من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
[شواهد] الفاء
وأنشد:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
تقدم شرحه في شواهد رب.
وأنشد:
بين الدّخول فحومل
هو من معلقة امرئ القيس المشهورة، وأولها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلبسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمهالما نسجتها من جنوب وشمأل
وسقط اللّوى: بكسر السين المهملة وسكون القاف، منقطع الرمل. واللّوى:
بكسر اللام، حيث يلتوي الرمل ويرق، وإنما خص منقطع الرمل وملتواه لأنهم كانوا لا ينزلون إلا في صلابة من الأرض، ليكون ذلك أثبت لأوتاد الأبنية، وأمكن لحفر النوى. والدخول وحومل والمقراة وتوضح: مواضع. و (من) في قوله:
(من ذكرى) للتعليل. وقوله: (بسقط اللّوى) في موضع الصفة لمنزل، كائن في سقط اللّوى. وبين الدخول صفة لسقط اللّوى، أي الكائن بين الدخول. وقد
استشهد النحاة بقوله: (قفا) على خطاب الواحد بصيغة الاثنين، كما في قوله تعالى (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ) وبقوله (نبك) على جزم المضارع لوقوعه في جواب الأمر. والجنوب:
ريح تأتي من قبل اليمن وتسمى الأرنب، وإذا أتت من الشام فهي شمأل، وهي مقابلة الجنوب. والتي تأتي من تلقاء الفجر، تلقاء القبلة الصّبا وتسمى القبول. والتي تجيء من دبر الكعبة الدّبور. قال المبرد في الكامل: يقال جنبت الرّيح جنوبا، وشملت شمولا، ودبرت دبورا، وصبت صبوا، وسمت سموا، وحرّت حرورا، مضمومات الأول، فإذا أردت الأسماء فتحت أولها، فقلت: جنوب وسموم ودبور وحرور. ولم يأت من المصادر مفتوح الأوّل إلا اليسير كوضوء وطهور وولوع وقبول. وفي الشّمال ست لغات: شمال وشمأل وشمل وشمل وشاملّ، بلا
همز، وشأمل بالهمز. وقد أورد المصنف قوله:
لما نسجتها من جنوب وشمأل
في مهما مستشهدا به على أن (من) تفسير.
وأنشد:
يا أحسن النّاس ما قرنا إلى قدم
قال الأنباري في كتاب الوقف والابتداء: أنشده الفراء. وتمامه:
ولا حبال محبّ واصل تصل
قال الفرّاء: أراد ما بين قرن الى قدم. والقرن: الخصلة من الشعر.
وأنشد:
وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بداإليّ وأوطاني بلاد سواهما
حللت بهذا حلّة ثمّ حلّةبهذا، فطاب الواديان كلاهما
هما لكثيّر عزّة. ورأيت في الموفقيات للزّبير بن بكار نسبتهما الى جميل.
وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين وموحدة، وبدا: بموحدة ودال مهملة مقصورة موضعان، يقول: إنه كما آثرها على أهله آثر بلادها على بلاده.
والبيت الثاني في الحماسة بلفظ:
وحلّت بهذا حلّة، ثمّ أصبحت
قال المرزوقي: ففيه التفات من الخطاب الى الغيبة، وفي بعض نسخها بين البيتين بيت آخر وهو:
إذا ذرفت عيناي أعتلّ بالقذىوعزّة لو، يدري الطّبيب، قذاهما
فلذا حسن بعده وحلّت بالعدول عن الخطاب. وجملة (لو يدري الطبيب) معترضة بين المبتدأ والخبر.
وأنشد:
يا لهف زيّابة للحارثالصّابح فالغانم فالآيب
هذا لابن زيّابة، وإسمه سلمة بن ذهل، وزيابة أمه وبعده:
والله لو لاقيته خاليالآب سيفانا مع الغالب
أنا ابن زيّابة إن تدعنيآتك والظّنّ على الكاذب
هذه الأبيات أجاب بها الحارث بن همّام الشيباني حين قال له:
أيا ابن زيّابة إن تلقنيلا تلقني في النّعم العازب
وتلقني يشتدّبي أجردمستقدم البركة كالرّاكب
قال التبريزي في شرح الحماسة: معناه انه لهف أمه أن لا يلحقه في بعض غزواته فيقتله أو يأسره. وقال النميري: وصفه بالفتك والظفر وحسن العاقبة، وكيف يذكره بذلك وهو عدوّه، وإنما يتأسف على الفائت من قتله وأسره، ولما كانت هذه الصفة متراخية حسن إدخال الفاء، لأن الصابح قبل الغانم، امام الآيب. ويقبح أن تدخل الفاء إذا كانت الصفات مجتمعة في الموصوف، فلا يحسن أن تقول: عجبت من فلان الأزرق العين، فالأشم الأنف، فالشديد الساعد. وقوله:
إن تدعنيآتك والظّنّ على الكاذب
يحتمل وجهين، أحدهما: انك إن دعوتني علمت حقيقة ما أقول، فلا تدعني وأخلص من الظن، لأنك تظنّ بي العجز عن لقائك والظن من شأن الكاذب. والآخر ان معناه يكون عونا عليه مع الأعداء.
وأنشد:
فإن أهلك فذي لهب لظاهعليّ يكاد يلتهب التهابا
هو لربيعة بن مقروم الضبي، وقبله:
أخوك أخوك من تدنو وترجومودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعاديوزاد سلاحه منك اقترابا
وكنت إذا قريني جاذبتهحبالي مات أو تبع الجذابا
فإن أهلك فذي لهب لظاهعليّ يكاد يلتهب التهابا
مخضت بدلوه حتّى تحسّىذنوب الشّرّ ملأى أو قرابا
أخوك: مبتدأ، وأخوك الثاني خبر، وما بعده بدل منه أو بدل تأكيد، وما بعده الخبر. واقترابا: تمييز، أي زاد اقتراب سلاحه منك. ويجوز كونه مفعولا به، لأن زاد يتعدى ولا يتعدى. وقوله: (فذي) هو بالجر على اضمار رب، وهو في موضع جواب الشرط، والتقدير: فإن أهلك أترك أعداء. ولظاه: مبتدأ، ويكاد: خبره، والجملة ذي حنق. وقوله: (فذي .. الخ) جواب الجزاء، والتقدير: إن أهلك فالأمر والشأن رب ذي حنق. واسم يكاد ضمير لظاه، وعلى متعلق بيلتهب. والتهابا مصدر مؤكد. ومخضت: جواب رب، أو مستأنف. وملأى وقرابا: حالان من الذنوب. والقراب: أن تقارب الامتلاء.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع