من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع (٥)
وَقَول حمدة الأندلسية
وَلما أَبى الوشوان إلاّ فرَاقَنَاوَمَا لهُمُ عِنْدِي وعندكَ من ثارِ
وشَنّوا على أسماعنا كلّ غارَةٍوقَلّ حُمَاتي عِنْد ذاكَ وأنصارِي
غَزَوْتُهُمُ من مقلتيكَ وأدمُعِيوَمن نَفَسي بِالسَّيْفِ والسيلِ والنارِ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن نباتة وأجاد إِلَى الْغَايَة
عَرْجَ عَلَى حرم المحبوب منتصباًلقبلة الحسنِ واعذرنِي على السهرِ
وَانْظُر إِلَى الْخَال فوقَ الثغْر دُونَ لمىًتَجِد بلَالاً يُراعي الصبحَ فِي السحر) // الْبَسِيط //
وبديع قَول بَعضهم
وَرْدٌ وَمسكٌ وَدُرٌّخدٌّ وخالٌ وثغرُ
الْحَظ وجفنٌ وغنجٌسيفٌ ونبل وسحر
غُصْن وَبدر وليلقد وَوجه وَشعر) // المجتث //
وَمِنْه بَين أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة قَول الشَّاعِر
ثغْرٌ وخدٌّ ونهدٌ واحمرَارُ يدٍكالطلعِ والوَرد والرّمان والبلَحِ) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول الشَّاب الظريف مُحَمَّد بن الْعَفِيف
رَأى جَسَدِي والدّمعَ والقلبَ والحشىفأضنَى وأفنىَ واستمالَ وَتَيَّمَا) // الطَّوِيل //
وَلأبي جَعْفَر الأندلسي الغرناطي بَين خَمْسَة وَخَمْسَة
ملكٌ يَجيءُ بِخَمْسَة من خمسةٍلقى الحسودَ بهَا فماتَ لما بهِ
منْ وَجههُ وَوَقارهِ وجوادهِوَحسامه بيديهِ يومَ ضِرَابهِ
قمرٌ على رضوى تسيرُ بهِ الصِّبَاوَالبرقُ يلمَعُ من خلال سحَابهِ) // الْكَامِل //
وَلابْن جَابر الأندلسي بَين سِتَّة وَسِتَّة
إِن شئتَ ظَبْيًا أَو هلَالاً أَو دُجىأَو زهرَ غُصْن فِي الْكَثِيب الأملدِ
فللَحظهَا ولِوَجههَا ولشَعْرهَاولخدّها والقدّ والردف اقصد) // الْكَامِل //
ولنجم الدّين الْبَارِزِيّ بَين سَبْعَة وَسَبْعَة
يُقَطِّعُ بالسكين بطيخةً ضحىعلى طبقٍ فِي مجلسٍ لأصَاحِبهْ
كبدرٍ ببرقٍ قَدَّ شمْساً أهِلَّةًلدَى هَالة فِي الْأُفق بَين كواكبه) // الطَّوِيل //
وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن قلاقس فَقَالَ
أتانَا الغلامُ ببطيخةٍوسكينة أحكموها صقالَا
فقسَّمَ بالبرْق شمسَ الضُّحَىوَأعْطى لكلّ هِلَال هلالا) // المتقارب //
وَمثله قَول محَاسِن الشواء وأجاد
(وَغُلَام يحزُّ بطيخةً فِي اللَّوْن مثلي وَفِي المذَاقة مثلَهْ ...)
لأنَاسٍ غُرٍّ عَلى طبقٍ فِيمجلسٍ مشرقٍ يشابهُ أهلَهْ
(قَدّ بدرٌ شمساً بأفقٍ شهدتُ الليلَ فِي هَالة ببرقٍ أَهله ...) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
وَلما بدا مَا بَيْننَا منية النَّفسيحززُ بالسكين صفراء كالْوَرْسِ
توَّهْمُت بدر التِّمِّ قدّ أهلةًعلى أنجم بالبرق من كرَةِ الشمسِ) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
خلنَاهُ لما حزّزَ البطيخَ فِيأطباقه بصقيلةِ الصفحاتِ
بَدْرًا يقدُّ من الشموس أهلةًبالبرْقِ بَين الشُّهْبِ فِي الهالاتِ) // الْكَامِل //
وَقَول البديع الدِّمَشْقِي فِي غُلَام يقطع بطيخاً بسكين نصابها اسود
انظرْ بعينكَ جوهراً متلالئاًسحرًا لفرط بَيَانه وجمالهِ
قمرُّ يقدُّ من الشموس أهلةًبظلامِ هجْرَته وفجر وصاله) // الْكَامِل //
وَالسَّابِق إِلَى فتح هَذَا الْبَاب العسكري حَيْثُ يَقُول
وجامعةٍ لأصناف الْمعَانِيصلحنَ لوقت إكثارٍ وَقلَّهْ
فَمن أُدمٍ ورَيحانٍ ونَقْلٍفَلم يُرَ مثلُها سَدّاً لخلَّهْ
فَمِنْهَا مَا تَشَبهُهُ بُدُوراًفإِن قَطَّعتها رجعت أهلهْ) // الوافر //
وَلابْن مقَاتل بَين ثَمَانِيَة وَثَمَانِية
خدُودٌ وأصداغ وقدٌّ ومقلةٌوثغرٌ وأرياقٌ ولحنٌ ومعربُ
وُرُودٌ وسوسانٌ وبانٌ ونرجسٌوكأسٌ وجِرْيَالٌ وجَنكٌ ومطرب) // الطَّوِيل //
وللصفي الْحلِيّ
وظبي بقفرٍ فوقَ طِرْفٍ مُفَوّقٌبقوسٍ رمى النَّقْع وحشاً بأسهمِ
كَبدرٍ بأفقِ فوْقَ برْقٍ بكفهِهلالٌ رمى فِي اللَّيْل جنا بأنجم) // الطَّوِيل //
ولبعضهم بَين عشرَة وَعشرَة
شَعْرٌ جَبِينٌ محيّاً معطفٌ كَفَلٌصدغٌ فمٌ وجناتٌ ناظرٌ ثَغْرُ
ليلٌ صباحٌ هلالٌ بانةٌ ونَقاًآسٌ أقاحِ شقيقٌ نرجسٌ در) // الْبَسِيط //
وَلابْن جَابر بَين اثْنَي عشر واثني عشر
فرُوعٌ سنَا قدٌّ كلامٌ فمٌ لَمىًحُلىً عُنُقٌ ثغرٌ شَذاً مقلةٌ خَدُّ
دُجىً قمرٌ غصنٌ جَنىً خَاتم طلاًنجومٌ رشَاً دُرٌّ صبا نرجسٌ وردُ) // الطَّوِيل //
وَجل الْقَصْد هُنَا أَن يكون اللف والنشر فِي بَيت وَاحِد خَالِيا من الحشو وعقادة التَّرْكِيب جَامعا بَين سهولة اللَّفْظ والمعاني المخترعة
وَابْن حيوس بحاء مُهْملَة وياء تحتية مُشَدّدَة مَضْمُومَة وواو سَاكِنة بعْدهَا سين مُهْملَة هُوَ أَبُو الفتيان مُحَمَّد بن سُلْطَان بن مُحَمَّد بن حيوس الملقب بمصطفى الدولة الشَّاعِر الْمَشْهُور وَهُوَ أحد الشُّعَرَاء الشاميين الْمُحْسِنِينَ وفحولهم المجيدين وَله ديوَان شعر كَبِير لَقِي جمَاعَة من الْمُلُوك والأكابر ومدحهم وَأخذ جوائزهم وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني مرداس أَصْحَاب حلب وَله فيهم القصائد الفائقة وقصته مَعَ الْأَمِير جلال الدولة وصمصامها نصر بن مَحْمُود بن شبْل الدولة نصر بن صَالح بن مرداس مَشْهُورَة فَإِنَّهُ كَانَ قد مدح أَبَاهُ مَحْمُودًا فَأَجَازَهُ ألف دِينَار فَلَمَّا مَاتَ وَقَامَ مقَامه وَلَده نصرٌ الْمَذْكُور قَصده ابْن حيوس الْمَذْكُور بقصيدة رائية يمدحه بهَا ويعزيه عَن أَبِيه أَولهَا
كفَى الدينَ عِزّاً مَا قضاهُ لكَ الدهرُفَمن كَانَ ذَا نذرٍ فقد وَجب النّذر) // الطَّوِيل //
مِنْهَا
صَبرنَا على حكم الزَّمَان الَّذِي سطَاعلى أنهُ لولاكَ لم يكنِ الصبرُ
غزَانا ببؤسي لَا يماثلها الأسىتقارنُ نعمى لَا يقومُ بهَا الشكرُ
تَباعدتُ عَنْكُم حِرْفَة لَا زهادةًوسرتُ إِلَيْكُم حِين مَسَّنِيَ الضرُّ
فلَاقيتُ ظلّ الْأَمْن مَا عنهُ حاجزٌيصدّ وَبَاب الْعِزّ مَا دونهُ سترُ
وطَالَ مُقامي فِي إسار جميلكمفَدامت معاليكم ودام ليَ الأسْرُ
(وأنجزَ لي ربُّ السَّمَوَات وعدهُ الكريمَ بأنَّ الْعسر يتبعهُ اليسرُ ...)
فجاد أَبُو نصر بِأَلف تصرمتوَإِنِّي عليم أَن سيخلفها نصر
لقدْ كنتَ مأمولاً ترجى لمثلهَافَكيف وطوعاً أَمرك النهيُ وَالأمرُ
وَمَا بِي إِلَى الإِلحاح والحرص حَاجَةوَقد عرف المبتاعُ وانفصل السعرُ
وَإِنِّي بآمالي لديكم مخيم مخيمٌوَكم فِي الورى ثاوٍ وآمالهُ سَفْرُ
وعهدكَ مَا أبغي بِقَوْلِي تصنعاًبأيسرِ مَا توليهِ يستبعد الْحر) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا فرغ من إنشادها قَالَ الْأَمِير نصر وَالله لَو قَالَ عوض قَوْله سيخلفها نصر سيضعفها لأضعفتها لَهُ وَأَعْطَاهُ ألف دِينَار فِي طبق فضَّة
وَكَانَ اجْتمع على بَاب الْأَمِير نصر جمَاعَة من الشُّعَرَاء وامتدحوه وتأخرت صلته عَنْهُم وَنزل بعد ذَلِك الْأَمِير نصر إِلَى دَار بولص النَّصْرَانِي وَكَانَت لَهُ عَادَة بغشيان منزله وَعقد مجْلِس الْأنس عِنْده فَأَتَت الشُّعَرَاء الَّذين تَأَخَّرت
جوائزهم إِلَى بَاب بولص وَفِيهِمْ ابْن الدويدة المعري الشَّاعِر الْمَعْرُوف فَكَتَبُوا ثَلَاثَة أَبْيَات اتَّفقُوا على نظمها وَقيل بل نظمها ابْن الدويدة المعري الْمَذْكُور وصيروا الورقة إِلَيْهِ وفيهَا الأبيات وَهِي
عَلى بابِكَ المَحْرُوسِ مِنّا عِصَابةٌمَفاليسُ فانْظُرْ فِي أُمُور المَفَاليس
وَقدْ قَنعتْ مِنك َالجَمَاعةُ كُلُّهابِعُشْرٍ الَّذِي أعطَيْتَهُ لِابْنِ حَيُّوس
وَمَا بَيْنَنا هذَا التَفَاوُتُ كُلُّهُولكِنْ سَعيدٌ لَا يُقاسُ بِمنحوس) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا الْأَمِير نصر أطلق لَهُم مائَة دِينَار وَقَالَ وَالله لَو قَالُوا بِمثل الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس لأعطيتهم مثله
وَكَانَ الْأَمِير نصر سخياً وَاسع الْعَطاء تملك حلب بعد وَفَاة أَبِيه مَحْمُود سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلم تطل مدَّته حَتَّى ثار عَلَيْهِ جمَاعَة من جنده فَقَتَلُوهُ ثَانِي شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ ابْن حيوس الْمَذْكُور قد أثرى وحصلت لَهُ نعْمَة ضخمة من بني مرداس فَبنى دَارا بِمَدِينَة حلب وَكتب على بَابهَا من شعره
دارٌ بَنيْنَاها وعِشْنا بِهافِي نِعمةٍ مِنْ آلِ مِرْداس
قَومٌ نَفواْ بُؤْسي وَلم يتْركُواعَليّ للأَيام مِنْ باسِ
قُلْ لِبني الدُّنيا أَلا هكذَاَفَليفْعِل الناسُ مَعَ الناسِ) // السَّرِيع //
وَقيل إِن الأبيات لِابْنِ أبي حَصِينَة الْحلَبِي وَهُوَ الصَّحِيح
وَحكى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق قَالَ أنشدنا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن
إِبْرَاهِيم الْعلوِي من حفظه سنة سبع وَخَمْسمِائة قَالَ أَخذ الْأَمِير أَبُو الفتيان ابْن حيوس بيَدي وَقَالَ أروعني هَذَا الْبَيْت وَهُوَ فِي شرف الدولة مُسلم ابْن قُرَيْش
أَأَنْت الَّذِي نفق الثنَاءُ بِسُوقهِوَجَرَى النَّدَى بِعرُوقهِ قَبْلَ الدَّم) // الْكَامِل //
وَهَذَا الْبَيْت فِي غَايَة الْمَدْح
وَمن غرر قصائده السائرة قَوْله
هُو ذاكَ رَبعُ العَامرية فارْبَعِواسأَلْ مَصيفاً عافياً عَنْ مَرْبع
وَاستَسْقِ لِلدِّمَن الخَوالي بِالحمىغُرَّ السحَائب واعْتَذرْ عَن أَدْمُعِي
فَلَقد غدوتُ أمامَ دَانٍ هَاجرٍفِي قُرْبه وَوَراءَ ناءٍ مُزْمع
لَوْ تُخبرُ الرُّكبَانُ عنِّي حدّثُواعَنْ مُقلةٍ عَبْرَى وقَلبٍ مُوجعَ
رُدِّى لنا زَمنَ الكَثيبِ فإنّهُزَمنٌ مَتى يَرْجع وصالُك يَرْجع
لوْ كنت عَالِمَة بأذني لَوْعتيلرَدَدْتِ أقْصَى نيلكِ المُسْتَرْجَعِ
بَل لوْ قَنعتِ منَ الغرَام بمُظْهرعَنْ مُضمر بينَ الحَشى والأضلُعِ
أُعْتَبْتِ إِثْرَ تعتُّبٍ وَوصلْتِغِبَّ تجنُّبٍ وبذلْتِ بَعْدَ تمنّع
وَلَو أنني أنْصَفتُ نَفسِي صُنتُهاعَنْ أَن أكُونَ كَطَالبٍ لم يَنْجَع
إِنِّي دعَوْتُ نَدَى الغرام فلَم يُجبفَلَا شُكْرَنَّ نَدَى أجَاب وَمَا دُعى
ومنَ العَجَائبِ والعجائبُ جمَّةٌشكْرٌ بَطيءٌ عَنْ ندَى مُتَسرّع
وَمن شعره يمدح سَابق بن مَحْمُود
يزْدادُ إِن قَصُرَ الخَطْىُّ عَن غَرضطُولاً وَيمضي إِذا حد الحسام نبا
حلّ السِّماكَ وَمَا حُلّتْ تَمائِمهُعَنْ جِيدِه وحبَا العافِينَ مُنذُ حَبَا
حوَى منَ الفَضْل موْلوداً بِلَا طلبأَضْعَاف مَا أعجَزَ الطُّلَاّبَ مُكتَسبا
طلْقُ المحيّا إِذا مَا زُرْتَ مجْلِسهُحُزْتَ الْغنى والعُلَا والبأس والأدبا) // الْبَسِيط //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْخياط الشَّاعِر قد وصل إِلَى حلب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَبهَا يَوْمئِذٍ ابْن حيوس الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ ابْن الْخياط يَقُول
لم يبْقَ عِندِي مَا يُباعُ بدرْهَموكَفَاكَ مِنِّي مَنظَري عنْ مَخْبَري
إِلَا بَقيَّةُ ماءِ وَجهٍ صنتهاعَن أَن تُبَاعَ وأينَ أينَ المُشْتَرِي) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَو قَالَ وَنعم أَنْت المُشْتَرِي لَكَانَ أحسن
وَكَانَ مولد ابْن حيوس سنة أَربع وَتِسْعين وثلثمائة بِدِمَشْق وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وَابْن حيوس الإشبيلي ذكره ابْن فضل الله فَقَالَ لَا يخف لَهُ ضرع خاطر
وَلَا يجِف لَهُ نوء سَحَاب ماطر لَو مس بقريحته الصلد لتفجر أَو الجهام لَا ثعنجر وحسبك من مرمى غَرَضه الْبعيد مَا ذكره لَهُ ابْن سعيد وَأورد لَهُ فِي المرقص قَوْله فِي أشتر الْعين لَا تُفَارِقهُ الدمعة
شترت فقُلنا زوْرقٌ فِي لُجَّةٍمَالت بإِحدَى دفّتيهِ الرِّيحُ
فكأنمَا إنسانُهَا ملاّحهُاقد خافَ مِنْ غرقٍ فظل يميح) // الْكَامِل //
إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والْجِدَهْمَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ
الْبَيْت لأبي الْعَتَاهِيَة من أرجوزته المزدوجة الَّتِي سَمَّاهَا ذَات الْأَمْثَال يُقَال إِن لَهُ فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف مثل فَمِنْهَا
حسبُكَ مِمَّا تبتفيه القُوتُمَا أكثَرَ القُوتَ لِمنْ يمُوتُ
الفقرُ فيمَا جاوزَ الكَفافامِن اتّقى اللهَ رَجا وَخافا
هيَ المَقَاديُر فلُمني أَو فذرْإِن كنْتُ أخطأتُ فَمَا أخطا القَدَر
لِكُلّ مَا يُؤذي وَإِن قَلّ ألممَا أطوَل اللَّيْلَ على مَنْ لم ينم
مَا انتَفَعَ المرءُ بِمثلْ عقلهِوخيْرُ ذُخْرِ المرءِ حُسْنُ فِعلهِ
إِن الفَساد ضدّهُ الصَلَاحُورُبّ جدٍّ جَرّهُ المُزَاحُ
مَنْ جعلَ النَّمَّامَ عبنأً هلكاَمُبلغُكَ الشّرّ كباغيهِ لَكا
وَبعده الْبَيْت وَبعده
يُغْنِيك عَن كل قَبِيح تَركُهُيرتهن الرأيَ الأصيلَ شكّهُ
مَا عَيْشُ مَنْ آفته بَقَاؤُهُنغض عَيشاً كلَّهُ فناؤُهُ
يَا رب من أسخطنَا بِجْهدِهِقد سرَّنا الله بغيرِ حَمْدِهِ
مَا تطلعُ الشَّمْسُ وَلَا تعيبإِلَّا لأمرٍ شأنهُ عَجيبُ
لِكلِّ شَيْء قدرٌ وجوهرُوأوسط وأصغر وأكبرُ
فكلُّ شَيْء لاحقٌ بجوهرهْأصغرهُ متّصِلٌ بأكبرهْ
مَنْ لكَ بالمحْضْ وكلُّ مُمتزجْوساوسٌ فِي الصَّدْر مِنْك تختلج
مَا زالتِ الدُّنيا لنا دارَ أَذَىمَمزُوجةَ الصفوِ بأنواع القَذَى
الخيْرُ والشّرُّ بِها أزواجُلذَا نتاجٌ ولِذَا نِتاجُ
مَنْ لكَ بالمحْضْ وَلَيْسَ مَحْضُيخبُثُ بَعضٌ وَيطيبُ بعضُ
لِكُلِّ إنسانٍ طبيعتَانِخيْرٌ وشَرٌّ وُهما ضِدَّانِ
والخيرُ والشرُّ إِذا مَا عُدّابَينهُما بَوْنٌ بعيدٌ جدَّا
إنّكَ لَو تَستنشقُ الشحيحاوَجدتَهُ أنتنَ شَيءٍ ريحًا
عجِبْتُ حَتَّى ضمَّني السُّكوتُصِرْتُ كأنِّي حائرٌ مَبْهُوتُ
كذَا قَضى اللهُ فكَيْفَ أصنعُوالصمْتُ إِن ضاقَ الكلامُ أوسعُ
وَهِي طَوِيلَة جدا وَهَذَا الأنموذج كَاف مِنْهَا
وَالْجدّة الِاسْتِغْنَاء والمفسدة الْخلَّة الداعية إِلَى الْفساد
وَالشَّاهِد فِيهِ الْجمع وَهُوَ الْجمع بَين مُتَعَدد فِي حكم وَهُوَ ظَاهر فِي الْبَيْت وَمَا أحسن قَول الصفي الْحلِيّ فِيهِ
أرَاؤُهُ وَعَطاياهُ ونِعمتُهُوعفوُهُ رحمَةٌ للنَّاس كلهم) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَول ابْن حجَّة مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
آدابهُ وعَطاياه ورأفَتُهُسجيةٌ ضمن جَمْع فِيهِ ملتئم) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن جَابر الأندلسي
قد أحْرَز السَّبق والإحسانَ فِي نَسقٍوالعِلم والحِلم قَبلَ الدَّرك للحلم) // الْبَسِيط //
وَأَبُو الْعَتَاهِيَة هُوَ إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم بن سُوَيْد بن كيسَان مولى عنزة وكنيته أَبُو إِسْحَاق وَأَبُو الْعَتَاهِيَة كنية غلبت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يحب الشُّهْرَة والمجون فكنى لعتوه بذلك وَقيل إِن الْمهْدي قَالَ لَهُ يَوْمًا أَنْت إِنْسَان متعته متحذلق فاستوت لَهُ من ذَلِك كنيته وَيُقَال للرجل المتحذلق عتاهية وَفِيه يَقُول أَبُو قَابُوس النَّصْرَانِي وَقد بلغه أَنه فضل عَلَيْهِ العتابي
قُلْ لِلْمُكني نَفْسهُمُتخيراً بِعتاهِيةْ
(والمُرْسلِ الْكَلم القَبيح وعنهُ أذنٌ وَاعيهْ ...)
إِن كنتَ سِرّاً سؤتنيأَو كانَ ذَاكَ عَلَانِيهْ
فَعليك لعنَةُ ذِي الْجلَالوأُمُّ زيدٍ زانيهْ) // الْكَامِل //
وَأم زيد هِيَ أم أبي الْعَتَاهِيَة ومنشأه بِالْكُوفَةِ وَكَانَ فِي أول أمره يتخنث وَيحمل زاملة المخنثين ثمَّ كَانَ يَبِيع الفخار بِالْكُوفَةِ ثمَّ قَالَ الشّعْر فبرع فِيهِ وَتقدم وَيُقَال أطبع النَّاس بالشعر بشار وَالسَّيِّد الْحِمْيَرِي وَأَبُو الْعَتَاهِيَة وَمَا قدر
أحد قطّ على جمع شعر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بأسره لكثرته وَكَانَ غزير الْبَحْر كثير الْمعَانِي لطيفها سهل الْأَلْفَاظ كثير الافتنان قَلِيل التَّكَلُّف إِلَّا أَنه كثير السَّاقِط المرذول مَعَ ذَلِك وَأكْثر شعره فِي الزّهْد والأمثال وَكَانَ قوم من أهل عصره ينسبونه إِلَى القَوْل بِمذهب الفلاسفة مِمَّن لَا يُؤمن بِالْبَعْثِ والنشور ويحتجون بِأَن شعره إِنَّمَا هُوَ فِي ذكر الْمَوْت والفناء دون النشور والمعاد
وَحدث الْخَلِيل بن أَسد النوشجاني قَالَ أَتَانَا أَبُو الْعَتَاهِيَة إِلَى منزلنا فَقَالَ زعم النَّاس أنني زنديق وَالله مَا ديني إِلَّا التَّوْحِيد فَقُلْنَا لَهُ قل شَيْئا نتحدث بِهِ عَنْك فَقَالَ
أَلا إِنَّنَا كلَّنا بائدُوأيُّ بني آدمٍ خالِدُ
وبَدؤُهُم كانَ من رَبِّهموكُلٌّ إِلَى رَبِّهِ عَائدُ
(فَيا عَجَباً كيفَ يُعصي الإلهُ أم كيفَ يجحدهُ الجاحد ...)
وَفِي كلِّ شَيْء لَهُ آيةٌتَدُلُّ على أَنهُ وَاحِد) // المتقارب //
وَكَانَ من أبخل النَّاس مَعَ يسَاره وَكَثْرَة مَا جمعه من الْأَمْوَال
وَحدث مُحَمَّد بن عِيسَى الْخرقِيّ قَالَ وقف عَلَيْهِ ذَات يَوْم سَائل من العيارين الظرفاء وَجَمَاعَة من جِيرَانه حواليه فَسَأَلَهُ دونهم فَقَالَ لَهُ صنع الله لَك فَأَعَادَ السُّؤَال فَرد عَلَيْهِ فَأَعَادَ الثَّالِثَة فَغَضب وَقَالَ لَهُ أَلَسْت الَّذِي يَقُول
كلُّ حَيّ عِنْد ميتتهِحظُّهُ من مَاله الْكَفَن) // المديد //
قَالَ نعم قَالَ فبالله عَلَيْك أَتُرِيدُ أَن تعد مَالك كُله لثمن كفنك قَالَ لَا قَالَ فبالله كم قدرت لكفنك قَالَ خَمْسَة دَنَانِير قَالَ فاعمل على أَن دِينَارا من الْخَمْسَة وضيعته قِيرَاط وادفع إِلَيّ قيراطاً وَاحِدًا وَإِلَّا فَوَاحِدَة أُخْرَى قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ الْقُبُور تحفر بِثَلَاث دَرَاهِم فَأعْطِنِي درهما وأقيم لَك كَفِيلا بِأَن أحفر لَك بِهِ
قبرك مَتى مت وتربح دِرْهَمَيْنِ لم يَكُونَا فِي حِسَابك فَإِن لم أحفر رَددته على وَرثتك أَو رده كفيلي عَلَيْهِم فَخَجِلَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ اغرب لعنك الله وَغَضب عَلَيْك وَضحك جَمِيع من حضر وَمر السَّائِل يضْحك فَالْتَفت إِلَيْنَا أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقد اغتاظ فَقَالَ من أجل هَذَا وَأَمْثَاله حرمت الصَّدَقَة فَقُلْنَا لَهُ وَمن حرمهَا وَمَتى حرمت فَمَا رَأَيْت أحدا ادّعى أَن الصَّدَقَة حرمت قبله وَلَا بعده
وَقَالَ قلت لأبي الْعَتَاهِيَة أتزكى مَالك فَقَالَ وَالله مَا أنْفق على عيالي إِلَّا من زَكَاة مَالِي فَقلت لَهُ سُبْحَانَ الله إِنَّمَا يَنْبَغِي لَك أَن تخرج زَكَاة مَالك للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَقَالَ لي لَو انْقَطَعت عَن عيالي زَكَاة مَالِي لم يكن فِي الأَرْض أفقر مِنْهُم
وَحدث أَيْضا قَالَ كنت جاراً لأبي الْعَتَاهِيَة وَكَانَ لَهُ جَار يلتقط النَّوَى ضَعِيف سيء الْحَال متجمل عَلَيْهِ ثِيَاب فَكَانَ يمر بِأبي الْعَتَاهِيَة طرفِي النَّهَار فَيَقُول أَبُو الْعَتَاهِيَة اللَّهُمَّ أعنه على مَا هُوَ بسبيله شيخ ضَعِيف سيءالحال عَلَيْهِ ثِيَاب متجمل اللَّهُمَّ اصْنَع لَهُ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ فَبَقيَ على هَذَا إِلَى أَن مَاتَ الشَّيْخ نَحوا من عشْرين سنة لَا وَالله إِن تصدق عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ وَلَا دانق قطّ وَمَا كَانَ زَاده على الدُّعَاء شَيْئا فَقلت لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق إِنِّي أَرَاك تكْثر الدُّعَاء لهَذَا الشَّيْخ وتزعم أَنه فَقير معيل فَلم لَا تَتَصَدَّق عَلَيْهِ بِشَيْء فَقَالَ أخْشَى أَن يعْتَاد الصَّدَقَة وَهِي آخر مكاسب العَبْد وَإِن فِي الدُّعَاء خيرا كثيرا
وَقَالَ الجاحظ حَدثنِي ثُمَامَة بن أَشْرَس قَالَ دخلت يَوْمًا على أبي الْعَتَاهِيَة فَإِذا هُوَ يَأْكُل خبْزًا بِلَا شَيْء فَقلت لَهُ كالمنكر كَأَنَّك رَأَيْته يَأْكُل خبْزًا وَحده فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْته يتأدم بِلَا شَيْء فَقلت وَكَيف ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت قدامه خبْزًا يَابسا من دقاق فطير وَقَدحًا فِيهِ حليب فَكَانَ يَأْخُذ الْقطعَة من الْخبز فيغمسها فِي اللَّبن ويخرجها فَلم تتَعَلَّق مِنْهُ بِقَلِيل وَلَا كثير فَقلت لَهُ كَأَنَّك اشْتهيت أَن تتأدم بِلَا شَيْء وَمَا رَأَيْت أحدا قبله تأدم بِلَا شَيْء
وَقَالَ ثُمَامَة أَنْشدني أَبُو الْعَتَاهِيَة
إِذا الْمَرْء لم يُعتِق منَ المَال نفسَهُتمَلّكَهُ المالُ الَّذِي هُوَ مالكُهْ
أَلا إِنَّمَا مَالِي الَّذي أَنا مُنفِقٌولَيسَ ليَ المَالُ الَّذِي أَنا تاركُهْ
إِذا كُنتَ ذَا مَال فبادر بِهِ الَّذييحقُّ وَلَا استهلكته مهالكه) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ من أَيْن قضيت بِهَذَا قَالَ من قَوْله ﷺ (إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو أَعْطَيْت فأمضيت) فَقلت أتؤمن بِأَن هَذَا قَول رَسُول الله ﷺ وَأَنه الْحق قَالَ نعم قلت فَلم تحبس عنْدك سبعا وَعشْرين بدرة فِي دَارك لَا تَأْكُل مِنْهَا وَلَا تشرب وَلَا تزكي وَلَا تقدمها ذخْرا ليَوْم فقرك وفاقتك قَالَ يَا أَبَا معن وَالله إِن مَا قلت لحق وَلَكِنِّي أَخَاف الْفقر وَالْحَاجة إِلَى النَّاس قلت وَمَا يزِيد حَال من افْتقر على حالك وَأَنت دَائِم الْحزن لَا تَأْكُل وَلَا تشرب مِنْهَا دَائِم الْجمع شحيح على نَفسك لَا تشتري اللَّحْم إِلَّا من عيد إِلَى عيد فَترك جَوَاب كَلَامي كُله ثمَّ قَالَ لي وَالله لقد اشْتريت فِي يَوْم عَاشُورَاء لَحْمًا وتوابله وَمَا يتبعهُ بِخَمْسَة دَرَاهِم فَلَمَّا قَالَ لي هَذَا القَوْل أضحكني حَتَّى أذهلني عَن جَوَابه ومعاتبته وَأَمْسَكت عَنهُ وَعلمت أَنه لَيْسَ مِمَّن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ
وَقيل لَهُ مَا لَك تبخل بِمَا رزقك الله تَعَالَى فَقَالَ وَالله مَا بخلت بِمَا رَزَقَنِي الله قطّ قيل لَهُ فَكيف ذَاك وَفِي بَيْتك من المَال مَا لَا يُحْصى قَالَ لَيْسَ ذَلِك رِزْقِي وَلَو كَانَ رِزْقِي لأنفقته
وَحدث أَبُو الْعَتَاهِيَة قَالَ أخرجني الْمهْدي مَعَه إِلَى الصَّيْد فوقعنا مِنْهُ على شَيْء كثير وتفرق أَصْحَابه فِي طلبه وَأخذ هُوَ فِي طَرِيق آخر غير طريقهم فَلم يلتفتوا وَعرض لنا وادٍ جرار عَظِيم وتغيمت السَّمَاء وبدأت بمطر فتحيرنا وأشرفنا على الْوَادي وَإِذا فِيهِ ملاح يعبر النَّاس فلجأنا إِلَيْهِ وسألناه
عَن الطَّرِيق فَجعل يضعف رَأينَا ويعجزنا فِي بذل أَنْفُسنَا فِي ذَلِك الْغَيْم والمطر للصَّيْد حَتَّى أبعدنا ثمَّ أدخلنا كوخا لَهُ وَكَانَ الْمهْدي يَمُوت بردا فَقَالَ لَهُ أغطيك بجبتي هَذِه الصُّوف فَقَالَ نعم فغطاه بهَا فتماسك قَلِيلا ونام وافتقده غلمانه وتبعوا أَثَره حَتَّى جاؤونا فَلَمَّا رأى الملاح كثرتهم على أَنه الْخَلِيفَة فهرب وتبادر الغلمان فنحوا الْجُبَّة عَنهُ وألقوا عَلَيْهِ الْخَزّ والوشي فَلَمَّا انتبه قَالَ لي وَيحك مَا فعل الملاح فوَاللَّه لقد وَجب حَقه علينا فَقلت وَالله هرب خوفًا مِمَّا خاطبنا بِهِ قَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالله لقد أردْت أَن أغنيه وَبِأَيِّ شَيْء خاطبنا نَحن وَالله مستحقون لأضعاف مَا خاطبنا بِهِ بحياتي عَلَيْك إِلَّا مَا هجوتني فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ تطيب نَفسِي بِأَن أهجوك قَالَ وَالله لتفعلن فإنني ضَعِيف الرَّأْي مغرم بالصيد فَقلت
يَا لابِسَ الوَشْي على ثَوبهِمَا أقبَحَ الأشيب بِالرَّاحِ) // السَّرِيع //
فَقَالَ زِدْنِي بحياتي عَلَيْك فَقلت
لَو شئتَ أَيْضا جُلْتَ فِي خامةٍوَفِي وِشَاحَيْنِ وأوضاحِ
فَقَالَ وَيلك هَذَا معنى سوء يرويهِ عَنْك النَّاس وَأَنا أستأهل زِدْنِي شَيْئا آخر فَقلت أَخَاف أَن تغْضب فَقَالَ لَا وَالله فَقلت
كم من عَظِيم القَدْرِ فِي نَفْسهِقد نامَ فِي جُبَّةِ مَلَاّحِ
فَقَالَ معنى سوء عَلَيْك لعنة الله وقمنا فَرَكبْنَا وانصرفنا
وَعَن الْحسن بن عَابِد قَالَ كَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يحجّ فِي كل سنة فَإِذا قدم أهْدى لِلْمَأْمُونِ بردا قطرياً ونعلاً سَوْدَاء ومساويك أراكٍ فيبعث إِلَيْهِ بِعشْرين ألف دِرْهَم فأهدى لَهُ مرّة كَمَا كَانَ يهدي كل سنة إِذا قدم فَلم يثبه وَلَا بعث إِلَيْهِ بالوظيفة فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَقُول
خبروني أنّ مِنْ ضرب السّنةحددا بيضًا وصُفْراً حسنهْ
أحدثت لكني لم أرَهامثلَ مَا كنتُ أرى كل سنة) // الرمل //
قَالَ فَأمر الْمَأْمُون بِحمْل الْعشْرين ألفا إِلَيْهِ وَقَالَ أغفلناه حَتَّى أذكرنا
وَحدث أَبُو عِكْرِمَة قَالَ كَانَ الرشيد إِذا رأى عبد الله بن معن بن زَائِدَة يتَمَثَّل بقول أبي الْعَتَاهِيَة
أُختُ بني شيبانَ مرّتْ بِنَاممشوطة كوراً على بغلِ) // السَّرِيع //
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأبي الْعَتَاهِيَة يهجو بهَا عبد الله الْمَذْكُور وَبعده
تكنى أَبَا الْفضل وَمن ذَا رأىجَارِيَة تكنى أَبَا الْفضل
قد نقطت فِي وَجههَا نقطةًمخافةَ الْعين من الْكحل
إِن زُرتموها قَالَ حُجابهانحنُ عَن الزُّوَّار فِي شُغلِ
مولَاتُنَا مَشْغُولَة عندَهابعلٌ وَلَا إِذنَ على البعلِ
يَا بنتَ معنِ الخيرِ لَا تجهلِيوأينَ تقصيرٌ عَن الجهلِ
أتجلدُ الناسَ وأنتَ امرُؤٌتُجلَدُ فِي دُبرِكَ والقبلِ
مَا يَنْبَغِي للناسِ أَن ينسُبُوامن كانَ ذَا جودٍ إِلَى البخلِ
يبذلُ مَا يمنعُ أهلُ الندَىهَذَا لعمرِي مُنْتَهَى البذلِ
مَا قلتُ هَذَا فيكَ إِلَّا وقَدْجَفَّتْ بهِ الأقلامُ من قبلي) // السَّرِيع //
قَالَ فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن معن فَأتى بِهِ فَدَعَا بغلمان لَهُ ثمَّ أَمرهم أَن يرتكبوا مِنْهُ الْفَاحِشَة فَفَعَلُوا ذَلِك ثمَّ أجلسه وَقَالَ لَهُ قد جزيتك على قَوْلك فَهَل لَك بعد هَذَا فِي الصُّلْح وَمَعَهُ مركب وَعشرَة آلَاف دِرْهَم أَو تقيم على الْحَرْب وَمَا ترى قَالَ بل الصُّلْح قَالَ فأسمعني مَا تَقوله فِي معنى الصُّلْح فَقَالَ
مَا لِعذالي ومالِيأمرُونِي بالضلاِل
عذَلوني فِي اغتفارِيلِابْنِ مَعنٍ واحتمالِي
إِن يكن مَا كانَ منهُفَبجرْمِي وفعالِي
أَنا مِنْهُ كنتُ أسواعِشْرَةً فِي كل حالِ
قل لمن يعجبُ من حسنرجوعي ومقالِي
(رُبّ ودّ بعدَ صَدّ وَهوى بعدَ الرِّجَال ...)
قد رَأينَا ذَا كثيراجَارِيا بَين الرّجالِ
إِنما كَانَت يمينِيلطمتْ مِني شمَالي) // الرمل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي حداثته يهوى امْرَأَة من أهل الْحيرَة نائحة لَهَا حسن ودماثة يُقَال لَهَا سعدى وَكَانَ مِمَّن يهواها أَيْضا عبد الله بن معن وَكَانَت مولاة لَهُم وَكَانَت صَاحِبَة حبائب وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مُولَعا بِالنسَاء فَقَالَ فِيهَا
أَلا يَا ذَوَات السحق فِي الغرب والشرقِأفقنَ فَإِن النيكَ أشهى من السحق
أفقنَ فإنّ الْخبز بِالْأدمِ يشتهَىوَلَيْسَ يسوغُ الْخبز بالخبز فِي الْحلق
أراكنَّ ترقعنَ الخرُوق بِمِثْلِهَاوأيّ لبيبٍ يرقعُ الْخرق بالخرقِ
وَهل يصلحُ المهراسُ إِلَّا بعودهِإذَا احتيجَ مِنْهُ ذَاتَ يَوْم إِلَى الدقّ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا
قلتُ للقلب إِذْ طوى وصلَ سُعَدىلهواه الْبَعِيدَة الأسبابِ
(أنتَ مثل الَّذِي يفرُّ من القَطرِ حِذَارَ الندى إِلَى الْمِيزَاب ...) // الْخَفِيف // فَغَضب ابْن معن لسعدى فَضرب أَبَا الْعَتَاهِيَة مائَة فَقَالَ فِيهِ
جَلَدَتْنِي بكفهابنتُ معن بن زَائِدَة
جلدتني بكفهابِأبي تِلْكَ جالدهْ
وتراها مَعَ الخصيِّعلى الْبَاب قاعدهْ
تتكَنّى كني الرِّجَاللعمدٍ مُكايدهْ
جَلدَتْنِي وبالغتمائَة غير واحده
اجلديني اجلدي اجلديإِنَّمَا أنتِ وَالِده) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي ضربه إِيَّاه أَيْضا
ضربتني بكفها بنتُ معنٍأوجعت كفها وَمَا أوجعتني
ولعمري لَوْلَا أَذَى كفها إِذْضربتني بِالسَّوْطِ مَا تَرَكتنِي) // الْخَفِيف //
وَحدث أَحْمد بن أبي فنن قَالَ كُنَّا عِنْد ابْن الْأَعرَابِي فَذكر قَول يحيى بن نَوْفَل فِي عبد الْملك بن عُمَيْر القَاضِي وَهُوَ
إِذا كلمتهُ ذاتُ دَلٍّ لحاجةٍفهمَّ بِأَن يقْضِي تنحنح أَو سعل) // الطَّوِيل //
وَأَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ تركني وَالله وَإِن السعلة لتعرض لي فِي الْخَلَاء فأذكر قَوْله فأهاب أَن أسعل قَالَ فَقلت هَذَا ابْن معن بن زَائِدَة يَقُول لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة
فصُغْ مَا كنت حَلَّيْتَبِهِ سيفكَ خَلخالا
فَمَا تصنعُ بالسيفِإِذا لم تَكُ قتالا) // الهزج //
فَقَالَ عبد الله مَا لبست السَّيْف قطّ فلمحني إِنْسَان إِلَّا قلت يحفظ شعر أبي الْعَتَاهِيَة فِي فَينْظر إِلَيّ بِسَبَبِهِ فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي اعجبوا لهَذَا العَبْد يهجو مَوْلَاهُ وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة من موَالِي بني شَيبَان
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ اجْتمع أَبُو نواس وَأَبُو الشمقمق فِي بَيت ابْن أذين وَجَاء أَبُو الْعَتَاهِيَة وَكَانَ بَينه وَبَين أبي الشمقمق شَرّ فخبأه من أبي الْعَتَاهِيَة فِي بَيت وَدخل أَبُو الْعَتَاهِيَة فَنظر إِلَى غُلَام عِنْدهم فِيهِ تَأْنِيث فَظَنهُ جَارِيَة فَقَالَ لِابْنِ أذين مَتى استظرفت هَذِه الْجَارِيَة قَالَ قَرِيبا يَا أَبَا إِسْحَاق فَقل فِيهَا مَا حضر فَمد أَبُو الْعَتَاهِيَة يَده إِلَيْهِ وَقَالَ
مددتُ كَفِّي نحوكم سَائِلًامَاذَا تردُّون على السَّائِل) // السَّرِيع //
فَلم يلبث أَبُو الشمقمق حَتَّى ناداه من دَاخل الْبَيْت بِهَذَا الْبَيْت
نرد فِي كفك ذَا فَيْشَةٍيشفي جَوّى فِي استك من دَاخل
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة أَبُو الشمقمق وَالله وَقَامَ مغضبا
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة حَبَسَنِي الرشيد لما تركت قَول الشّعْر فأدخلت السجْن وأغلق الْبَاب عَليّ فدهشت كَمَا يدهش مثلي لذَلِك الْحَال فَإِذا أَنا بِرَجُل جَالس فِي جَانب الْحَبْس مُقَيّد فَجعلت أنظر إِلَيْهِ سَاعَة ثمَّ تمثل وَقَالَ
تعوَّدْتُ مَسَّ الضّر حَتَّى ألفتُهُوأسلمني حسنُ العزاء إِلَى الصَّبْر
وصيرني يأسي من النَّاسِ راجياًلحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ أعد أعزّك الله هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ لي وَيلك يَا أَبَا الْعَتَاهِيَة مَا أَسْوَأ أدبك وَأَقل عقلك دخلت عَليّ الْحَبْس فَمَا سلمت تَسْلِيم الْمُسلم على الْمُسلم
وَلَا سَالَتْ مَسْأَلَة الْحر للْحرّ وَلَا توجعت توجع المبتلي للمبتلي حَتَّى إِذا سَمِعت بَيْتَيْنِ من الشّعْر الَّذِي لَا فضل فِيك غَيره لم تصبر عَن استعادتهما وَلم تقدم قبل مسألتهما عذرا لنَفسك فِي طلبهما فَقلت يَا أخي إِنِّي دهشت لهَذَا الْحَال فَلَا تعذلني واعذرني متفضلاً بذلك فَقَالَ وَالله أَنا أولى بالدهش والحيرة مِنْك لِأَنَّك حبست فِي أَن تَقول الشّعْر الَّذِي بِهِ ارْتَفَعت وَبَلغت مَا بلغت فَإِذا قلت أمنت وَأَنا مَأْخُوذ بِأَن أدل على ابْن رَسُول الله ﷺ ليقْتل أَو أقتل دونه وَوَاللَّه لَا أدل عَلَيْهِ أبدا والساعة يدعى بِي فأقتل فأينا أَحَق بالدهش فَقلت أَنْت وَالله أولى سلمك الله وَكَفاك وَلَو علمت أَن هَذِه حالك مَا سَأَلتك فَقَالَ لَا نبخل عَلَيْك إِذن ثمَّ أعَاد الْبَيْتَيْنِ حَتَّى حفظتهما فَسَأَلته من هُوَ قَالَ أَنا حَاضر دَاعِيَة عِيسَى بن زيد وَابْنه أَحْمد وَلم نَلْبَث أَن سَمِعت صَوت الأقفال فَقَامَ فسكب عَلَيْهِ مَاء كَانَ عِنْده فِي جرة وَلبس ثوبا نظيفاً وَدخل الحرس والجند مَعَهم الشمع فأخرجنا جَمِيعًا وَقدم قبلي إِلَى الرشيد فَسَأَلَهُ عَن أَحْمد بن عِيسَى فَقَالَ لَا تَسْأَلنِي عَنهُ واصنع مَا أَنْت صانع فَلَو أَنه تَحت ثوبي هَذَا مَا كشفت عَنهُ فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَضربت ثمَّ قَالَ لي أَظُنك ارتعت يَا إِسْمَاعِيل فَقلت دون مَا رَأَيْته تسيل مِنْهُ النُّفُوس فَقَالَ ردُّوهُ إِلَى محبسه فَرددت وانتحلت الْبَيْتَيْنِ وزدت فيهمَا
إِذا أَنا لم أقبلْ من الدَّهْر كل مَاتَكَرَّهْتُ مِنْهُ طَال عَتْبي على الدَّهْر) // الطَّوِيل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مشتهراً بحب عتبَة جَارِيَة الْمهْدي وَأكْثر نسيبه فِيهَا فَمن ذَلِك قَوْله وَكتب بِهِ إِلَى الْمهْدي يعرض بهَا
نَفسِي بِشَيْء من الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌوَالله والقائم المهديُّ يَكفْيها
إِنِّي لَا يأس مِنْهَا ثمَّ يُطْمعنيفِيهَا احتقارك للدنيا وَمَا فِيهَا) // الْبَسِيط //
فهم الْمهْدي بِدفع عتبَة إِلَيْهِ فَخرجت وَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ حرمتي وخدمتي أفتدفعني إِلَى قَبِيح المنظر بَائِع جرارٍ ومكتسب بالعشق فأعفاها وَكَانَ قد كتب الْبَيْتَيْنِ على حَوَاشِي ثوب مُطيب وَوَضعه فِي برنية ضخمة فَقَالَ الْمهْدي املأوا لَهُ البرنية مَالا فَقَالَ للْكتاب أَمر لي بِدَنَانِير قَالُوا مَا ندفع إِلَيْك ذَلِك وَلَكِن إِن شِئْت أعطيناك الدَّرَاهِم إِلَى أَن يفصح بِمَا أَرَادَ فَاخْتلف فِي ذَلِك حولا فَقَالَت عتبَة لَو كَانَ عَاشِقًا كَمَا يزْعم لم يكن يخْتَلف مُنْذُ حول فِي التَّمْيِيز بَين الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَقد أضْرب عَن ذكري صفحاً
وَجلسَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا يعذل أَبَا نواس ويلومه على اسْتِمَاع الْغناء ومجالسته لأَصْحَابه فَقَالَ أَبُو نواس
أَترَانِي يَا عتاهيتَارِكًا تِلْكَ الملاهي
(أَترَانِي مُفْسِدا بالنُّسْكِ عِنْد الْقَوْم جاهي) // من مجزوء الرمل //
فَوَثَبَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ لَا بَارك الله عَلَيْك وَجعل أَبُو نواس يضْحك
وَحدث مُخَارق قَالَ جَاءَنِي أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا فَقَالَ لي قد عزمت على أَن أتزود مِنْك يَوْمًا تهبه لي فَمَتَى تنشط لذَلِك فَقلت مَتى شِئْت قَالَ أَنا أَخَاف أَن تقطع بِي فَقلت لَا وَالله وَلَو طلبني الْخَلِيفَة فَقَالَ يكون ذَلِك فِي غَد فَقلت افْعَل فَلَمَّا كَانَ من الْغَد باكرني رَسُوله فَجِئْته فَأَدْخلنِي بَيْتا لَهُ نظيفاً فِيهِ فرش نظيف ثمَّ دَعَا بمائدة وَعَلَيْهَا خبز سميد سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي قَالَ فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ دَعَا بسمك مشوي فأصبنا مِنْهُ أَيْضا ثمَّ دَعَا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ أتونا بحلواء فأصبنا مِنْهَا وغسلنا أَيْدِينَا ثمَّ جَاءُونَا بفاكهة وَرَيْحَان وألوان من الأنبذة فَقَالَ
لي اختر مَا يصلح لَك فاخترت وشربت وصب قدحاً ثمَّ قَالَ غن لي قولي
أحمدٌ قَالَ لي وَلم يَدْرِ مَا بِيأتحبُّ الفتاة عتبَة حَقًا) // الْخَفِيف //
فغنيته فَشرب أقداحاً وَهُوَ يبكي أحر بكاء ثمَّ قَالَ غَنِي فِي قولي
ليسَ لمن ليستْ لهُ حيلةٌموجودةٌ خيرٌ من الصبرِ) // السَّرِيع //
فغنيته وَهُوَ ينتحب ويبكي ثمَّ قَالَ غنني فديتك فِي قولي
خليلي مَالِي لَا تزَال مُضرتِيتكونُ مَعَ الأقدار حَتْماً من الحتمِ) // الطَّوِيل //
فغنيته إِيَّاه وَمَا زَالَ يقترح عَليّ كل صَوت غَنِي بِهِ فِي شعره وَيَقُول غنني بِهِ فأغنيه وَيشْرب ويبكي ثمَّ صَارَت الْعَتَمَة فَقَالَ لي أحب أَن تصبر حَتَّى ترى مَا أصنع فَجَلَست فَأمر ابْنه وَغُلَامه فكسرا كل مَا كَانَ بَين أَيْدِينَا من النَّبِيذ وآلات الملاهي ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج كل مَا كَانَ فِي بَيته من النَّبِيذ وآلاته فَمَا زَالَ يكسرهُ وَيصب النَّبِيذ وَهُوَ يبكي حَتَّى لم يبْق من ذَلِك شَيْء ثمَّ نزع ثِيَابه واغتسل وَلبس ثِيَاب بَيَاض من الصُّوف ثمَّ عانقني وَبكى وَقَالَ عَلَيْك السَّلَام يَا حَبِيبِي وفرحي من النَّاس كلهم سَلام الْفِرَاق الَّذِي لَا لِقَاء بعده وَجعل يبكي وَيَقُول هَذَا آخر عَهْدك بِي فِي حَال تعاشر أهل الدُّنْيَا فَظَنَنْت أَنَّهَا بعض حماقاته فَانْصَرَفت فَمَا لَقيته زَمَانا ثمَّ تشوقته قأتيته فاستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي فَدخلت فَإِذا هُوَ قد أَخذ قوصرتين وثقب إِحْدَاهمَا وَأدْخل رَأسه وَيَديه فِيهَا وأقامها مقَام الْقَمِيص وثقب أُخْرَى وَأخرج رجلَيْهِ مِنْهَا وأقامها مقَام السَّرَاوِيل فَلَمَّا رَأَيْته نسيت مَا كَانَ عِنْدِي من الْغم عَلَيْهِ والوحشة لعشرته وضحكت وَالله ضحكاً مَا ضحِكت مثله قطّ فَقَالَ لي من أَي شَيْء تضحك
لَا ضحِكت فَقلت اسخن الله عَيْنَيْك أَي شَيْء هُوَ من بلغك عَنهُ أَنه فعل مثل هَذَا من الْأَنْبِيَاء أَو الزهاد أَو الصَّحَابَة أَو التَّابِعين أَو المجانين انْزعْ عَنْك هَذَا يَا سخين الْعين فَكَأَنَّهُ استحيا مني ثمَّ بَلغنِي عَنهُ أَنه جلس حجاماً فجهدت أَن أرَاهُ بِتِلْكَ الْحَالة فَلم أره ثمَّ مرض فبلغني أَنه اشْتهى أَن أغنيه فَأَتَيْته عَائِدًا فَخرج إِلَى رَسُوله يَقُول إِن دخلت جددت لي حزنا وتاقت نَفسِي إِلَى سماعك وَإِلَى مَا قد غلبتها عَلَيْهِ وَأَنا أستودعك الله وأعتذر إِلَيْك من ترك الالتقاء ثمَّ كَانَ آخر عهدي بِهِ
وَقيل لأبي الْعَتَاهِيَة عِنْد الْمَوْت مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن يَجِيء مُخَارق فَيَضَع فَمه عِنْد أُذُنِي ثمَّ يغنيني
ستعرضُ عَن ودي وتنسى مودتِيويحدثُ بعدِي للخليل خليلُ
إِذا مَا انْقَضتْ عني من الدَّهْر مدّتيفإنَّ غَنَاء الباكيات قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَحدث مُحَمَّد بن أبي الْعَتَاهِيَة قَالَ آخر شعر قَالَه أبي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ
إلهي لَا تعذبني فَإِنِّيمقرٌّ بِالَّذِي قد كانَ مني
فَمَا ليَ حيلةٌ إِلَّا رجائيلعفوكَ إِن عَفَوْت وحُسْنَ ظَنِّي
وَكم مِنْ زَلْةٍٍ لي فِي الْخَطَايَاوَأَنت عليَّ ذُو فضل ومَنِّ
إِذا فكرتُ فِي نَدَمي عَلَيْهَاعضضت أناملي وقَرَعْتُ سني
أجنُّ بزهرة الدُّنْيَا جنوناًوأقطعُ طولَ عمري بالتمني
وَلَو أنِّي صدقتُ الزهدَ عَنْهَاقلبتُ لأَهْلهَا ظهرَ المجنِّ
يظنُّ الناسُ بِي خيرا وَإِنِّيلَشَرُّ النَّاس إِن لم تعف عني) // الوافر //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ الْأَصْمَعِي يستحسن قَوْله
أنتَ مَا استغنيتَ عَن صَاحبكالدهرَ أخوهُ
فَإِذا احتجتَ إِلَيْهِسَاعَة مجك فوه) // من مجزوء الرمل //
وَحدث ابْن الْأَنْبَارِي أَبُو بكر قَالَ أرْسلت زبيدة أم الْأمين إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة أَن يَقُول على لسانها أبياتاً بعد قتل الْأمين يستعطف بهَا الْمَأْمُون فَأرْسل إِلَيْهَا هَذِه الأبيات
أَلا إنّ صرف الدَّهْر يُدْنِي ويُبْعِدُويمتع بالآلاف طوراً ويفقدُ
أصَابت بريبِ الدَّهْر مني يَدي يدِيفسلمتُ للأقدار واللهَ أَحمدُ
وقلتُ لريب الدّهر إنْ هلكَتْ يدٌفقد بقيت والحمدُ لله لي يدُ
إذَا بَقِي المأمونُ لي فالرّشيدُ ليولي جعفرٌ لم يفتقد ومحمدُ) // الطَّوِيل //
قَالَ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُون استحسنها وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَعطف على زبيدة وَزَاد فِي تكرمتها وَقضى حوائجها جَمِيعًا
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع