من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الضرب الثانى: النهى
وهو عبارة عن قول ينبىء عن المنع من الفعل على جهة الاستعلاء، كقولك: لا تفعل، ولا تخرج. فقولنا: «قول ينبىء»، يدخل فيه جميع ما يدل على المنع من الفعل فى سائر اللغات، وقولنا «على جهة الاستعلاء»، نحترز به عن الرتبة، فإنها غير معتبرة، ومن
العلماء من ذهب إلى اعتبارها فى الأمر والنهى، والصحيح خلافه، وقد يرد على جهة التهديد كقول المعلم لصبيانه، «لا تقرءوا»، وقد زعم السكاكى التكرار والفور فيهما جميعا، بناء على التوهم الذى حكيناه عنه، وهو فاسد، فإن كلامنا إنما هو فى مطلق الصيغة فيهما جميعا، هل تدل على شىء من هذه اللوازم العارضة، كالفور والتراخى، والتكرار وعدمه، والمختار عندنا أنهما بالإضافة إلى مطلق صيغهما لا دلالة لهما على شىء من هذه اللوازم، وإنما تعرف هذه اللوازم بأدلة منفصلة من وراء الصيغة، والذى يدل عليه بمطلقهما، هو الطلب فى الأمر، والمنع فى النهى، لأن هذين الأمرين من حقائقهما، فلا جرم كانا دالين عليهما، فأما ما وراء ذلك من تلك الأمور اللازمة، فإنما تعرف بأدلة شرعية لا من نفس الصيغة، ومثال ذلك من التنزيل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
، ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
، وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إلى غير ذلك من المناهى الشرعية، فإنها دالة على المنع والتحريم.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع