من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد في
وأنشد:
وهم صلبوا العبديّ في جذع نخلةفلا عطست شيبان إلّا بأجدعا
هذا من قصيدة لسويد بن أبي كاهل اليشكري، أولها:
تمنّيت ليلى أن تزيغ بك النّوىوتمنع ليلى منك عذبا ممنّعا
ألا إنّ ليلى لا يرام حديثهاكبيض الأنوق لا ترى فيه مطمعا
هكذا في كتاب منتهى الطلب، وعزاه صاحب الحماسة البصرية الى قراد بن حنيس الصاردي، وأورد قبله:
إذا اجتمع العمران عمرو بن عامروبدر بن عمرو خلت ذبيان تبّعا
وألقوا مقاليد الأمور إليهمجميعا قماء كارهين وطوّعا
وأنشد:
بطل كأنّ ثيابه في سرحة
هذا من معلقة عنترة بن شداد العبسي وتمامه:
يحذى نعال السّبت ليس بتوأم
وأوّل القصيدة:
هل غادر الشّعراء من متردّمأم هل عرفت الدّار بعد توهّم
يا دار عبلة بالجواء تكلّميوعمي صباحا دار عبلة واسلمي
ومنها:
ولقد نزلت فلا تظنّي غيرهمنّي بمنزلة المحبّ المكرم
ومنها:
جادت عليه كلّ عين ثرّةفتركن كلّ حديقة كالدّرهم
سحّا وتسكابا فكلّ عشيّةيجري عليها الماء لم يتصرّم
ومنها:
شربت بماء الدّحرضين فأصبحتزوراء تنفر عن حياض الدّيلم
ومنها:
ومدجّج كره الكماة نزالهلا ممعن هربا ولا مستسلم
فشككت بالرّمح الطويل ثيابهليس الكريم على القنا بمحرّم
فتركته جزر السّباع ينشنهما بين قنّة رأسه والمعصم
بطل كأنّ ثيابه في سرحةيحذى نعال السّبت ليس بتوأم
لمّا رآني قد قصدت أريدهأبدى نواجذه لغير تبسّم
فطعنته بالرّمح ثمّ علوتهبمهنّد صافي الحديدة مخذم
عهدي به شدّ النّهار كأنّماخضب اللّبان ورأسه بالعظلم
يا شاة ما قنص لمن حلّت لهحرمت عليّ وليتها لم تحرم
ومنها:
لمّا رأيت القوم أقبل جمعهميتذامرون كررت غير مذمّم
يدعون عنتر والرّماح كأنّهاأشطان بئر في لبان الأدهم
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمهاقيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
قال شارح المعلقات: هذه القصيدة تسمى المذهبة. وكان من حديث عنترة أن أمّه كانت أمة حبشية تدعى زبيبة، فوقع عليها أبوه فأتت به، فقال لأولاده: إن هذا الغلام ولدي. قالوا: كذبت أنت شيخ قد خرفت، تدعي أولاد
الناس. فلما شب، قالوا له: اذهب فارع الابل والغنم واحلب وصر. فانطلق يرعى وباع منها ذودا، واشترى بثمنه سيفا ورمحا وترسا ودرعا ومغفرا، ودفنها في الرمل. وكان له مهر يسقيه ألبان الابل. وكان في الجاهلية من غلب سبا. وان عنترة جاء ذات يوم الى الماء فلم يجد أحدا من الحي فبهت وتحير حتى هتف به هاتف: أدرك الحيّ في موضع كذا، فعمد الى سلاحه فأخرجه والى مهره فأسرجه واتبع القوم الذين سبوا أهله فكرّ عليهم ففرّق جمعهم وقتل منهم ثمانية نفر، فقالوا له: ما تريد؟ فقال: أريد العجوز
السوداء والشيخ الذي معها، يعني أمه وأباه، فردّوهما عليه، فقال له عمه: يا بني كرّ، فقال: العبد لا يكرّ، لكن يحلب ويصرّ. فأعاد عليه القول ثلاثا وهو يجيبه كذلك قال له: إنك ابن أخي وقد زوّجتك ابنتي عبلة. فكرّ عليهم فصرع منهم عشرة. فقالوا له: ما تريد؟ قال: الشيخ والجارية، يعني عمه وابنته، فردّوهما عليه. ثم قال لهم: إنه لقبيح أن أرجع عنكم وجيراني في أيديكم، فأبوا فكرّ عليهم حتى صرع منهم أربعين رجلا قتلى وجرحى فردوا عليه جيرانه، فأنشد هذه القصيدة يذكر فيها ذلك. وكان معاصرا لامرئ القيس، اجتمع به. قال الآمدي: عنترة هذا هو ابن شداد بن قراد ابن مخذوم بن مالك بن غالب. ولهم شاعر آخر يقال له عنترة بن عكرة الطائي.
وشاعر ثالث يقال له عنترة بن عروس مولى ثقيف، ولد في بلاد ازدشنوءة. قال في الأغاني: وعنترة بن شدّاد كان يلقب عنترة الفلحاء لتشقق شفتيه. وقال أبو عبيدة في مقاتل الفرسان: عنترة العبسي، هو عنترة بن عمرو بن معاوية بن ذهل ابن قراد بن مخذوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس. وكان شداد هو الذي رباه ونشأ في حجره، نسب إليه دون أبيه، فقالوا: عنترة بن شداد. وقال ابن الكلبي: هو جدّه أبو أبيه، غلب عليه اسم أبيه، نسب اليه دون أبيه. وهو عنترة بن عمرو بن شداد بن معاوية. وكان عنترة من فرسان العرب المعدودين المشهورين بالنجدة وكان يقال له عنترة الفوارس.
ويتذامرون: يحض بعضهم بعضا. قوله: هل غادر، أي هل ترك الشعراء لأحد معنى إلّا وقد سبقوا إليه. والمتردّم: من ردمت الشيء، إذا أصلحته وقوّيت ما وهي منه. وقوله: بعد توهم: من توهمت الشيء، إذا أنكرته، فتثبت فيه
وطلبت حقيقته. والجواء: مكان وشاة: كناية عن الجارية. قوله: (ولقد نزلتالبيت) يعني أنت عندي بمنزلة المحب المكرم، فلا تظني غير ذلك
والخطاب لعبلة ابنة عمه، والمحب: بفتح الحاء المحبوب، ولكنه أجراه على
أصله من أحببت. والبيت استشهد به المصنف في التوضيح على حذف مفعولي ظن اختصارا. وقوله: (جادت ... البيت) أورده المصنف في كل شاهدا على عدم مراعاة المعنى في ضميرها، حيث قال: فتركن، ولم يقل فتركت.
واستشهد به ابن أم قاسم على تأنيث حادت، مع إسناده الى لفظ (كل) لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه. وجادت من الجود، وهو المطر الشديد. وثرّة: بفتح المثلثة وتشديد الراء، كثيرة الماء. والحديقة: البستان والروضة. يقول: كأن استدارتها بالماء استدارة الدرهم. ويقال: إنه شبه بياض الماء وصفائه ببياض الدرهم. والسّح والتّسكاب: الصبّ. ولم يتصرّم: لم ينقطع. والدحرضان:
موضع، ويقال هما ماآن، يقال: لأحدهما حرض، وللآخر وسيع. فلمّا ثنى قال الدحرضان على التغليب. وزوراء: معرضة نافرة. والديلم: الاعداء. وقيل:
الجماعة، وقيل: الظلمة. والمدجّج: الشاك السلاح. والكماة: الشجعان.
والنزال: المنازلة. وثيابه: يعني درعه وما عليه. وقيل: قلبه، من قوله تعالى:
(وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) أي قلبك. ويروى بدله: إهابه: أي جلده. وجزر السباع:
طعاما لها ومأكلا. وينشنه: يتناولنه. وقنة الرأس: أعلاه. ومخذم: قاطع. وشدّ النهار: ارتفاع النهار. ومهند: السيف. واللبان: الصدر. والعظلم: شجر يصبغ به الشيب. وقوله (يا شاة ... البيت) أورده المصنف في مبحث من.
والاشطان: الحبال، واحدها شطن. واللبان: الصدر. ويقال: باطن العنق.
والأدهم: الفرس الأسود. شبه الرماح في صدر فرسه بحبال بئر اجتمعت عليها السقاة. وقيل الفوارس، بمعنى
قول. وقوله: (ويك) قال شارح المعلقات: أراد ويحك، فحذف الحاء. والعرب تفعل ذلك. وقال الكسائي: أصله (ويلك) فالكاف
مجرورة بالاضافة. وقال غيره: (وي) كلمة تعجب، والكاف للخطاب. والمعنى:
أتعجب. وقد أورد المصنف البيت في (وي). وعنتر منادي مرخم. واقدم: تقدم.
وأنشد:
ويركب يوم الرّوع منّا فوارسبصيرون في طعن الأباهر والكلى
هو من أبيات لزيد الخيل أوردها أبو زيد في نوادره، وقال القالي في أماليه:
حدثنا أبو بكر بن دريد، حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء قال: خرج بجير بن زهير بن أبي سلمى في غلمة يجتنون جني الأرض، فانطلق الغلمة وتركوا ابن زهير، فمرّ به زيد الخيل (الطائي فأخذه، ودار طيئ متاخمة لدور بني عبد الله بن غطفان) فسأله: من أنت؟ قال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة، ثم أرسل به الى أبيه، فلما أتى الغلام أباه، أخبره أن زيدا أخذه ثم خلّاه وحمله. وكان لكعب بن زهير فرس من جياد خيل العرب، وكان كعب جسيما، وكان زيد الخيل من أعظم الناس وأجسمهم، وكان لا يركب دابة إلا أصابت إبهامه الأرض، فقال زهير: ما أدري ما أثيب به زيدا إلا (فرس كعب، فأرسل به إليه وكعب غائب، فلما جاء كعب سأل عن الفرس، فقيل له: قد ارسل به أبوك الى زيد). فقال كعب لأبيه: كأنك أردت أن تقوّي زيدا على قتال غطفان. فقال زهير: هذه إبلي، فخذ ثمن فرسك. وكان بين بني زهير وبين بني ملقط الطائيين إخاء، فقال كعب شعرا يريد أن يلقي بين بني ملقط وبين رهط زيد الخيل شرّا، فعرف زهير حين سمع الشعر ما أراد به، وعرف ذلك زيد الخيل وبنو ملقط، فأرسلت اليه بنو ملقط بفرس نحو فرسه، وكانت عند كعب امرأة من غطفان لها شرف وحسب، فقالت
له: أما أستحييت من أبيك لشرفه وسنه أن تؤيّسه في هبته عن أخيك؟ ولامته! وكان وفد بكعب قبل ذلك ضيفان، فنحر لهم بكرا كان لامرأته، فقال لها: ما تلوميني إلا لمكان
بكرك الذي نحرت، فلك بكران. وكان زهير كثير المال، وكان كعب مجدودا فقال كعب:
ألا بكرت عرسي بليل تلومنيوأقرب بأحلام النّساء إلى الرّدى!
وذكر فيها زيدا، فقال زهير: هجوت رجلا غير مفحم وإنه لخليق أن يظهر عليك، فأجابه زيد فقال:
أفي كلّ عام مأتم تبعثونهعلى محمر عود أثيب وما رضى
تجدّون خمشا بعد خمش كأنّماعلى فجع من خير قومكم نعى
تحضّض جبّارا عليّ ورهطهوما صرمتي منكم لأوّل من سعى
ترعّي بأذناب الشّعاب ودونهارجال يصدّون الظّلوم عن الهوى
ويركب يوم الرّوع فيها فوارسبصيرون في طعن الأباهر والكلى
تقول: أرى زيدا وقد كان معدماأراه لعمري قد تموّل واقتنى
وذاك عطاء الله من كلّ عادةيشمّره يوما إذا قلّص الخطا
فلولا زهيرا أن أكدّر نعمةلقاذعت كعبا ما بقيت وما بقا
وأنشد:
ألاعم صباحا أيّها الطّلل الباليوهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن من كان أحدث عهدهثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
تقدم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة لامرئ القيس.
وأنشد:
أنا أبو سعد إذا اللّيل دجايخال في سواده يرندجا
قال في الأغاني: هو لسويد بن أبي كاهل اليشكري، لكن أنشد بدل المصراع الثاني:
دخلت في سرباله ثمّ التجا
قال: وسويد يكنى أبا سعد، وهو شاعر متقدم من مخضرمي الجاهلية والاسلام.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع