من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [ربيعة بن مقروم]
ربيعة بن مقروم بن قيس بن جابر بن خالد بن عمرو الضبّي، أحد المخضرمين.
قال المرزباني: كان أحد شعراء مضر في الجاهلية والاسلام. وقال البكري في شرح الأمالي: كان جاهليا اسلاميا. شهد القادسية وغيرها من الفتوح، وعاش مائة سنة وهو القائل:
ولقد أتت مائة عليّ أعدّهاحولا فحولا إن تلاها ومل
وقال أبو الفرج: وفد على كسرى في الجاهلية، ثم عاش الى أن أسلم وبقي
زمانا. وفي المؤتلف للآمدي: ربيع، بفتح الراء وكسر الباء كثير، وأما ربيّعة، بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء
المثناة التحتية فهو ابن عبيد بن سعد بن جذيمة، شاعر من شعراء بني أسد، له أبيات مذكورة في شواهد التلخيص.
وأنشد:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تقدم شرحه في شواهد أما.
وأنشد:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم
قال العيني: قائله مجهول لا يعرف، وتمامه:
وأكرومة الحيّين خلو كماهيا
قال جماعة: التقدير، هؤلاء خولان فانكح، فعطف بالفاء جملة فعلية على جملة ابتدائية، والواو في (وقائلة) واو رب. وخولان: اسم قبيلة. قال شارح أبيات الايضاح: والاكرومة: الكرم، ولا يكون خلو خبرا عنه إلا بتقدير مضاف، أي وذات الاكرومة. وقال غيره: الاكرومة، بالضم، من الكرم، كالاعجوبة من العجب.
وأراد بالحيّين: حيّ أبيها وحيّ أمها. يعني: انها كريمة الطرفين. والخلو: الخلية، أو الخالي من زوج. وقوله: (كما هيا) الكاف متعلقة بمحذوف صفة لخلو، أي كائنة، فهي كعهدها من بكارتها. فحذف المضاف الى الهاء. ولما كانت الكاف لا تدخل على المضمر المتصل جعل مكانه المنفصل فصار كهى، ثم زادوا (ما) عوضا من المحذوف، ومثله كن كما أنت، أي كعهدك وحالك. وفي شرح الشواهد الكبرى للعيني: قد قيل إن في هذا البيت عشرة أمور، أحدها: حذف رب وبقاء علها بعد الواو. الثاني:
استعمال مجرور رب غير موصوف وحقه الوصف للايضاح والتعويض من حذف متعلقها، ويمكن التقليل لأن رجلا من تيم أقل من رجل على الاطلاق. وقال علي بن عبد الرحمن الأنصاري في حاشية ايضاح الفارسي: والذي حسن هنا أن لا يجيء بالوصف ان ما بعد قائل وقائلة من صلته، فالاختصاص حاصل بتلك الصلة. وان قائلا وقائلة في الحقيقة صفتان لمجرور رب المحذوف فلم يخل مجرورها من وصف.
الثالث: حذف المبتدأ لأن التقدير هذه خولان. الرابع: حذف الفعل على رواية من رواه خولان بالنصب، وقدره
الأنصاري: المذكور، اقصد الخولان. الخامس: زيادة الفاء على قول الأخفش، لأنه لا يقدر محذوفا. السادس: عطف الطلب على الخبر على تقدير المبتدأ في حالة الرفع. السابع: قوله (كماهيا) وفيه عمل ليس هذا محله.
قلت: قد تقدّم تقديره. الثامن: إعمال اسم الفاعل المعتمد على موصوف محذوف.
التاسع: ان رب لا يلزم مضي ما بعدها والا لم يجز إعماله. العاشر: اقامة الظاهر مقام المضمر لكونه أزيد فائدة، فان أكرومة الحيين هي الفتاة المشار اليها انتهى.
وفي شرح شواهد سيبويه للزمخشري: أكرومة الحيين، يريد أن هذه المرأة كريمة الحيين لم تتزوج بعد، وهي كما هي، أي كما عهدتها أيم فتزوّجها.
وأنشد:
أرواح مودّع أم بكورلك؟ فاعمد لأيّ حال تصير
هذا مطلع قصيدة لعديّ بن زيد بن أيّوب بن محروز بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، في زمن النعمان، وبعده:
إن شعل الصّابيات من الأستار طرف يصبي وفيه فتور
ومنها:
أيّها الشّامت المعيّر بالدّهر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم مّنذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى أنوشروان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوملم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبي إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسا فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق جفّ فألوت بد الصّبا والدّبور
أخرج ابن عساكر عن خالد بن صفوان: إنه وفد الى هشام بن عبد الملك وقد خرج متنزها بقرابته وحشمه وأهله وغاشيته وجلسائه، ونزل في أرض ضحضح، في عام قد كثر وسيمه، وأخرجت الأرض فيه زينتها من اختلاف ألوانها، وضرب له سرادق من حبرة ملونة، وفرشت له ألوان الفرش، وزينت بأحسن الزينة، فقال له خالد: يا أمير المؤمنين، إن ملكا من الملوك خرج في عام مثل عامنا هذا الى الخورنق والسدير، وكان قد أعطى بسطة في الملك، مع الكثرة والغلبة والقهر، فنظر فانفذ النظر فقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك. قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ قال: وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة، ولم تخل الأرض من قائم لله بحجته في عباده، فقال: أيها الملك: إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن لي بالجواب عنه؟
قال: نعم، قال: أرأيت ما أنت فيه؟ أشيء لم تزل فيه أم شيء صار اليك ميراثا وهو زائل عنك وصائر الى غيرك، كما صار إليك. قال: كذلك هو، قال: أراك انما عجبت بشيء يسير، لا تكون فيه الا قليلا، وتنتقل عنه طويلا فيكون غدا عليك حسابا. قال: ويحك، فأين المهرب وأين المطلب؟ وأخذته القشعريرة. قال: اما ان تستقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة الله تعالى على ما ساءك وسرّك، وإما ان تتخلع
عن ملكك وتضع تاجك وتلقي عليك أطمارك وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك. فقال: إني متفكر الليلة، وأوافيك في السحر فأخبرك أحد المنزلتين!! فلما كان في السحر، قرع عليه بابه، وقد لبس عليه امساحه، ووضع تاجه، ولزما الجبل حتى انتهى أجلهما. وهو الذي يقول فيه عديّ بن زيد: (أيها المعير بالدهر ...
الابيات) فبكى هشام حتى اخضلت لحيته. قال التبريزي: رواح مودع، مثل عيشة راضية، أي ذات رضى، لأن الرواح لا يودع ولكن فيه التوديع لك. فاعمد: أي أقصد لأمرك الذي تصير إليه، أي اعمد لآخرتك التي تصير اليها. والصابيات:
النساء المطلقات. والموفور: الذي لم يؤخذ من ماله ولا من عرضه شيء ومعناه مظلم.
وخفير: مانع. والحضر: كان قصر بجبال تكريت بين دجلة والفرات. وأخو الحضر:
هو الضيزن بن معاوية، كان ملك تلك الناحية، وبلغ ملكه الشام، ثم تغلب عليه سابور ذو الاكتاف، وقتله، ذكره في
الأغاني. قال التبريزي: أخو الحضر هو ساطرون ابن اسطيرون. والمرمر: كل ما ملس. والكلس: النورة مع الرماد. وألوت:
ذهبت.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع