من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
فصل
ولم أسمع في وصف أحْدَب ألطفَ من قول ابن المُنجِّم في ابن حُصَينة المَعَرِّيّ:
يا أخي كيفَ غيَّرتْنا اللياليوأطالتْ ما بينا بالمِحَالِ
حاشَ للهِ أن أصافِيَ خِلاَّفيَراني في وُدَّه ذا اخْتلالِ
زعموا أنني نَظَمْتُ هجاءًمُعرِباً فيك عن شَنِيع المقالِ
لا تظنَّنَّ حَدْبةَ الظهرِ عيْباًوهْيَ في الحسنِ من صفات الهلالِ
وكذلك القِسِيُّ مُحْدَوْدِباتٌوهْيَ أنْكى من الظُّباَ والعوالِي
وإذا ما علا السَّنامُ ففيهلقُرُومِ الجمالِ أيُّ جَمال
وأرَى الانْحناء في مَنْسرِ البازِيّ لم يَعْدُ مِخْلَبَ الرِّئْبالِ
كوَّن اللهُ حَدْبةً فيك إن شئتَ من الفضلِ أو من الأفْضالِ
فأتتْ رَبوةً على طَوْد علمٍوأتتْ مَوجةً ببحرِ نَوالِ
ما رأتْها النِّساءُ إلا تمنَّتْلو غدَتْ حليةً لكل الرجالِ
وأبو الغُصن أنتَ لا شكَّ فيهوهو ربُّ القَوامِ ذو الاعْتدالِ
عُدْ إلى وُدِّنا القديمِ ولا تُصْغِ لِقيلٍ من الوُشاة وقاَلِ
وتذكَّر ليالياً حين ولَّتْأودعتْ حسنَها عُقودَ الّلآلِي
أتُرَى بالدُّعاء يُجمَع شَمْليأم رجائِي مُخيَّبٌ وابْتهالِي
وإذا لم يكن من الهَجْرِ بُدٌّفعسى أن تزورَنا في الخيالِ
وعلى هذا النمط نسج ابن دَانِيال قولَه في رجل أحدب، يسمى حسَّانا:
قسماً بحُسن قَوامِكَ الفتَّانِيا أوحد الأمراء في الحُدْبانِ
أنت الحُسامُ زها بِرَوْنَقِ حَدْبهٍفزها على الخَطِّيَّة الُمرَّانِ
يا مُخجِلاَ شكلَ الهلالِ بقَدَّهحاشاك أن تُعْزَى إلى نُقصانِ
ومُماثِلاً قَدَّ القضيبِ إذا مشىمن حَدْبَتَيْه يَميس كالرَّيَّانِ
ما عاب قامتَك الحسودُ جَهالةًإلا أجبْتُ مَقالَهُ ببَيانِ
هل يُحسِن الجو كان إلا أن يُرَىمع أكْرَةٍ في حَلْبة الميدانِ
أو هل يَزِينُ المَتْنَ إلا رِدْفُهحُسناً فكيف بمَن له رِدْفانِ
والعُود أحْدَبُ وهو ألْهى مُطرِبٍولقد سمعتَ بنَغْمة العِيدانِ
وكذا سَفِين البحر لولا حَدْبَهٌفي ظهره لم يقْوَ للطّوفانِ
وإذا اكْتَسى الإنسانُ قِيل تمثُّلاًفي المدح قَامَتْ حَدْبَةُ الإنسانِ
ومُدبَّر الإكْسِير يُدعَى أحْدباًفي علمِه للقِسْط في الميزانِ
يَفْدِيك في الحُدْبانِ كلُّ مكَرْبَحٍيمشي الهُوَيْنى مِشْيَة السَّرَطانِ
مُتجِّمع الكَتِفْين أقْبصُ قد بدَافي هيئةِ المتجمِّعِ الصّفْعانِ
ومن بدائع ابن خَفَاجة الأنْدلُسِيّ، في ساقٍ أحْدَب أسود، قولُه
وكأْسِ أُنسِ قد جلتْها المُنَىفباتتِ النفسُ بها مُعرِسَهْ
طاف بها أسْوَدُ مُحْدَوْدِبٌيُطرِب مَن يلهو به مجلسَهْ
فخِلتهُ من سَبَجٍ رَبْوةًقد أنْبتَتْ من ذهبٍ نَرْجِسَه
ولعبد الله بن النَّطَّاح، في أحْدَب:
قصُرَتْ أخادِعُهُ ُوغاضَ قَذَالُهفكأنه مُتوقِّعٌ أن يُصْفَعاَ
وكأنَّه قد ذاقَ أوَّلَ صَفْعةِوأحَسَّ ثانيةً لها فتجمَّعاَ
وإذ جرَرْنا ذيلَ البيان، وسحبْنا بُرْد سَحْبان على الحُدْبان، فنقول: قوله) وأحسن ثانية (إلخ، كقول ابن دَانِيال:) متجمع الكتفين (إلخ، وهو معنًى بديع في بابه، لأن مُتوقِّع الضرب يتضائل من خوفه، ونظيرُه من يريد الوثُوب يتجمَّع ليَثِب، فهيئه كهيئة من يريد السكون.
ولقد أجاد صالح الشَّنْتَرِينِيّمن شعراء المغاربة، وفي قوله:
نُحاذِرُ أحداثَ الليالي وقلَّماخلا مِن توقَّيهنَّ قلبُ أديبِ
ونَرتابُ بالأيَّام عند سكونِهاوما ارْتاب بالأيّام غيُر أريبِ
وما الدهرُ في حال السُّكونِ بساكنٍولكنَّه مُستجمِعٌ لوُثوبِ
وهو مأخوذ من قوله الآخر:
سكنْتُ سكوناً كان رهْناً لوَثْبةٍتثُور كذاك اللَّيْثُ للوَثبِ يَلْبُدُ
وقول الآخر:
قد قلتُ يا قوم إن اللَّيثَ مُنقبِضٌعلى بَراثِنِه للوَثْبة الضَّارِي
وفي المثل:) الدَّهرُ أرْود ذو غِيَر (.
قال الجَوْهَرِيّ أي يعمل عملَه في سكون، لا يُشْعَر به.
ويقال:) تَلْبِيدٌ خيرٌ مِنَ التَّصيئِ (يقال لمن يتشاجَع، ويُضرَب مثلا للفِراركما قاله الأصْمَعِيّ.
وفي معناه قولي:
أقولُ لنائِمِ الغفلاتِ جهْلاًتنبَّهْ كم فسادٌ في صلاحِ
وكم رجَعَ الزمانُ عن الرَّزايارُجُوعَ التَّيْسِ أقْعَى للنَّطاحِ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع