلناه من فادة التعريف للحقائق الذهنية التى لا وجود لها فى الخارج، نعم إذا وجدنا صورة مفردة فى الخارج، فهل تكون الحقيقة الذهنية حاصلة فى الخارج، أم لا، فيه مذهبان؛ أحدهما أنها غير موجودة، بل يستحيل وجودها فى الخارج، وهذا هو المحكى عن، «أرسطو»، وثانيهما أنها موجودة عند وجود المفردة، وهذا هو المحكى عن «أفلاطون»، والمختار ما قاله «أرسطو»، وهو بحث كلامى، وقد ذكرناه فى الكتب العقلية.
وثانيها أن تكون داخلة لإفادة تعريف العهدية، وهذا كقولك: لبست الثوب، وأخذت الدراهم، لثوب ودراهم معهودين بينك وبين مخاطبك، وما هذا حاله لا يدل التعريف إلا على صورة واحدة من غير زيادة، وثالثها أن تكون دالة على الاستغراق، وهذا كقوله: جاءنى الرجال، وقد ترد فى الجمع الحقيقى إما سالما كقولك: المؤمنون، والزيدون، وإما مكسرا كقولك: الرجال، والدراهم، وإما أسماء جمع كقولك: الناس،
والرهط، والنفر، وقد ترد فى الاسم المفرد كقولك: الرجل خير من المرأة، وهى فى جميع هذه الموارد دالة على الاستغراق فى الصور المفردة التى لا نهاية لها، ورابعها أن تكون داخلة للزيادة من غير إفادة للتعريف، وهذا نحو دخولها فى الأعلام، ودخولها فيها قد يكون على جهة اللزوم لا يجوز نزعها منه كقولك: النجم للثريا، ونحو أيام الأسبوع، وغير ذلك، وقد تكون غير لازمة إما فى الصفة كقولك: المظفر، والعباس، وإما فى المصدر كقولك: الفضل، والعلاء، فدخول لام التعريف لا تنفك عن هذه الأمور الأربعة، هذا كله إذا كانت داخلة على المبتدأ، الحالة الثانية أن تكون اللام داخلة على الخبر.
اعلم أن الأصل أن يكون نكرة؛ لأنك إنما تخبر بما يجهله المخاطب فتعرفه إياه، فإذا ورد فيه اللام فإنها تأتى لمقاصد، وجملتها أربعة، أولها أن تقصد المبالغة فى الخبر فتقصر جنس المعنى على المخبر عنه كقولك: زيد هو الجواد، وعمرو هو الشجاع، تريد أنه هو المختص بالمعنى دون غيره، وأنت إذا قصدت هذا المعنى فلا يجوز العطف عليه على جهة الاشتراك، فلا يجوز أن تقول: زيد هو الجواد وعمرو؛ لأنه يبطل المعنى، ومن هذا قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
يريد أنهم المختصون بهاتين الصفتين دون غيرهم، وثانيها أن تقصره لا على جهة المبالغة كما فعلت فى الأول، ولكن على معنى أنه لا يوجد إلا منه، وإنما يكون ذلك إذا قيد المعنى بشىء يخصصه ويجعله فى حكم نوع برأسه، ومثاله قولك: زيد الكريم حين يبخل كل جواد، وعمرو الشجاع حين يتأخر الأبطال، وبكر هو الوفى حين لا تظن نفس بنفس خيرا، ومن هذا قول الأعشى:
هو الواهب المائة المصطفاةإمّا مخاضا وإمّا عشارا
أى أنه لا يهب هذا العدد إلا الممدوح، ومما يؤيد هذا المعنى وإن لم يكن على طريقة الإخبار قول بعضهم:
أعطيت حتى تركت الريح حاسرةوجدت حتى كأنّ الغيث لم يجد
وثالثها أن تورده على وجه اتضح أمره اتضاحا لا يسع إنكاره، وظهر حاله ظهورا لا يخفى على أحد، وهذا كقولك: زيد الشجاع، على معنى أن إسناد الشجاعة إليه أمر ظاهر
لا يفتقر إلى دلالة، ولا يحتاج إلا علامة وأمارة، وعلى هذا حمل بيت الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
أرادت أن تقرره فى جنس الحسن الباهر الذى لا ينكره من أخبر به وعلى هذا قرر قوله:
أسود إذا ما أبدت الحرب نابهاوفى سائر الدهر الغيوث المواطر
ورابعها أن تقصد به مقصد التعريف بحقيقة عقلها المخاطب فى ذهنه لا فى الخارج، أو توهمت أنه لم يعرفها فتقول له: تصور كذا، فإذا تصورته فى نفسك فتأمل فلانا، فإنه يحصل ما تصورته على الكمال، ويأتيك به تاما، ومثاله قولنا: هو الحامى لكل حقيقة، وهو المرتجى لكل ملمة، وهو الدافع لكل كريهة، كأنك قلت: هل تعقل الحامى، والمرتجى وتسمع بهما، فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته، فاعلم أنه فلان، فإنى خبرته وجربته فوجدته على هذه الصفة، فاشدد يديك به، فإنه ضالتك التى تنشدها، وبغيتك التى تقصدها، ومما يؤيد هذا المعنى ويقويه قول ابن الرومى:
هو الرجل المشروك فى جلّ مالهولكنّه بالحمد والمجد مرتدى
كأنه قال: فكر فى رجل لا يتميز عن غيره فى ماله فى الأخذ والتصرف، فإذا فهمت ذلك وعقلته وصورته فى نفسك، فاعلم أنه فلان، وكقول بعضهم:
أخوك الّذى إن تدعه لملمّةيجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
فهذه المعانى متغايرة كما ترى، تحصل لأجل تعريف الخبر باللام كما فصّلناه ههنا.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع