تجاوز إلى المحتوى

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)

شَوَاهِد الْمُقدمَة (٢)

الْبَيْت من الرجز وَلَا يعرف قَائِله وَيُقَال أَنه من شعر الْجِنّ قَالُوهُ فِي حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس لما قَتَلُوهُ بثأر حيةٍ مِنْهُم قَتلهَا القفل الَّذِي كَانَ فِيهِ وَدفن ببادية بعيدَة وَكَانَ حربٌ الْمَذْكُور مصافياً لمرداس السّلمِيّ أبي الْعَبَّاس الصَّحَابِيّ فَقَتَلَهُمَا الْجِنّ جَمِيعًا وَهَذَا شَيْء قد ذكرته الروَاة فِي أَخْبَارهَا وَالْعرب فِي أشعارها

ذكر أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَن حَرْب بن أُميَّة لما انْصَرف من حَرْب عكاظ هُوَ وإخواته مر بالقرية وَهِي إِذْ ذَاك غيضة شجر ملتف لَا يرام فَقَالَ لَهُ مرداس بن أبي عَامر أما ترى هَذَا الْموضع قَالَ بلَى فَمَا لَهُ قَالَ نعم المزدرع هُوَ فَهَل لَك أَن تكون شَرِيكي فِيهِ ونحرق هَذِه الغيضة ثمَّ نزرعه بعد ذَلِك قَالَ نعم فأضرما النَّار فِي الغيضة فَلَمَّا استطارت وَعلا لهبها سمع من الغيضة أنينٌ وضجيج كثير ثمَّ ظَهرت مِنْهَا حياتٌ بيض تطير حَتَّى قطعتها وَخرجت مِنْهَا فَقَالَ مرداس فِي ذَلِك

إِنِّي انْتَخَبْتُ لَهَا حَرْباً وإِخوَتَهُإنِّي بحبلٍ وَثيقِ العْهَدْ دسَّاسُ
إِنِّي أُقوِّمُ قبل الأَمرِ حُجَّتَهُكَيما يُقَال وَلِيّ الْأَمر مرداس) // الْبَسِيط //

قَالَ فَسَمِعُوا هاتفاً يَقُول لما احترقت الغيضة

وَيلٌ لحرْبٍ فارِسَامُطاعِناً مُخالسَا
وَيلٌ لحرْبٍ فارِسَاإِذْ لبِسُوا القوانسَا
لنَقْتُلَنْ بقَتلهِجَحاجِحاً عنَابِسَا) // من مجزوء الرجز //

وَلم يلبث حَرْب ابْن أُميَّة ومرداس أَن مَاتَا فَأَما مرداس فَدفن بالقرية ثمَّ ادَّعَاهَا بعد ذَلِك كُلَيْب بن عَمْرو السّلمِيّ ثمَّ الظفري فَقَالَ فِي ذَلِك عَبَّاس بن مرداس

أكُلَيبُ مَالك كلَّ يومٍ ظَالماًوَالظُّلمُ أنكدُ وَجْههُ ملعُونُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»
عجبا لقوْمِكَ يَحسبونك سيِّداًوَإِخالُ أَنَّك سيِّد مغيُونُ
فإِذا رَجعتَ إِلَى نسائكَ فادَّهنْإِنَّ المسالمَ رَأسُه مَدهونُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»
وَافعلْ بِقومكَ مَا أَرَادَ بوائلٍيومَ الغَدير سَميُّكَ المطعونُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»
وَإِخالُ أَنَّك سَوف تلقى مثلهَافِي جانِبيكَ سنانها المسنونُ
إنَّ القرَّيةَ قد تبيَّنَ أَمرُهَاإنْ كَانَ ينفعُ عنْدك التبْيِينُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»
حِينَ انْطَلَقت تخطها ظَالماًوَأبو يَزيدَ بجوها مدفون) // الْكَامِل //

وَقد روى الْبَيْت بِلَفْظ

(ومَا بقُربِ قبر حَرْب قبر ...)

وَيُقَال إِنَّه لَا يتهيأ لأحد أَن ينشده ثَلَاث مَرَّات مُتَوَالِيَات فَلَا يتتعتع

وَقرب وَقع خَبرا لليس وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول قرب قَبره فَأتي بِالظَّاهِرِ مَوضِع الْمُضمر ليدل على لُزُوم التوجع

وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر لما فِي هَذِه الْأَلْفَاظ من ثقل النُّطْق بهَا وَلذَلِك هرب أَرْبَاب الفصاحة من اللَّفْظَيْنِ المتقاربين إِلَى الْإِدْغَام لانتقال اللِّسَان فِيهِ إِلَيْهِمَا انتقالةً وَاحِدَة وشبهوا النُّطْق بالمتقاربين بمشي الْمُقَيد

(كَرِيمٌ مَتّى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرَى ...)

قَائِله أَبُو تَمام الطَّائِي وَتَمَامه

(مَعِي وَإذَا مَا لمتهُ لمُتهُ وَحدِي ...)

وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا الْغَيْث مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَيعْتَذر إِلَيْهِ وأولها

شهدتُ لقد أقْوتْ مَعالمكم بَعدِيومَحْت كَمَا مَحتْ وشائعُ مِنْ بُرد
وأنجدتُمُ من بعد إتهام داركمفيا دمع أنجدني على سَاكِني نجدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
لعمري لقد أخلقتمُ جِدّةَ البكابكاءَ وجَدَّدتم عليّ بِلَى الْوجدِ) إِلَى أَن قَالَ فِي مديحها
أَتانِي مَعَ الركْبَان ظن ظننتهنَكسْتُ لهُ رَأْسِي حَياءَ من المجدِ
لَقد نكب الْغدرُ الْوَفَاء بساحتيإِذا وَسرحتُ الذَمَّ فِي مَسرح الحْمدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
وَهتَّكْتُ بالقولِ الخَنا حُرمةَ العلَاوأسْلكت حُرَّ الشِّعر فِي مسلكِ الْبعد
نسيت إِذا كم من يَد لَك شاكلتيدَ الْقرب أعدت مستهاما على الْبعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
وَمنْ زَمنٍ ألْبستنيهِ كأنهُإِذا ذُكرتْ أيَّامه زمنُ الوردِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
وَإنكَ أحكمتَ الَّذِي بينَ فِكرتِيوبَينَ القوافِي منْ ذِمامِ ومنْ عَهْدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
وأصْلتَّ شِعرِي فَاعتلى رَونقَ الضُّحىولولاكَ لم يَظهرْ زَماناً من الغِمدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
وَكيفَ وَمَا أخْللتُ بَعدَك بالحِجاوَأنتَ فَلم تُخلِلْ بِمكرمةٍ بعدِي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
أسَرْبِلُ هُجرَ القولِ مَنْ لوْ هَجوتهُإِذاً لهجانِي عنهُ مَعروفهُ عِندِي

وَبعده الْبَيْت وَبعده

ولوْ لم يَزعنِي عنَكَ غَيركَ وَازعٌلأعديتنِي بالحِلم إنَّ العُلا تُعدِي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

وَمعنى الْبَيْت هُوَ كريم إِذا مدحته وَافقنِي النَّاس على مدحه فيمدحونه لإسداء إحسانه إِلَيْهِم كإشسدائه إِلَيّ وَلَا أمدحه بِشَيْء إِلَّا صدقني النَّاس فِيهِ أَو أَن النَّاس وافقوني على وجود مَا يُوجب الْمَدْح للْإنْسَان من صِفَات الْكَمَال فِيهِ وَإِذا لمته لَا يوافقني أحد على لومه لعدم وجود الْمُقْتَضِي لَهُ فِيهِ

وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر

وَإذَا شكوتك لم أجد لي مُسعداًوَرُمِيتُ فِيمَا قُلتُ بالبهتان) // الْكَامِل //

وَقد نَاقض هَذَا الْمَعْنى ابْن أبي طَاهِر بقوله

يَشركُنيِ الْعَالم فِي ذَمِّهِلَكننِي أمدحُهُ وحدي) // السَّرِيع //

وطاهر العتابي الْمَعْرُوف بالمعتمد الْبَغْدَادِيّ بقوله

مَدحتهمُ وَحدِي فلمَّا هَجوتهمْهَجوتهمُ والنَّاسُ كلهم معي) // الطَّوِيل //

وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر أَيْضا لما فِي قَوْله أمدحه من الثّقل لقرب مخرج الْحَاء من مخرج الْهَاء لِأَن المخارج كلما قربت كَانَت الْأَلْفَاظ مكدودة قلقة غير مُسْتَقِرَّة فِي أماكنها وَإِذا بَعدت كَانَت بعكس الأول وَلِهَذَا لم يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب الْعين مَعَ الْغَيْن وَلَا مَعَ الْحَاء وَلَا مَعَ الْخَاء وَلَا الطَّاء مَعَ التَّاء حذرا مِمَّا مر وَأَيْضًا فِيهِ ثقل من جِهَة التّكْرَار فِي أمدحه ولمته

وَمن قَبِيح التّكْرَار قَول الشَّاعِر

وأزورَّ مَنْ كَانَ لهُ زَائِرًاوعاف عافي العُرْفِ عرْفانهُ) // السَّرِيع //

وَأَبُو تَمام اسْمه حبيب بن أَوْس بن الْحَرْث بن قيس بن الْأَشَج بن يحيى ابْن مَرْوَان يَنْتَهِي إِلَى طَيء قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ وَالَّذِي عِنْد أَكثر النَّاس فِي نسب أبي تَمام أَن أَبَاهُ كَانَ نَصْرَانِيّا من أهل جاسم قَرْيَة من قرى الجيدور من أَعمال دمشق يُقَال لَهُ تدوس الْعَطَّار فجعلوه أَوْسًا وَولد أَبُو تَمام بالقرية الْمَذْكُورَة سنة تسعين وَقيل سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَنَشَأ بِمصْر وَقيل إِنَّه كَانَ يسْقِي المَاء بالجرة فِي جَامع مصر وَقيل كَانَ يخْدم حائكاً وَيعْمل عِنْده ثمَّ اشْتغل وتنقل إِلَى أَن صَار وَاحِد عصره فِي ديباجة لَفظه وفصاحة شعره وَحسن أسلوبه وَكَانَ لَهُ من المحفوظات مَا لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير المقاطيع والقصائد وَله كتاب الحماسة الَّذِي دلّ على غزارة فَضله وإتقان مَعْرفَته وَحسن اخْتِيَاره وَله مَجْمُوع آخر سَمَّاهُ فحول الشُّعَرَاء جمع فِيهِ طَائِفَة كَثِيرَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة والمخضرمين والإسلاميين وَله كتاب الاختيارات من شعر الشُّعَرَاء ومدح الْخُلَفَاء وَأخذ جوائزهم

وَكَانَ فِي لِسَانه حبسة وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن المعذل أَو أَبُو العميثل

(يَا نبيَّ الله فِي الشِّعرِ ويَا عِيسَى ابْن مريَمْ ...)

(أنْتَ من أشعرِ خلْقِ الله مَا لم تَتَكَلَّم ...) // من مجزوء الرمل //

وَهَذَا نوع من البديع يُسمى الهجاء فِي معرض الْمَدْح وَمن مليح مَا جَاءَ فِيهِ قَول ابْن سناء الْملك فِي قواد

لي صاحبٌ أفْديه من صاحبٍحُلْو التّأتِّي حسنِ الاحتيَالِ
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «لي صاحب أفديه من صاحب»
لَو شاءَ منْ رقةِ ألفاظهِألَّفَ مَا بَين الهدَى والضلالِ
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «لي صاحب أفديه من صاحب»
يكْفيكَ منهُ أنَّه ربُماقادَ إِلَى المهجورِ طيْفَ الخيال) // السَّرِيع //

وَمِنْه قَول ابْن أبي الإصبع يهجو فَقِيها ذَا ابْنة

ابنُ فُلَانِ أكرمُ النَّاس لَايَمنعُ ذَا الحاجةِ منْ فلْسهِ
وَهوَ فقيهٌٌ ذُو اجتهادٍ وقدْنَصَّ على التَّقليدِ فِي دَرسهِ
يستحسنُ البحْثَ على وَجههِويوجبُ الفِعلَ على نَفسه) // السَّرِيع //

ووفد أَبُو تَمام إِلَى الْبَصْرَة وَبهَا عبد الصَّمد بن المعذل الشَّاعِر فَلَمَّا سمع بوصوله وَكَانَ فِي جمَاعَة من أَتْبَاعه وغلمانه خَافَ من قدومه أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ ويعرضوا عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ قبل دُخُوله الْبَلَد

أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ تبرز للنَّاسوتلقاهُم بوجهٍ مُذالِ
لَستَ تنفكُّ راجياً لوصَالِمنْ حَبيبٍ أَو رَاغِبًا فِي نَوال
أيُّ ماءٍ يَبْقَى لوَجهكَ هذَابَعدَ ذلِّ الهوَى وذل السُّؤَال) // الْخَفِيف //

فَلَمَّا وقف على الأبيات أعرض عَن مقْصده وَرجع وَقَالَ قد شغل هَذَا مَا يَلِيهِ فَلَا حَاجَة لنا فِيهِ

وَقد تبعه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم بقوله

أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ يَا نجل يَعْقُوبوكِلتاهمَا مَقرُّ السِّيادهْ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
لَستَ تنفكُّ رَاكِبًا أيْرَ عَبدٍمُسبطِرّاً أَو حَامِلا خُفَّ غادهْ
أيُّ ماءٍ لحرِّ وَجهَكَ يَبقىبَينَ ذلِّ البغَا وذل القيادة) // الْخَفِيف //

وَلما أنْشد أَبُو تَمام أَبَا دلف الْعجلِيّ قصيدته البائية الَّتِي أَولهَا

على مثلهَا من أَربع وملاعبأُذِيلتْ مَصونْاتُ الدُّموع السواكب) // الطَّوِيل //
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

استحسنها وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ وَالله إِنَّهَا لدوّنَ شعرك ثمَّ قَالَ وَالله مَا مثل هَذَا القَوْل فِي الْحسن إِلَّا مَا رثيت بِهِ مُحَمَّد بن حميد الطوسي فَقَالَ أَبُو تَمام وَأي ذَلِك أَرَادَ الْأَمِير قَالَ قصيدتك الرائية الَّتِي أَولهَا

كَذَا فليجل الْخطب وليفدح الْأَمروَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر) // الطَّوِيل //

وددت وَالله أَنَّهَا لَك فيَّ فَقَالَ بل أفدي الْأَمِير بنفسي وَأَهلي وأكون الْمُقدم قبله فَقَالَ إِنَّه لم يمت من رثي بِهَذَا الشّعْر

وَحدث الرياشي قَالَ كَانَ خَالِد الْكَاتِب مغرماً بالغلمان المرد ينْفق عَلَيْهِم كل مَا يُفِيد فهوى غُلَاما يُقَال لَهُ عبد الله وَكَانَ أَبُو تَمام الطَّائِي يهواه أَيْضا فَقَالَ فِيهِ خَالِد

قَضيبُ بَان جنَاهُ وَرْدُيحملهُ وَجْنةٌ وَخَدُّ
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
أثْنِ طرْفِي إلَيهِ إِلَاّمَاتَ عَزَاءٌ وَعاشَ وَجْدُ
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
مُلِّكَ طوْعَ النفوسِ حَتَّىعَلمه الزَّهوَ حِين يَبْدو
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
فَاجْتمع الصدُّ فِيه حَتَّىلَيْسَ لخلقٍ سواهُ صد) // من مخلع الْبَسِيط //

وَبلغ أَبَا تَمام ذَلِك فَقَالَ فِيهِ أبياتاً مِنْهَا قَوْله

شعرُك هَذَا كُله مُفْرِطٌفِي بَردِهِ يَا خالدُ البارِدُ) // السَّرِيع //

فعلقها الصّبيان وَلم يزَالُوا يصيحون بِهِ يَا خَالِد يَا بَارِد حَتَّى وسوس وَقد هجا أَبَا تَمام فِي هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ فِيهِ

يَا معشر المرْدِ إِنِّي ناصحٌ لَكُموالمرءُ فِي القَوْل بَين الصدْق وَالْكذب
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
لَا ينكحنَّ حبيباً مِنْكُم أحدٌفدَاء وَجْعائِهِ أعدى من الجَرَبِ
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
لَا تأمَنوا أَن تحولوا بعدَ ثالثةٍفتركبوا عمُداً لَيستْ من الخَشبِ) // الْبَسِيط //
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

وَلما قصد أَبُو تَمام عبد الله بن طَاهِر بخراسان وامتدحه بالقصيدة الَّتِي أَولهَا

(أهُنَّ عوادي يُوسُف وصواحبه ...) // الطَّوِيل //

أنكر عَلَيْهِ أَبُو العميثل وَقَالَ لَهُ لم لَا تَقول مَا يفهم فَقَالَ لَهُ لم لَا تفهم مَا يُقَال فَاسْتحْسن مِنْهُ هَذَا الْجَواب على البديهة

وَذكر الصولي أَنه امتدح أَحْمد بن المعتصم أَو ابْن الْمَأْمُون بقصيدة سينية فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا

إقدام عمر وَفِي سماحةِ حاتمٍفِي حِلم أحنْفَ فِي ذكاء إِيَاس) // الْكَامِل //

قَالَ لَهُ الْكِنْدِيّ الفيلسوف وَكَانَ حَاضرا الْأَمِير فَوق مَا وصفت فَأَطْرَقَ قَلِيلا ثمَّ رفع رَأسه وَأنْشد

لَا تنُكروا ضربي لَهُ مَنْ دونهمَثلا شَروداً فِي الندى وَالباسِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»
فاللُه قد ضَرب الأقَلَّ لنورهمثلا مِنَ الْمِشكاةِ والنِّبراسِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

فعجبوا من سرعَة فطنته

وَمَا ذكر من أَنه أنْشد القصيدة للخليفة وَأَن الْوَزير قَالَ أَي شَيْء طلبه فأعطه فَإِنَّهُ لَا يعِيش أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا لِأَنَّهُ قد ظهر فِي عَيْنَيْهِ الدَّم من

رَأى أسَدَ العَرينِ فَهالهُحتىَّ إِذا وَلىَّ تولىَّ يَنهقُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عير رأى أسد العرين فهاله»
هَيْهاتَ غالك أَن تَنالَ مآثِرِيإِسْتٌ بهَا سَعةٌ وَباعٌ ضَيِّقُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الدار ناطقة وليست تنطق»
قُلْ مَا بدا لَكَ يَا ابْنَ برما فالصَّدَىبمهذب العقيان لَا يَتعلَّقُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الدار ناطقة وليست تنطق»
أنعشتَ حتىَّ عبْتَهُمْ قُلْ لي متىَفَرْزنْتَ سُرْعة مَا أرى يَا بَيْدق
إياكَ يَعنِي الْقائِلوُنَ بِقولهمْإِنَّ الشَّقِي بِكلِّ حَبْلٍ يخنْقُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الدار ناطقة وليست تنطق»
فلتعْلمنَّ حَريمَ مَنْ وَإهَابَ مَنْوَقَديمَ مَنْ وَحَدِيثَ مَنْ يَتَمزَّقُ) // الْكَامِل //

وَقَوله من قصيدة أُخْرَى

أَعوامُ وَصل كادَ يُنسِي طيبَهَاذِكرُ النَّوَى فَكَأَنَّهَا أيامُ
ثُمَّ انبَرَتْ أيامُ هَجرٍ أردفَتْنَحوي أسىً فَكَأَنَّهَا أَعوامُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
ثمَّ انقضتْ تِلكَ السِّنونَ وَأهلهُافَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم احلام) // الْكَامِل //

وَقد اختصر معنى هَذِه الأبيات المتنبي فِي قَوْله

قصُرَتْ مدةُ اللَّيَالِي المواضيفأطَالتْ بهَا اللَّيَالِي الْبَوَاقِي) // الْخَفِيف //
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

وَلابْن الفارض ﵀ هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَعَ الِاخْتِصَار المعجز وَهُوَ

أعوامُ إقباله كَالْيَوْمِ فِي قِصَرويومُ إعراضِه فِي الطول كالحجج) // الْبَسِيط //
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «ما بين معترك الأحداق والمهج»

وديوان نظمه مَشْهُور وَقد نثرت من لآلئه فِي أثْنَاء هَذَا الْمُؤلف مَا فِيهِ غنى إِن شَاءَ الله تَعَالَى

(وَمَا مثله فِي النَّاسِ إِلَاّ مُملَّكاً ... أُبُو أُمَّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقارِبُهْ) الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي خَال هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان

وَالشَّاهِد فِيهِ التعقيد وَهُوَ أَن لَا يكون الْكَلَام ظَاهر الدّلَالَة على المُرَاد

إِمَّا لخلل فِي نظم الْكَلَام فَلَا يتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى مَعْنَاهُ أَو لانتقال الذِّهْن من الْمَعْنى الأول إِلَى الْمَعْنى الثَّانِي الَّذِي هُوَ لَازمه وَالْمرَاد بِهِ ظَاهرا وَالْأول هُوَ الشَّاهِد فِي الْبَيْت

وَالْمعْنَى فِيهِ وَمَا مثله يَعْنِي الممدوح فِي النَّاس حيٌّ يُقَارِبه أَي أحد يُشبههُ فِي الْفَضَائِل إِلَّا مملكاً يَعْنِي هشاماً أَبُو أمه أَي أَبُو أم هِشَام أَبوهُ أَي أَبُو الممدوح فَالضَّمِير فِي أمه للمملك وَفِي أَبوهُ للممدوح ففصل بَين أَبُو أمه وَهُوَ مُبْتَدأ وَأَبوهُ وَهُوَ خَبره بأجنبي وَهُوَ حيٌّ وَكَذَا فصل بَين حَيّ ويقاربه وَهُوَ نَعته بأجنبي وَهُوَ أَبوهُ وَقدم المستثني على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَهُوَ كَمَا ترَاهُ فِي غَايَة التعقيد وَكَانَ من حق النَّاظِم أَن يَقُول وَمَا مثله فِي النَّاس أحد يُقَارِبه إِلَّا مملك أَبُو أمه أَبوهُ

وَمن التعقيد قَول الفرزدق أَيْضا

إِلى مَلكِ مَا أمه من محَاربأبُوه وَلا كانَتْ كُلَيْب تصاهره) // الطَّوِيل //

أَي إِلَى ملك أَبوهُ مَا أمه من محَارب أَي مَا أمه مِنْهُم

وَمثله قَول الشَّاعِر

فَمَا من فَتى كُنا مِن النَّاسِ وَاحداًبهِ نَبتغي مِنْهُم عديلا نبادله) // الطَّوِيل //

أَي فَمَا من فَتى من النَّاس كُنَّا نبتغي وَاحِدًا مِنْهُم عديلا نبادله بِهِ

وَقَول الآخر

وَمَا كنت أخْشَى الدَّهرَ إحلاس مُسلماًمن النَّاس دينا جَاءهُ وَهُوَ مُسلم) // الطَّوِيل //

أَي وَمَا كنت أخْشَى الدَّهْر إحلاس مُسلم مُسلما من النَّاس دينا جَاءَهُ وَهُوَ أَي جاآه مَعًا

وَمثله قَول أبي تَمام

كاثْنينِ فِي كَبدِ السماءِ وَلم يَكنْكاثْنينِ ثانٍ إِذْ همَا فِي الغَارِ) // الْكَامِل //

والفرزدق ﵀ اسْمه همام بن غَالب بن صعصعة التَّمِيمِي أَبُو فراس صَاحب جرير وَكَانَ أَبوهُ غالبٌ من جلة قومه وَمن سراتهم وكنيته أَبُو الأخطل لولد كَانَ لَهُ اسْمه الأخطل وَهُوَ شَاعِر أَيْضا وَوهم بَعضهم فِيهِ فَظَنهُ الأخطل التغلبي النَّصْرَانِي وَجعله أَخا للفرزدق وَهَذَا من أعجب الْعجب إِذْ الفرزدق مُسلم وَأَبوهُ وجده صعصعة صَحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون الأخطل النَّصْرَانِي أَخا لَهُ وصعصعة ﵁ لَهُ صُحْبَة لكنه لم يُهَاجر وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الوئيدة وَبِه افتخر الفرزدق فِي قَوْله

وجَدِّي الَّذِي مَنعَ الوَائداتفأحيا الوئيدَ فَلم توأد) // المتقارب //

قيل إِنَّه ﵁ أَحْيَا ألف موءودة وَحمل على ألف فرس

وَأم الفرزدق ليلى بنت حَابِس أُخْت الْأَقْرَع بن حَابِس ﵁

روى الفرزدق ﵀ عَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة وَالْحُسَيْن

وَابْن عمر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ

ووفد على الْوَلِيد وَسليمَان ابْني عبد الْملك ومدحهما قَالَ ابْن النجار وَلم أر لَهُ وفادة على عبد الْملك بن مَرْوَان وَقَالَ الْكَلْبِيّ ﵁ وَفد على مُعَاوِيَة وَلم يَصح روى مُعَاوِيَة بن عبد الْكَرِيم عَن أَبِيه قَالَ دخلت على الفرزدق فَتحَرك فَإِذا فِي رجلَيْهِ قيد قلت مَا هَذَا يَا أَبَا فراس قَالَ حَلَفت أَن لَا أخرجه من رجْلي حَتَّى أحفظ الْقُرْآن وَكَانَ كثير التَّعْظِيم لقبر أَبِيه فَمَا جَاءَهُ أحد واستجار بِهِ إِلَّا قَامَ مَعَه وساعده على بُلُوغ عرضه

وَقد اخْتلفت أهل الْمعرفَة بالشعر فِيهِ وَفِي جرير فِي المفاضلة بَينهمَا وَالْأَكْثَرُونَ على أَن جَرِيرًا أشعر مِنْهُ وَقد أنصف الْأَصْفَهَانِي فَقَالَ أما من كَانَ يمِيل إِلَى جودة الشّعْر وفخامته وَشدَّة أسره فَيقدم الفرزدق وَأما من كَانَ يمِيل إِلَى أشعار المطبوعين وإِلى الْكَلَام السَّمْح الْغَزل فَيقدم جَرِيرًا

وَكَانَ جرير قد هجا الفرزدق بقصيدة مِنْهَا

وكنتُ إذَا نَزَلت بدار قومرحَلْتَ بخَزْيةٍ وتَركتَ عارا) // الوافر //

فاتفق أَن الفرزدق بعد ذَلِك نزل بِامْرَأَة من أهل الْمَدِينَة وَجرى لَهُ مَعهَا قصَّة يطول شرحها وَمُلَخَّص الْأَمر أَنه راودها عَن نَفسهَا بعد أَن كَانَت أضافته وأحسنت إِلَيْهِ فامتنعت عَلَيْهِ وَبلغ الْخَبَر عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ وَهُوَ يَوْمئِذٍ وَالِي الْمَدِينَة المنورة فَأمر بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا فأركب على نَاقَة لينفى فَقَالَ قَاتل الله ابْن المراغة يَعْنِي جَرِيرًا كَأَنَّهُ شَاهد هَذَا الْحَال حِين قَالَ وَذكر الْبَيْت السَّابِق

وَمن شعره لما كَانَ فِي الْمَدِينَة المنورة

هُمَا دلَّتاني مِنْ ثَمَانِينَ قامةًكَمَا انْقَضَّ بازٍ أَقتم الرَّيش كاسرُه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فَلَمَّا استَوتِ رِجلايَ فِي الأَرْض قَالَتَاأحَيٌّ يُرجَّى أم قتيلٌ نحاذره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فَقُلتُ ارْفَعُوا الأسبْابَ لَا يَشعُروا بِنَاوأَقْبلتُ فِي أعجاز ليلٍ أبادرُه
أحَاذر بوَّابَيْنِ قد وكِّلَا بِناوأسْوَدَ مِن ساجِ تَصر مسامره) // الطَّوِيل //

فَقَالَ جرير لما بلغه ذَلِك

لقَد وَلدَتْ أمُّ الفرزدق فاجِراًفجاءَتْ بوَزْوَازٍ قصير القوادمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
يُوصِّلُ حِبْلَيِهِ إِذا جَنَّ ليلُهُليرْقى إِلَى جارَاته بِالسلَالمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
تدلَّيتَ تَزْنِي مِن ثمانينَ قامةًوقصَّرْت عَن باعِ العُلا وَالمكارمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
هُو الرِّجس ُيا أهلَ الْمَدِينَة فاحذرُوامدَاخِل رِجْس بالخبيثات عالمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
لقدْ كانَ إِخراجُ الفَرْزدق عنكمُطَهُوراً لما بَين الْمصلى وواقم) // الطَّوِيل //
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

فَأجَاب الفرزدق عَنْهَا بقصيدة طَوِيلَة مِنْهَا

وَإِنَّ حَرَامًا أَن أسبَّ مقاعساًبآبائيَ الشُّم الكِرام الخَضارمِ
وَلكنَّ نصفا لَو سببْتُ وسبَّنيبنُو عبدِ شمسٍ من منافٍ وَهاشمِ
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْوأعتدُّ أَن أهجو كليبا بدارم) // الطَّوِيل //

وَلما سمع أهل الْمَدِينَة أَبْيَات الفرزدق الأول جاؤا إِلَى مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة فَقَالُوا مَا يصلح هَذَا الشّعْر بَين أَزوَاج رَسُول الله ﷺ وَقد أوجب على نَفسه الْحَد فَقَالَ مَرْوَان لست أحده وَلَكِن أكتب إِلَى من يجده وَأمره بِأَن يخرج من الْمَدِينَة وأجله ثَلَاثَة أَيَّام لذَلِك فَقَالَ الفرزدق

توعدَّنِي وأجَّلني ثَلَاثًاكَمَا وُعِدَتْ لمُهلكِهَا ثَمُود) // الوافر //

ثمَّ كتب مَرْوَان إِلَى عَامله كتابا يَأْمُرهُ أَن يحده ويسجنه وأوهمه أَنه كتب لَهُ بجائزة ثمَّ نَدم مَرْوَان على مَا فعل فَوجه سفيراً وَقَالَ للفرزدق إِنِّي قد قلت شعرًا فاسمعه

قُلْ للفرزدق والسَّفَاهةُ كاسْمهَاإِن كُنتَ تَاركَ مَا أمرْتك فاجلس
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
وَدَعِ المدينةَ إنهَّا مَرهوبةواقصدْ لِمكَّةَ أوْ لبيتِ الْمُقَدّس
وَإِن اجْتنبت من الأمورِ عَظيمةًفَخذنْ لِنفسك بالعظيم الأكيس) // الْكَامِل //

فَلَمَّا وقف الفرزدق عَلَيْهَا فطن لما أَرَادَ مَرْوَان فَرمى الصَّحِيفَة وَقَالَ

يَا مَرْوُ إنَّ مَطيَتيِ مَحبوسَةٌتَرجوُ الحِباءَ وَرَبُّها لم يَيأسِ
وَحبوتنِي بِصحيفةٍ مَخْتُومةٍيُخشى عليّ بهَا حِباءُ النُّقْرِسِ
ألقِِ الصَّحيفةَ يَا فَرزدقُ لَا تكنْنكدَاءَ مِثلَ صَحيفةِ المُتلمَسِ

وأتى سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعِنْده الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله تَعَالَى بن جَعْفَر ﵃ فَأخْبرهُم الْخَبَر فَأمر لَهُ كل وَاحِد بِمِائَة دِينَار وراحلة وَتوجه إِلَى الْبَصْرَة فَقيل لمروان أَخْطَأت فِيمَا فعلت فَإنَّك عرضت عرضك

لشاعر مُضر فَوجه إِلَيْهِ رَسُولا وَمَعَهُ مائَة دِينَار وأرحله خوفًا من هجائه

وَنزل يَوْمًا فِي بني منقر والحي خلوف فَجَاءَت أَفْعَى فَدخلت مَعَ جَارِيَة فراشها فصاحت فاحتال الفرزدق فِيهَا حَتَّى انسابت ثمَّ ضم الْجَارِيَة إِلَيْهِ فزبرته ونحته عَنْهَا فَقَالَ

وأهْوَنُ عَيْبٍِ المِنْقَريَّةِ أنَّهاشَدِيدٌ ببَطنِ الحنظليّ لُصُوقها
رَأَتْ مِنقراً سُودًا قِصاراً وأبْصرَتفَتَى دارميّاً كالهلال يَروقُها
وَمَا أَنا هجْتُ المِنقريةَ للصِّباوَلكنهَا اسْتَعصتْ عَليّ عروقها) // الطَّوِيل //

فَمَا هجاها استعدت عَلَيْهِ زياداً فهرب إِلَى مَكَّة المشرفة فأظهر زِيَاد أَنه لَو أَتَاهُ لحباه فَقَالَ الفرزدق

دَعانِي زِيادٌ لِلعطاء وَلم أكنلأقربَهُ مَا سَاق ذُو حَسبٍ وَقرَا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا»
وَعندَ زِيادٍ لَو يُريدُ عَطاءهمْرِجالٌ كَثيرٌ قَدْ يَرَى بِهمُ فَقْرَا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا»
وإِنِّي لأخشى أنْ يَكون عطَاؤهإِذا هَمَّ سُوداً أَو مُحدرجةً سُمْراً) // الطَّوِيل //

قَالَ ابْن قُتَيْبَة سُودًا يَعْنِي السِّيَاط والمحدرجة الْقُيُود وَهَذِه الْجَارِيَة يُقَال لَهَا ظمياء وَهِي عمَّة اللعين الشَّاعِر الْمنْقري

وَدخل الفرزدق مَعَ فتيَان من آل الْمُهلب فِي بركَة يتبردون فِيهَا وَمَعَهُمْ ابْن أبي عَلْقَمَة الماجن فَجعل يتفلت إِلَى الفرزدق وَيَقُول دَعونِي أنكحه فَلَا يهجونا أبدا وَكَانَ الفرزدق من أجبن النَّاس فَجعل يستغيث وَيَقُول لَا يمس جلده جلدي فَيبلغ ذَلِك جَرِيرًا فَيُوجب عَليّ أَنه قد كَانَ مِنْهُ إِلَيّ الَّذِي يَقُول فَلم يزل يناشدهم حَتَّى كفوه عَنهُ

وَركب يَوْمًا بغلته وَمر بنسوة فَلَمَّا حاذاهن لم تتمالك البغلة ضراطاً فضحكن مِنْهُ فَالْتَفت إلَيْهِنَّ وَقَالَ لَا تضحكن فَمَا حَملتنِي أُنْثَى إِلَّا ضرطت فَقَالَ إِحْدَاهُنَّ مَا حملك أَكثر من أمك فأراها قد قاست مِنْك ضراطاً عَظِيما فحرك بغلته وهرب

وَيُقَال إِنَّه مر وَهُوَ سَكرَان على كلاب مجتمعة فَسلم عَلَيْهِم فَلَمَّا لم يسمع الْجَواب أنشأ يَقُول

فَمَا ردّ السَّلامَ شيوخُ قَومٍمَررتُ بهم على سِكَك البريدِ
ولَا سيمَا الذِي كانتْ عَليهِقطيفة أرجُوَانٍ فِي الْقعُود) // الوافر //

وَقَالَ مَا أعياني جوابٌ قطّ إِلَّا جَوَاب دهقان مرّة قَالَ لي أَنْت الفرزدق الشَّاعِر قلت نعم قَالَ إِن هجوتني تخرب ضيعتي قلت لَا قَالَ فتموت عيشونة ابْنَتي قلت لَا قَالَ فرجلي إِلَى عنقِي فِي حر أمك فَقلت وَيحك لم تركت رَأسك قَالَ حَتَّى أنظر أَي شَيْء تصنع يَا ابْن الزَّانِيَة

وَكَانَ الفرزدق يَقُول خير السّرقَة مَا لَا يقطع فِيهِ يَعْنِي بذلك سَرقَة الشّعْر

وَقَالَ قد علم النَّاس أَنِّي أفحل الشُّعَرَاء وَرُبمَا أَتَت عَليّ السَّاعَة وَقلع ضرس من أضراسي أَهْون عَليّ من قَول بَيت

وَمن جيد شعره قَوْله

قَالَت وَكَيف يميلُ مِثلكَ لِلصِّباوعَليكَ مِنْ سِمةِ الحَليم وقارُ
والشَّيبُ يَنهضُ فِي الشَّبابِ كأنهُلَيلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهَار) // الْكَامِل //

وَقيل للعين الْمنْقري اقْضِ بَين جرير والفرزدق فَقَالَ

سأقضي بَين كلب بَني كليْبٍوبينَ القَينِ قَينِ بني عِقال
للشاعر اللعين المنقري، من قصيدة «سأقضي بين كلب بني كليب»
فإنَّ الكلبَ مَطعمُهُ خَبيثٌوإنَّ القَينَ يَعملُ فِي سِفال
فَمَا بُقْيَا عَليَّ تركْتمانيولكنْ خِفتُما صرد النِّبال) // الوافر //

وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء حضرت الفرزدق وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَمَا رَأَيْت أحسن ثِقَة مِنْهُ بِاللَّه تَعَالَى

توفّي سنة عشر وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة ورثاه جرير بِأَبْيَات مِنْهَا قَوْله

فَلَا وَلدتْ بعَدَ الفَرزدقِ حامِلٌوَلا ذاتُ بَعلٍ من نِفَاس تعلت
هُوَ الوَافدُ الميمونُ والراتِقُ الثَّأَيإِذا النَّعلُ يَوْمًا بالعشيرةِ زلَّتِ) // الطَّوِيل //

ورثاه أَيْضا بِغَيْر ذَلِك

وَقَالَ ابْنه لبطة: رَأَيْت أبي فِي الْمَنَام فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ نفعتني الْكَلِمَة الَّتِي نازعت فِيهَا الْحسن عِنْد الْقَبْر وَذَلِكَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ لما وقف على قبر النوار زَوْجَة الفرزدق والفرزدق وَاقِف مَعَه وَالنَّاس ينظرُونَ فَقَالَ الْحسن مَا للنَّاس فَقَالَ الفرزدق ينظرُونَ خير النَّاس وَشر النَّاس فَقَالَ إِنِّي لست بخيرهم وَلست بشرهم وَلَكِن مَا أَعدَدْت لهَذَا المضطجع فَقَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُنْذُ سبعين سنة

ورؤي فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي بإخلاصي يَوْم الْحسن وَقَالَ لَوْلَا شيبتك لعذبتك بالنَّار

وقصته فِي تزَوجه بالنوار ابْنة عَمه شهيرةٌ ورزق مِنْهَا أَوْلَادًا وهم لبطه وسبطة وكلطة وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُم عقب

(سَأطلُبُ بعد الدَّار عَنْكُم لتقربوا ... وتسكب عَيْنَايَ الدُّمُوع لتجمدا) // الطَّوِيل // الْبَيْت للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من أبياتٍ من الطَّوِيل

وَالشَّاهِد فِيهِ السَّبَب الثَّانِي الْحَاصِل بِهِ التعقيد وَهُوَ الِانْتِقَال فَإِن معنى الْبَيْت أطلب وَأُرِيد الْبعد عَنْكُم أَيهَا الْأَحِبَّة لتقربوا إِذْ من عَادَة الزَّمَان الْإِتْيَان بضد المُرَاد فَإِذا أُرِيد الْبعد يَأْتِي الزَّمَان بِالْقربِ وَأُرِيد وأطلب الْحزن الَّذِي هُوَ لَازم الْبكاء ليحصل السرُور بِمَا هُوَ من عَادَة الزَّمَان فَأَرَادَ

أَن يكني عَمَّا يُوجِبهُ دوَام التلاقي من السرُور بالجمود لظَنّه أَن الجمود هُوَ خلو الْعين من الْبكاء مُطلقًا من غير اعْتِبَار شَيْء آخر وَأَخْطَأ فِي مُرَاده إِذْ الجمود هُوَ خلو الْعين من الْبكاء حَالَة إِرَادَة الْبكاء مِنْهَا كَقَوْل أبي عَطاء يرثي ابْن هُبَيْرَة

أَلَا إنَّ عَيْناً لم تَجُدْ يَومَ وَاسِطٍعَلَيْكَ بِجَارِي دمعها لجمود) // الطَّوِيل //
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة

وَقَول كثير عزة

(وَلم أدْرِ أنَّ العَيْنَ قَبْلَ فِرَاقِهَا ... غَدَاة الشبا مِنْ لاّعِجِ الوَجْدِ تَجْمُدُ) // الطَّوِيل // فَلَا يكون الجمود كِنَايَة عَن السرُور بل عَن الْبُخْل فَيكون الِانْتِقَال من جمود الْعين إِلَى بخلها بالدموع لَا إِلَى مَا قَصده من السرُور وَلَو كَانَ فِي الجمود صلاحيةٌ لِأَن يُرَاد بِهِ عدم الْبكاء حَال المسرة لجَاز أَن يُقَال فِي الدُّعَاء لَا زَالَت عَيْنك جامدة كَمَا يُقَال لَا أبكى الله عَيْنك وَهَذَا غير مَشْكُوك فِي بُطْلَانه وَعَلِيهِ قَول أهل اللُّغَة سنةٌ جماد أَي لَا مطر فِيهَا وناقة جماد أَي لَا لبن فِيهَا

وَقد فسر الْمبرد فِي الْكَامِل هَذَا الْبَيْت بِغَيْر هَذَا فَقَالَ هَذَا رجل فَقير يبعد عَن أهل ويسافر ليحصل مَا يُوجب لَهُم الْقرب وتسكب عَيناهُ الدُّمُوع فِي بعده عَنْهُم لتجمدا عِنْد وُصُوله إِلَيْهِم وَأنْشد

تقَولُ سُلَيْمى لَو أقمتَ بِأرضناوَلم تَدْرِ أَنِّي للِمُقَامِ أَطُوف) // الطَّوِيل //

وَمِنْه قَول الرّبيع بن خَيْثَم وَقد صلى طول ليلته حَتَّى أصبح وَقَالَ لَهُ رجل أَتعبت نَفسك فَقَالَ راحتها أطلب وَمثله قَول روح بن حَاتِم بن قبيصَة ابْن الْمُهلب وَنظر إِلَيْهِ رجل وَاقِفًا بِبَاب الْمَنْصُور فِي الشَّمْس فَقَالَ لَهُ الرجل قد طَال وقوفك فِي الشَّمْس فَقَالَ روح ليطول قعودي فِي الظل

وَقَالَ الزّجاج فِي أَمَالِيهِ أخبرنَا أَبُو الْحسن الْأَخْفَش قَالَ كنت يَوْمًا يحضرة

ثَعْلَب فأسرعت الْقيام قبل انْقِضَاء الْمجْلس فَقَالَ لي إِلَى أَيْن مَا أَرَاك تصبر عَن مجْلِس الْخُلْدِيِّ يَعْنِي الْمبرد فَقلت لَهُ لي حَاجَة فَقَالَ لي إِنِّي أرَاهُ يقدم البحتري على أبي تَمام فَإِذا أَتَيْته فَقل لَهُ مَا معنى قَول أبي تَمام

أآلِفةَ النَّحيبْ كم افْتراقٍأظلَّ فكانَ دَاعِيَة اجْتِمَاع) // الوافر //

قَالَ أَبُو الْحسن فَلَمَّا صرت إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمبرد سَأَلته عَنهُ فَقَالَ معنى هَذَا أَن المتحابين والمتعاشقين قد يتصارمان ويتهاجران دلالاً لَا عزماً على القطيعة فَإِذا حَان الرحيل وأحسا بالفراق تراجعا إِلَى الوداد وتلاقيا خوف الْفِرَاق وَأَن يطول الْعَهْد بالالتقاء بعده فَيكون الْفِرَاق حِينَئِذٍ سَببا للاجتماع كَمَا قَالَ الآخر

مُتِّعا بالفِراقِ يَومَ الفراقِمُستجيرَيْنِ بالبُكا والعناقِ
وأَظَلَّ الفِراقُ فَالْتَقَيَا فِيهِفِراقٌ أتاهُمَا باتَّفاقِ
كَيفَ أَدْعُو على الفراقِ بحَتْفٍوَغدَاةً الفِراق كَانَ التلاقي) // الْخَفِيف //

قَالَ فَلَمَّا عدت إِلَى مجْلِس ثَعْلَب سَأَلَني عَنهُ فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْجَواب والأبيات فَقَالَ مَا أَشد تمويهه مَا صنع شَيْئا إِنَّمَا معنى الْبَيْت أَن الْإِنْسَان قد يُفَارق محبوبه رَجَاء أَن يغنم فِي سَفَره فَيَعُود إِلَى محبوبه مستغنياً عَن التَّصَرُّف فَيطول اجتماعه مَعَه أَلا ترَاهُ يَقُول فِي الْبَيْت الثَّانِي

ولَيستْ فَرحةُ الأوْباتِ إلَاّلِمَوقوفٍ عَلى تَرح الوَدَاعِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

وَهَذَا نَظِير قَول الآخر بل مِنْهُ أَخذ أَبُو تَمام

سَأْطلبُ بُعدَ الدَّار عَنْكُم لتقربواوتسكب عَيْنَايَ الدُّمُوع لِتجمُدَا
للشاعر محمد بن علي الوجدي الغماد، اقرأ القصيدة

هَذَا ذَاك بِعَيْنِه

وَذكرت بِمَا تقدم آنِفا من أَن عَادَة الزَّمَان الْإِتْيَان بضد المُرَاد أَي وَإِن كَانَ على وفْق الْإِرَادَة الإلهية قَول الباخرزي

ولَطالمَا اخترتُ الفراقَ مُغالِطاًواحتْلتُ فِي اسثمار غَرسِ ودادي
ورَغِبتُ عَن ذِكِر الوصَالِ لِأَنَّهَاتُبنَى الأمُورُ على خِلافِ مرادي) // الْكَامِل //

وَالْعَبَّاس بن الْأَحْنَف هُوَ خَال إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي وَهُوَ حَنَفِيّ يمامي وَكَانَ رَقِيق الْحَاشِيَة لطيف الطباع وَله مَعَ الرشيد أَخْبَار قَالَ بشار مَا زَالَ غُلَام من بني حنيفَة يدْخل نَفسه فِينَا ويخرجها حَتَّى قَالَ

أبْكِي الذينَ أذاقوني مودَّتَهمُحَتَّى إِذا أيْقظونِي لِلهوى رقدُوا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أبكي الذين أذاقوني مودتهم»
وَاستنهضوني فَلَمَّا قُمتُ مُنتصباًبثقل مَا حمَّلوني مِنهمُ قعدُوا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبكي الذين أذاقوني مودتهم»
لأخْرجنَّ من الدُّنيا وحبُّهمبَين الجَوانح لم يَشعرْ بِهِ أحد) // الْبَسِيط //
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبكي الذين أذاقوني مودتهم»

وَكَانَ فِي الْعَبَّاس آلَات الظّرْف كَانَ جميل المنظر نظيف الثَّوْب فاره الْمركب حسن الْأَلْفَاظ كثير النَّوَادِر شَدِيد الِاحْتِمَال طَوِيل المساعدة

طلبه يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي يَوْمًا فَقَالَ إِن مَارِيَة هِيَ الْغَالِبَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإنَّهُ جرى بَينهمَا عتب فَهِيَ بعزة دَالَّة المعشوق تأبى أَن تعتذر وَهُوَ بعز الْخلَافَة وَشرف الْملك وَالْبَيْت يَأْبَى ذَلِك وَقد رمت الْأَمر من قبلهمَا فأعياني وَهُوَ أَحْرَى أَن تستفزه الصبابة فَقل شعرًا تسهل بِهِ عَلَيْهِ هَذِه الْقَضِيَّة وَأَعْطَاهُ دَوَاة وقرطاساً فَطَلَبه الرشيد فَتوجه إِلَيْهِ ونظم الْعَبَّاس قَوْله

العاشقانِ كِلاهما مُتغضِّبُوكِلاهما مُتوجِّدٌ مُتجنِّبُ
صَدَّتْ مُغاضِبةً وصَدّ مُغاضِباًوكِلاهما مِمَّا يُعالج مُتعَبُ
رَاجعْ أحبتَّكَ الذينَ هجرتهمْإنّ المُتيَّم قَلما يتجنَّبُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «العاشقان كلاهما متغضب»
إنْ التجنُّبَ إنْ تَطاولَ مِنكمادبّ السُّلُوُّلهُ فَعزَّ الْمطلب) // الْكَامِل //

ثمَّ قَالَ لأحد الرُّسُل أبلغ الْوَزير إِنِّي قد قلت أَرْبَعَة أَبْيَات فَإِن كَانَ فِيهَا مقنع وجهت بهَا إِلَيْهِ فَعَاد الرَّسُول وَقَالَ هَاتِهَا فَفِي أقل مِنْهَا مقنع فَكتب الأبيات وَكتب تحتهَا أَيْضا

لَا بدَّ لِلعاشقِ مِنْ وَقفةٍتَكونُ بَين الوَصلِ وَالصَّرْمِ
حَتَّى إذَا الهجرُ تَمادى بهِرَاجعَ مَنْ يَهوَى على رغم) // السَّرِيع //

فَدفع يحيى الرقعة إِلَى الرشيد فَقَالَ وَالله مَا رَأَيْت شعرًا أشبه بِمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الشّعْر وَالله لكَأَنِّي قصدت بِهَذَا فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنت الْمَقْصُود بِهِ فَقَالَ الرشيد يَا غُلَام هَات نَعْلي فإنني وَالله أرَاجعهَا على رغم فَنَهَضَ وأذهله السرُور أَن يَأْمر للْعَبَّاس بِشَيْء ثمَّ إِن مَارِيَة لما علمت بمجيء الرشيد إِلَيْهَا تَلَقَّتْهُ وَقَالَت كَيفَ ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَعْطَاهَا الشّعْر وَقَالَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِي إِلَيْك قَالَت فَمن قَالَه قَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَالَت فَبِمَ كوفئ قَالَ مَا فعلت بعد شَيْئا فَقَالَت وَالله لَا أَجْلِس حَتَّى يكافأ فَأمر لَهُ بِمَال كثير وَأمرت هِيَ لَهُ بِدُونِ ذَلِك وَأمر لَهُ يحيى بِدُونِ مَا أمرت بِهِ وَحمل على برذون ثمَّ قَالَ لَهُ الْوَزير من تَمام النِّعْمَة عنْدك أَن لَا تخرج من الدَّار حَتَّى نؤثل لَك بِهَذَا المَال ضَيْعَة فَاشْترى لَهُ ضيَاعًا بجملة من ذَلِك المَال وَدفع إِلَيْهِ بَقِيَّته

وَحدث أَبُو بكر الصولي عَن أبي زَكَرِيَّا الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ خرجت حَاجا مَعَ رفْقَة لي فعرجنا عَن الطَّرِيق لنصلى فجاءنا غُلَام

فَقَالَ لنا هَل فِيكُم أحد من أهل الْبَصْرَة فَقُلْنَا كلنا من أهل الْبَصْرَة فَقَالَ إِن مولَايَ من أَهلهَا ويدعوكم إِلَيْهِ فقمنا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ نَازل على عين مَاء فَجَلَسْنَا حوله فأحس بِنَا فَرفع طرفه وَهُوَ لَا يكَاد يرفعهُ ضعفا وَأَنْشَأَ يَقُول

يَا بَعيدَ الدَّارِ عَنْ وَطنهْمُفرداً يَبكي على شَجنهْ
كلمَّا جَدَّ الرَّحيلُ بِهِزادتِ الأسْقَام فِي بدنه) // الرمل //

ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ طَويلا وَنحن جُلُوس حوله إِذْ أقبل طَائِر فَوَقع على أعالي شَجَرَة كَانَ تحتهَا وَجعل يغرد فَفتح عَيْنَيْهِ وَجعل يسمع تغريد الطَّائِر ثمَّ أنشأ يَقُول

ولَقدْ زَادَ الفُؤادَ شَجًىطائرٌ يَبكي على فَنَنِهْ
شَفَّهُ مَا شَفّنِي فَبكىكُلنا يَبكي على سَكنهْ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا غريب الدار عن وطنه»

ثمَّ تنفس نفسا فاضت مَعَه نَفسه فَلم نَبْرَح عِنْده حَتَّى غسلناه وكفناه وتولينا الصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرغْنَا من دَفنه سَأَلنَا الْغُلَام عَنهُ فَقَالَ هَذَا الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف

وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَمَا ذكر من أَنه مَاتَ هُوَ وَالْكسَائِيّ وَإِبْرَاهِيم الْموصِلِي وهشيمة الخمارة فِي يَوْم وَاحِد وَأَن الرشيد أَمر الْمَأْمُون أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم وَأَنه قدم الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف ﵀ لقَوْله

وسَعَى بهَا قَومٌ وَقَالُوا إنَّهالَهيَ الَّتِي تَشقىَ بِها وتُكابِدُ
فَجَحدتُهمْ ليكونَ غَيركَ ظَنُّهمإِنِّي لَيُعجبني المحِبُّ الجاحِدُ) // الْكَامِل //
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»

فَفِيهِ نظر لِأَن الْكسَائي مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة على خلاف فِيهِ وَمَا كَانَ الْمَأْمُون مِمَّن يقدم الْعَبَّاس على مثل الْكسَائي وَأَيْضًا فقد روى الصولي أَنه رأى الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بعد موت الرشيد بمنزله بِبَاب الشَّام وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ

وَمن شعره

وحَدَّثْنَي يَا سَعْدُ عَنْهُم فزدنيجنونا فودني مِنْ حدَيثكَ يَا سَعْدُ
هَواها هَوىً لم يَعرِفِ القَلبُ غَيرهفَليسَ لَهُ قَبلٌ ولَيسَ لَهُ بعد) // الطَّوِيل //

وَمِنْه أَيْضا

إِذا أَنْت لم تَعطفْكَ إِلَّا شفَاعةٌفَلَا خير فِي وُدٍّ يَكونُ بِشافعِ
وأقسِمُ مَا تَركى عِتابَكَ عَنْ قِلًىوَلكنْ لِعلمي أَنه غيرُ نافعِ
وإنِّيَ إِن لم ألزَمِ الصَّبرَ طَائعاًفَلَا بدَّ مِنه مُكرهاً غير طائع) // الطَّوِيل //

وَمن رَقِيق شعره قَوْله من جملَة قصيدة

يَا أَيهَا الرِّجلُ المعذِّب نَفسهُأقْصر فَإِن شِفاءكَ الإِقصارُ
نزف البكاءُ دُموع عَينكَ فَاسْتَعِرْعَيناً يُعينكَ دَمعُها المِدرارُ
من ذَا يُعيركَ عَينه تبْكي بهَاأَرَأَيْت عَيناً للبكاء تعار) // الْكَامِل //

وشعره كُله جيد وجميعه فِي الْغَزل لَا يكَاد يُوجد فِيهِ مديح رَحمَه الله تَعَالَى

(سبوح لَهَا مِنْهَا عَليْهَا شَوَاهِدُ ...)

قَائِله أَبُو الطّيب المتنبي من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا سيف الدولة ابْن حمدَان أَولهَا

عَواذلُ ذَات الخالِ فيَّ حواسِدُوإنَّ ضَجيعَ الخودِ منِّي لَماجدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
يَرُدُّ يدا عنْ ثوبها وهُو قادرٌويَعصي الهوَى فِي طَيفها وهُو رَاقدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
مَتى يَشتفي من لاعج الشَّوق فِي الحشامُحبٌّ لَهَا فِي قُرْبهِ مُتباعدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
إِذا كُنت تخشى العارَ فِي كلِّ خلْوَةفَلم تتصباك الحِسانُ الخرائدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
أَلحَّ عَليَّ السُّقُم حَتَّى ألفتُهُومَلَّ طَبيبي جَانِبي والعوائدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
أهُمَّ بِشيءِ والليالي كَأَنَّهَاتُطاردني عَن كَونهِ وأطَاردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
وحِيدٌ منَ الخِلَاّنِ فِي كل بَلدَةإِذا عَظُمَ المطْلوبُ قَلَّ المسَاعدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
وتُسعدُني فِي غَمرة بَعْدَ غَمرةسَبوح لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِد) // الطَّوِيل //
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.