من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الضرب الأول: الأمر
وهو صيغة تستدعى الفعل، أو قول ينبىء عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء، فقولنا «صيغة تستدعى، أو قول ينبىء»، ولم نقل «افعل»، «ولتفعل» كما يقوله المتكلمون والأصوليون لتدخل جميع الأقوال الدالة على استدعاء الفعل فى نحو الفرسيّة، والتركية، والرومية، فإنها كلها دالة على الاستدعاء من غير صيغة «افعل»، «ولتفعل»، ونحو قولنا: نزال، وصه، فإنهما دالان على الاستدعاء من غير صيغة «افعل» وقولنا: «من جهة الغير»، نحترز به عن أمر الإنسان نفسه، فإن ذلك إنما يكون أمرا على جهة المجاز، وقولنا «على جهة الاستعلاء»، نحترز به عن الرتبة فإنها غير معتبرة فى ماهية
الأمر، بدليل أن العبد يجوز أن يأمر سيده بما هو على جهة الاستعلاء، ولا يصفونه بالحماقة، ولو كانت الرتبة معتبرة لم يعقل ذلك فى حق العبد، لبطلانها فيه، فهذه هى الماهية الصالحة للأمر فى نحو قولك «افعل» للمخاطب، و «ليفعل» للغائب، إلى غير ذلك من الصيغ المقررة فى علم الإعراب، وحقيقة قولنا: «افعل»، الطلب والتردد فيه هل هو حقيقة فى الوجوب، مجاز فى الندب، أو بالعكس، أو مشترك بينهما. فأما ما عدا ذلك من الإباحة كقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا
أو التسخير كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً
أو الإهانة، كقوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً
أو التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
أو التسوية، كقوله تعالى:
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا
أو غير ذلك من المعانى المستعملة فى غير الطلب، فإنها على جهة المجاز، وهذا كقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
[البقرة:
] وقوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
ونحو قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
وقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
إلى غير ذلك من الأوامر الشرعية، والمطلوبات الواجبة والنفلية، والأمر بالإضافة إلى تعلقاته، هل يفيد التكرار أو لا؟ وهل يقتضى الفور فيما كان من الأوامر الطلبية أو لا؟
حكى عن السكاكى أنه مفيد للفور، لأنه الظاهر من الطلب، ولتبادر الفهم إلى التحصيل، وفيه نظر، والحق أن الأوامر ساكته، بالإضافة إلى التكرار، وبالإضافة إلى الفور، وليس فى ظاهرها ما يدل على واحد من هذين الأمرين إلا لدلالة خارجة عن ظاهر الأمر، وقد قررنا هذه المسألة فى الكتب الأصولية، فإن فيها محطّ رحالها، وعليها حمل عبئها وأثقالها، والإحاطة بعلوم البيان لا تكفى فى تحقيق هذه المسألة، بل لها مأخذ آخر موكول إلى علماء الأصول، ولقد صدق من قال:
إذا لم يكن للمرء عين صحيحةفلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع