من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد القاف
وأنشد:
قدني من نصر الخبيبين قدي
هو لحميد بن مالك الأرقط يصف فيه لعبد الملك بن مروان وتقاعده عن نصرة عبد الله بن الزّبير وأصحابه ﵃. وقال ابن يعيش قائلة أبو بجدلة. وتمامه:
ليس الإمام بالشّحيح الملحدولا بوبر بالحجاب مقرّد
إن يرى بوما بالفضاء يصطدأو ينحجر فالحجر شرّ محكد
قدنى، بمعنى، حسبي. وأراد بالامام عبد الملك بن مروان، وعرّض بوصف ابن الزبير بكونه شحيحا، أي بخيلا. وملحدا: أي ظالما في الحرم، لأنه كان بمكة أيام خلافته، وحاشاه من الالحاد. وأراد بالخبيبين: عبد الله بن
الزبير، لأنه كان يكنى أبا خبيب، بضم المعجمة وفتح الموحدة الأولى، وأخاه مصعبا، على التغليب. وقد أورده المصنف مستشهدا به على ذلك. قال المصنف:
ويروى الخبيبين بالجمع، إما على ارادة أتباعه، وهو تغليب أيضا؛ وإما على أن الأصل الخبيين بياء النسبة، ثم حذفت الياء، كقولهم الأشعرين. وقوله تعالى:
(عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ) فإنه ليس جمعا لأعجمي، لأنه من باب أفعل وفعلا. والوبر:
أورده العيني بلفظ ولا بوتن. ويقال: هو بفتح الواو وسكون المثناة الفوقية، بمعنى: ولا بدائم بأرض الحجاز. يقال للماء الدائم الذي لا يذهب واتن.
والمحكد: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الكاف ودال مهملة، الملجأ.
قاله ثعلب في أماليه وأنشد عليه البيت. وقال العيني: هو المحتد، وهو الأصل.
وأنشد:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي
عزى لرؤبة وصدره:
عددت قومي كعديد الطّيس
العديد: مثل العدد. والطيس: بفتح المهملة وسكون التحتية آخره مهملة، الشيء الكثير من الرمل وغيره، يقال: فيه طيسل بزيادة اللام. وقوله: (ليسى) أي ليس الذاهب إياي، فاسم ليس مستتر فيها، وخبرها الضمير المتصل بها، وكان القياس فصله. وقد أعاد المصنف البيت في حرف النون شاهدا على حذف نون الوقاية من ليس.
وأنشد:
أخالد قد والله أوطأت عشوةوما قائل المعروف فينا يعنّف
أخرج في مكارم الأخلاق، وابن عساكر من طريق الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش قال: عرض خالد بن عبد الله القشيريّ سجنه، فكان فيه يزيد بن عبد الله البجلي، فقال له خالد: في أي شيء حبست؟ قال: في تهمة. وكان أخذ في دار قوم فادّعى عليه السرقة، فأمر خالد بقطع يده، وكان ليزيد أخ فكتب شعرا ووجه به الى خالد:
أخالد قد والله أوطأت عشوةوما العاشق المسكين فينا بسارق
أقرّ بما لم يأته المرء إنّهرأى القطع خيرا من فضيحة عاشق
ولولا الّذي قد خفت من قطع كفّهلألفيت في أمر الهوى غير ناطق
إذا بدت الرّايات في السّبق للعلىفأنت ابن عبد الله أوّل سابق
فلما قرأ خالد الأبيات، علم صدق قوله وأحضر أولياء الجارية، فقال: زوّجوا يزيد فتاتكم؟ فزوّجوه، ونقد خالد المهر من عنده. وفي شواهد الكتاب للزمخشري، قال الفرزدق:
وما حلّ من حلم حبا حلمائناولا قائل المعروف فينا يعنف
يريد: من قال فيهم الحق لا يعنف لمعرفنهم بالحق وأنهم من أهله، انتهى.
فالظاهر أن المصنف ركب عليه صدر على عجز آخر.
وأنشد:
فقد والله بيّن لي عنائيبوشك فراقهم صرد يصيح
أورده البطليوسي في شرح الكامل بلفظ:
فقد والشّكّ بيّن لي عنائي
وقال تقديره: فقد بين لي صرد يصيح بوشك فراقهم. والشك: عناء.
انتهى.
وأنشد:
أفد التّرحّل غير أنّ ركابنالمّا تزل برحالنا وكأن قد
هذا من قصيدة للنابغة الذبياني قالها في المتجردة امرأة النعمان أولها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتديعجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غداوبذاك خبّرنا الغراب الأسود
لا مرحبا بغد ولا أهلا بهإن كان تفريق الأحبّة في غد
أفد التّرحّل غير أنّ ركابنالمّا تزل برحالنا وكأن قد
قال ابن جني في الخصائص: عيب على النابغة قوله في الدالية المجرورة:
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
فلما لم يفهمه أتى بمغنية فغنته:
عجلان ذا زاد وغير مزوّد
ومدت الوصل وأشبعته ثم قالت:
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
ومدت الوصل وأشبعته. فلما أحسه عرفه واعتذر منه وغيره فيما يقال الى قوله:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
قال: وأما الأخفش فكان يرى أن العرب لا تستنكر الاقواء ويقول: قلّت قصيدة إلّا وفيها، الاقواء، ويعتل لذلك بأن كل بيت منها شعر قائم برأسه، انتهى.
والمصراعان موجودان في ديوانه. قال الأصمعي: في البيت الأول تقديره: أمن آل مية أنت رائح أو مغتدى، يخاطب
نفسه. وعجلان: نصب على الحال.
قوله: (ذا زاد وغير مزوّد) يقول: يمضي زوّدت أم لم تزوّد. والبوارح: جمع بارح. وأفد، بكسر الفاء، قرب ودنا. ويروى بدله (أزف) وهو بمعناه.
والترحل: الرحيل. والركاب: الابل، لا واحد لها من لفظها. وقيل: جمع ركوب.
والرحال: من الرحيل وجمع رحل أيضا. وقيل: مسكن الرجل ومنزله، والاستثناء منقطع، أي قرب ارتحالنا، لكن رحالنا بعد لم تزل مع عزمنا على الانتقال. وكأن:
مخففة من الثقيلة. وقوله: (قد) أي قد زالت بقرينة لما تزل. او فيه شواهد: حذف الفعل الواقع بعد غد، وعلى ذلك أورده المصنف هنا. ودخول تنوين الترنم في الحرف، وهو قد. وعلى ذلك أورده المصنف في حرف التنوين. وتخفيف كأن وحذف اسمها والاخبار عنها بجملة فعلية مصدّرة بقد. وبعد هذا البيت:
في إثر جارية رمتك بسهمهافأصاب قلبك غير أن لم تقصد
بالدّرّ والياقوت زيّن نحرهاومفصّل من لؤلؤ وزبرجد
وأنشد:
لولا الحياء وأنّ رأسي قد عسافيه المشيب لزرت أمّ القاسم
هذا من قصيدة لعديّ بن الرقاع يمدح بها الوليد بن عبد الملك، أوّلها:
ألمم على طلل عفا متقادمبين الذؤيب وبين غيب النّاعم
وبعد البيت:
وكأنّها وسط النّساء أعارهاعينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النّعاس فرّنقتفي عينه سنة وليس بنائم
ومنها وهو المخلص:
ولقد لجأت من الوليد إلى امرئحسبي، وليس من اصطفاه بنادم
للحمد فيه مذاهب لا تنتهيومكارم يعلون كلّ مكارم
ومهابة الملك العزيز ونائلينضى الجواد وأنت نكل الظّالم
وإذا نظرت بحرّ وجهك كلّهنحو امرئ فيعود كلّ الغانم
وإذا قضى فصل القضاء فلم يملقربى عليه ولا ملامة لائم
وآخرها:
وإذا وددت فإنّ ودّك نافعومن انتحطت فليس منك بسالم
قوله عيث: أي اشتد، وروى (عثا) بالمثلثة، أفسد أشد الفساد. وقد أورد الثعلبي البيت في تفسيره شاهدا لقوله تعالى: (وَلا تَعْثَوْا) *. والجآذر، جمع جؤذر:
أولاد البقر الوحشية. وجاسم: موضع. والوسنان: النائم. والترنيق: الدنّو من الشيء. قال المبرد في الكامل: معنى رنقت تهيأت لذاك. أخرج أبو الفرج في الأغاني عن ثعلب قال: قال نوح بن جرير لأبيه: من أنسب الشعراء؟ قال: عديّ ابن زيد في قوله: (لولا الحياء ... الأبيات الثلاثة). ثم قال: ما كان يبالي أن يقول بعدها شيأ.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع