من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
غريب الأبيات
قال الأعلم: الطب هنا العلة والسبب، أي لم يكن سبب قتلنا الجبن،
وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقال الحال عنا والدولة، انتهى.
وفي الصحاح: المراد بالطب هنا العادة. والجبن، بسكون الباء وضمها، ضد الشجاعة. والمنايا جمع منية، وهي الموت لأنها مقدّرة، يقال منى له: أي قدّر.
والدولة، بالفتح، في الحرب: أن يدال لاحدى الفئتين على الأخرى، يقال: كانت لهم علينا الدولة، والجمع الدول، والدولة بالضم: المال، يقال صار الفيء بينهم دولة يتداولونه، يكون مرة لهذا، ومرة لهذا، والجمع دولات. وقال أبو عبيد:
الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول بعينه، والدولة بالفتح الفعل. وقال بعضهم:
الدولة والدولة لغتان بمعنى. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب. وقال عيسى بن عمر: كلتاهما يكون في الحرب والمال. والكلاكل، جمع كلكل، وهو الصدر. وسجال: بكسر المهملة وتخفيف الجيم، أي نوب ودول، مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، من مساجلة المستقين على البئر بالسجل وهو الدلو.
وصروف الدهر: حدثانه ونوائبه. وتكر: ترجع. وريب الدهر: حوادثه.
والغضارة: طيب العيش. والمنون، والسروات: جمع، وسراة جمع سرى، وهو الشريف والسيد. وفي شرح الشواهد للمصنف: هذا البيت للكميت أو لفروة بن مسيك، فحصل فيه ثلاثة أقوال.
وأنشد:
بني غدانة ما إن أنتم ذهباولا صريفا ولكن أنتم خزف
قال المصنف في شواهده: غدانة بضم المعجمة ودال مهملة، حيّ من يربوع و (ما): نافية. وذهب وصريف بالرفع في رواية الجمهور. (فإن): زائدة كافة، وبالنصب في رواية ابن السكيت (فإن) نافية مؤكدة. والصريف، بفتح الصاد وكسر الراء المهملتين: الفضة. والخزف: الجر، جمع جرة.
وأنشد:
يرجّى المرء ما إن لا يراهوتعرض دون أدناه الخطوب
قال ابن الأعرابي في نوادره: هو لجابر بن دالان الطائي، ويقال لا ياس بن الأرتّ، وقبله:
إن أمسك فإنّ العيش حلوإليّ كأنّه عسل مشوب
وبعده:
وما يدّري الحريص علام يلقىشراشره أيخطئ أم يصيب
قال ابن الأعرابي: وشراشره: محبته ونفسه جميعا. وفي الصحاح: الشراشر يعني بمعجمتين وراءين، الاثقال واحدها شرشرة أي نفسه حرصا ومحبة. ويرجّي:
بتشديد الجيم المكسورة. ويعرض: إما من عرض له أمر كذا، أي ظهر، أو من عرضت له القول، بفتح الراء وكسرها، أي تعرّضت له. والخطوب: جمع خطب، بفتح المعجمة، وهو شدة الأمر. والمعنى: أن الانسان تمتدّ أطماعه إلى الأمور المغيبة التي لا يراها ويعترض دون أقربها عنده حصولا الأمور الشديدة التي تقطع رجاءه، فما
ظنك بأبعد تلك الأشياء.
وأنشد:
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيتهعلى السّنّ خيرا لا يزال يزيد
قاله المعلوط القريعيّ.
ورجّ: أمر من الترجية من الرجاء. والفتى: الشاب مفعوله. وللخير: مفعول ثان. والسنّ: العمر. وخيرا: مفعول يزيد. والمعنى: إذا رأيت شخصا كلما زاد عمره زاده خيره، فرجّه للخير.
واستشهد النحاة بالبيت على جواز تقديم معمول خبر (لا يزال) عليها.
واستشهد به المصنف على زيادة (ان) بعد (ما) التوقيتية. قال الدمامينيّ: ولا يتعين ذلك الاحتمال أن تكون (أن) شرطية و (ما) زائدة داخلة على الجملة الفعلية. وقد أعاد المصنف هذا البيت في شواهد إن المكسورة المشدّدة.
وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل وقال: خيرا، نصبا على التمييز.
وأنشد:
ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيباأحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا
سرى بمعنى سار، وإسناده إلى الليل مجاز. والكئيب: السيء الحال. وتنأى:
تبعد. والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير.
وغضوب، بمعجمتين، بوزن صبور، اسم امرأة. ولذا لم يصرفه.
وأنشد:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتاجهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم!
هذا من قصيدة طويلة للفرزدق يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو جريرا، ويذكر قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين، وقد قتله وكيع بن حسان، وأول القصيدة:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتيحنين عجول تبتغي البوّ رائم
سيدنيك من خير البرّية فاعتدلتناقل نصّ اليعملات الرّواسم
إلى المؤمن الفكاك كلّ مقيّديداه وملقي الثّقل عن كلّ غارم
الى أن قال:
إليك وليّ العهد لاقى غروضهاوأحقابها أدراجها بالمناسم
نواهض يحملنّ الهموم الّتي جفتبناعن حشايا المحصنات الكرائم
ليبلغنّ ملء الأرض عدلا ورحمةوبرّا لآثار الجروح الكواتم
كما بعث الله النّبيّ محمّداعلى فترة، والنّاس مثل البهائم
ورثتم قناة الملك لا عن كلالةعن ابني مناف عبد شمس وهاشم
ترى التّاج معقودا عليهم كأنّهمنجوم حوالي بدر ملك قماقم
ومنها:
جزى الله قومي إذ أرادوا خفارتيقتيبة سعي الأفضلين الأكارم
الى أن قال:
فإن تك قيس في قتيبة أغضبتفلا عطست إلّا بأجدع راغم
وهل كان إلّا باهليّا مجدّعاطغى فسقيناه بكأس ابن خازم
لقد شهدت قيس فما كان نصرهاقتيبة إلّا عضّها بالأباهم
فإن تقعدوا تقعد لئام أذلّةوإن عدتم عدنا بأبيض صارم
أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتاجهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم
فما منهما إلّا بعثنا برأسهإلى الشّام فوق الشّاحجات الرّواسم
ومنها:
ألسنا أحقّ النّاس يوم تقايسواإلى المجد والمستأثرات الجسائم
إذا ما وزنّا بالجبال رأيتنانميل بأطواد الجبال الأضاخم
وما كان هذا النّاس حتّى هداهمبنا الله إلّا مثل شاء البهائم
وهي طويلة جدا. والاستفهام في البيت للانكار التعجبي. وضمير تغضب، راجع إلى قيس. والحز: القطع. وابن خازم عبد الله بن خازم بمعجمتين، كما ضبطه الدارقطني وغيره، ابن أسماء بن الصلت، أبو صالح السلمي مأير خراسان، وليها سنتين ثم ثار به أهل خراسان فقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الملك بن مروان. وقيل:
ان له صحبة ورواية. وحنّ: من الحنين. والزوراء: سوق المدينة. والعجول، بوزن صبور، التي ألقت ولدها لغير تمام. والبوّ، بفتح الموحدة وتشديد الواو:
جلد حوار يحشى تراه الناقة التي مات ولدها فتسكن. ولاقى: أماج. والغروض، بضم الغين المعجمة والراء وضاد معجمة، جمع غرض بوزن فلس، وهو التصدير، وهو للرجل بمنزلة الحزام للسرج. والأحقاب، جمع حقب، بفتحتين، حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير كيلا يجتذبه التصدير. والادراج: السرعة. والمناسم، جمع منسم، بكسر السين، وهو خف البعير. وجفت: رفعت. وحشايا: جمع حشية.
وقوله: (لا عن كلالة) في الصحاح الكلالة الذي لا ولد له ولا والد، والعرب تقول: لم يرثه كلالة، أي لم يرثه عن عرض، بل عن قرب واستحقاق؛ وأنشد البيت.
وقال ابن الأعرابي: الكلالة، بنو العم الأباعد. ويقال: سيد قماقم بالضم: لكثرة خيره. والخفارة، بضم الخاء المعجمة، الذمّة. يقال: أخفرته، إذا بعثت معه خفيرا، وأخفرته: إذا نقضت عهده. وقوله: (بأجدع) أي بأنف أجدع، أي مقطوع.
والشاحجات، بتقديم الحاء المهملة، على الجيم، البغال. والرواسم: السريعة السير من الرسم، وهو نوع من السير سريع. والمستأثرات: الأمور التي استأثر بها أربابها من الأفعال والأخلاق الحسنة. والجسائم: العظام. والطود: الجبل العظيم.
والأضاخم، جمع ضخم، وهو الغليظ من كل شيء.
وأنشد:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
تمامه:
ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا
اللئيم: الدنيء الأصل، وإنما ذكر الأم لأنها إذا كانت من الكرام فالأب أولى.
لأن العرب لا يزوّجون من دونهم، وقد يتزوّجون من دونهم. قال ابن جرير في تفسيره: قال: إذا ما انتسبنا و (إذا) يقتضي من الفعل مستقبلا. ثم قال: لم تلدني لئيمة، فأخبر عن ماض، وذلك أن الولادة قد مضت وتقدّمت استغناء بعلم السامعين.
وأنشد:
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكنعارا عليك، وربّ قتل عار
هذا لثابت بن قطنة بن كعب العتكي، يكنى أبا العلاء كما في الوشاح، وقبله:
كلّ القبائل بايعوك على الّذيتدعو إليه، طائعين وساروا
حتّى إذا حمي الوغى وتركتهمنصب الأسنّة أسلموك وطاروا
الوغى، بمعجمة، أصله الصوت والجلبة، ثم أطلق على الحرب لاشتمالها عليه، ويقال: حمى النهار، وحمى التنور، بالكسر، أي اشتدّ حرّه، واستعير منه حمى الوغى وحمى الوطيس. ونصب: إما مفعول ثان لترك، أو حال، يقال: نصبت الشيء نصبا إذا أقمته، وناصبته الحرب مناصبة. الأسنة، جمع سنان: الرمح.
وأسلموك: خذلوك. وطاروا: ذهبوا سراعا. والعار: السبة والعيب. وقوله:
(ورب قتل عار) على تقدير هو عار، وقد أعاد المصنف البيت في رب.
وفي الأغاني: هو ثابت بن كعب، ويلقب ثابت قطنة، لأن سهما أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة. وهو شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية.
ثم أخرج من طريق حماد بن إسحق عن أبيه قال: كان ثابت قطنة مع يزيد بن المهلب في يوم العقير، فلما خذله أهل العراق وفرّوا عنه فقتل، قال ثابت قطنة يرثيه (كل القبائل) الأبيات الثلاثة. إلّا أنه قال: (وبعض قتل عار).
وأخرج عن محمد بن يزيد قال: ولي ثابت قطنة عملا من أعمال خراسان، فلما صعد المنبر يوم الجمعة رام الكلام فتعذر عليه وحصر، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوّال:
عسر يسرا، وبعدعيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوّال:
وإن لا أكن فيكم خطيبا فإنّنيبسعي إذا جاد الوغى لخطيب
فقال خالد بن صفوان: والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه في كلماته هذه.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع