تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [عديّ بن زيد]

عديّ بن زيد بن جمار بن زيد بن أيوب بن مجروف بن عصية بن امرئ القيس ابن زيد مناة بن تميم. قال في الأغاني: شاعر في الجاهلية، كان نصرانيا هو وأهله، وليس معدودا من الفحول، عيب عليه أشياء. وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان:

عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم، يعارضها ولا يجري معها.

وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت. ومثلهما عندهم من الاسلاميين الكميت والطرماح. وجد عدي أوّل من سمي من العرب أيوب، وجده جمار أوّل من كتب من العرب، لأنه نزل الحيرة فتعلم الكتابة منها. وذكره الجمحي في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقال: هم أربعة رهط، فحول شعراء، موضعهم مع الاوائل،

وإنما أخلّ بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، طرفة وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد بن جمار. قال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثني أبو الحسن قال: كان الحجاج بن يوسف يخوف ان يعزل عن العراق فيتولاها خالد بن عبد الله بن أسيد، فلما مات خالد بلغ الحجاج موته فقال لسعيد بن عبد الرحمن بن عتاب ابن أسيد، وهو عنده: أعلمت ان خالدا قد مات؟ قال سعيد: فأخذني من ذلك ما الله به عالم لتركه بعده وشماتته بموته، فلم يلبث أن أخذ في حديث ثم أقبل عليّ، فقال: أيّ العرب أشعر؟ قلت: الذي يقول:

أيّها الشّامت المعيّر بالموت أأنت المبرّأ الموفور
الابياتفغضب وقال: والله انك لردي الحديث، ردي المواضعة، مولع بليم الشعر

قال يونس: لو تمنيت أن أقول الشعر لما تمنيت أن أقول إلا مثل قول عدي بن زيد:

(أيها الشامت المعير بالموت ...) الأبيات الثلاثة.

فائدة: قال جميل: أوّل قصيدة له:

رواح من بثينة أو بكورغدا فانظر لأيّهما تصير

كأنه أخذه من بيت عدي المذكور.

وأنشد:

وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

هذا من قصيدة للنمر بن تولب، وأوّلها:

قالت لتعذلني من اللّيل اسمعسفه تبيّتك الملامة فاهجعي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
لا تعجلي لغد فأمر غد لهأتعجلين الشّرّ ما لم تمنعي
قامت تبكّي أن سبأت لفتيةزقّا وخابية بعود مقطع
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
لا تجزعي إن منفسا أهلكتهوإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وإذا أتاني إخوتي فذريهميتعلّلوا في العيش أو يلهوا معي
لا تطرديهم عن فراشي إنّهلا بدّ يوما أن سيخلو مضجعي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

سبأت: بوزن قرأت، اشتربت الخمر، ولا بقال إلا في الخمر خاصة. والعود:

بفتح المهملة، البعير. ومقطع: انقطع صرابه. ومنفس: بضم الميم وسكون النون وكسر الفاء، النفيس من المال. وذلك بكسر الكاف. والفراش: كناية عن المنزل.

ويتعللوا: يتلهوا. وقوله: ان منفس، يروى بالنصب، وهو الأكثر، وبالرفع.

وقد استشهدوا به في باب الاشتغال على الأمرين. وقد أورد المصنف البيت في الكتاب الثاني. قال المصنف في شواهده: معنى البيت، لا تجزعي على ما أتلفه من المال فإني أحصل لك أمثاله، ولكن اجزعي إذا هلكت، فإنك لا تجدين من يخلف عليك مثلي.

وكان النمر قد نزل به في الجاهلية أخوان فعقر لهم أربع قلائص وصب لهم خمرا كثيرا فلامته على ذلك.

وأنشد:

لمّا اتّقي بيد عظيم جرمهافتركت ضاحي جلدها يتذبذب

وأنشد:

ألم تسأل الرّبع القواء فينطق

هذا مطلع قصيدة لجميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبر بن نهيك بن ظبيان القضاعي، وتمامه:

وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق

وبعده:

بمختلف الأرواح بين سويقةوأحدب تحادت بعد عهدك تخلق
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألم تسأل الربع الخلاء فينطق»
أضرّت بها النّكباء يوما وليلةونفخ الصّبا والوابل المتعبّق
وقفت بها حتّى تجلّت عمايتيوملّ الوقوف العنتريس المنوّق

الربع: الدار حيث ما كانت. وأما المربع، فالمنزل في الربيع خاصة. والقواء:

بفتح القاف، القفر الذي يبيد من سلك فيه، أي يهلكه. وسملق: بفتح المهملة واللام بينهما ميم ساكنة، الأرض التي لا تنبت، وهي السهلة المستوية. وسويقة:

بضم الميم، اسم موضع. وكذلك أحدب موضع. وفي شرح ديوان جميل: الأحدب، بحاء مهملة، جبل. ومختلف الأرواح: موضع اختلافها من كل وجهة كادت هذه المنازل تخلق بعد ان عهدتها عامرة. والنكباء: ريح خرجت عن مجراها. والوابل: المطر العظيم القطر. والمتعبق: بالعين المهملة، يقال تعبق المزن إذا مطرت بشدة وكذلك انعبقت. والعنتريس: الناقة الصلبة الشديدة، والنون زائدة. وبعير منوق: مذلل مروض. ومن أبيات هذه القصيدة:

أنائل، بالبيت الّذي كان بيننانضا مثل ما ينضوا الخضاب فيخلق
أنائل والله الّذي أنا عبدهلقد جعلت نفسي من البين تشفق
أنائل ما للعيش بعدك لذّةولا مشرب إلّا الشّمال المرنّق
أنائل ما تنأين إلّا كأنّنيبنجم الثّريّا ما نأيت معلّق
أنائل إنّ الحبّ يعتاد ذا الهوىإذا اليوم أجلته الهموم فيأرق
ومن يك ذا كم حظّه من صديقهفيوشك باقي جلده يتمزّق

وأنشد:

الشّعر صعب وطويل سلّمهإذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلّت به إلى الحضيض قدمهيريد أن يعربه فيعجمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

أخرج أبو الفرج في الأغاني وابن عساكر من طرق بعضها يزيد على بعض: ان الحطيئة لما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة، أوص. فقال: ويل للشعر من راوية السوء. قالوا: أوص، يرحمك الله. قال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرامون عنها ترنّمتترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز؟
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «عفا بطن قو من سليمى فعالز»

قالوا: الشماخ. قال: أبلغوا غطفان انه أشعر العرب. قالوا: ويحك، ما هذه وصية، أوص، قال: أبلغوا أهل ضابيء، أنه شاعر حيث يقول:

لكلّ جديد لذّة غير أنّنيرأيت جديد الموت غير لذيذ

قالوا: أوص، ويحك بما ينفعك، قال: أبلغوا أهل امرئ القيس أنه أشعر العرب حيث يقول:

فيالك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل

فقالوا: اتق الله ودع عنك هذا، قال: أبلغوا الأنصار ان صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

فقالوا: إن هذا لا يغني عنك شيئا، فقل غير ما أنت فيه، فقال:

الشّعر صعب وطويل سلّمهإذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلّت به إلى الحضيض قدمهيريد أن يعربه فيعجمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

فقالوا: يا أبا مليكة، ألك حاجة؟ قال: لا، ولكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا. قالوا: ما تقول في عبيدك؟ قال: هم عبيد قن ما عاقب الليل النهار.

قالوا: أوص للفقراء بشيء، قال: أوصيهم بالالحاح في المسئلة. قالوا: فما تقول في مالك؟ قال للأنثى من ولدي مثلا حظ الذكر. قالوا: ليس هكذا قضى الله لهنّ، قال: لكني هكذا قضيت، وما أدري أعوّاد أنتم أم خصماء؟ قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم وطؤا أمهاتهم، قالوا: فهل شيء تعهد فيه غير هذا، قال:

نعم، تحملونني على أتان وتتركونني راكبها حتى أموت، فان الكريم لا يموت على فراشه، والاتان مركب لم يمت عليه كريم قط. فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون وهو عليها حتى مات، وهو يقول:

لا أحد ألأم من حطيئههجا بنيه وهجا المريئه

من لؤمه مات على الفريئه

الفريئة: الأتان. وفي شرح الكامل للبطليوسي: يروى أن الحطيئة دخل على سعيد ابن العاص يتغدّى، فأكل أكل جائع، فلما فرغ من طعامه وخرج الناس فأقام مكانه، فأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع، وقال: أترغب عن مجالستي؟ فلما سمعه سعيد وكان لا يعرفه، قال: دعه، ثم تذاكروا الشعر فقال الحطيئة: ما أصبتم جيد الشعر، ولو أعطيتم القوس باريها بلغتم ما تريدون، فاستنسبوه فانتسب لهم، فأكرموه وذاكروه، فقال لسعيد: استمع، ثم أنشد:

الشّعراء فاعلمنّ أربعه:فشاعر لا يرتجى لمنفعه
وشاعر ينشد وسط المجمعهوشاعر آخر لا يجرى معه

وشاعر يقال خمر في دعه

ومعنى خمر: غط وجهك حياء من قبح ما جئت به، ثم أنشد:

الشّعر صعب وطويل سلّمهإذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلّت به إلى الحضيض قدمهيريد أن يعربه فيعجمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

فكان أحد الأعاجيب.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.