من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
فصل (٢)
قول:) شَعَر المرء نسخة العمر (إلخ، معنًى بديع، ونحوه قولي:
لعَمْرِيَ إن الدهرَ خَطَّ بمَفْرِقيرسائلَ تدعُو كلَّ حيٍّ إلى البِلَى
أرى نُسخة للعُمر سوَّدها الصِّباوما بُيِّضتْ بالشَّيْب إلاَّ لتُنْقَلاَ
ونحوه قول الأرَّجَانيّ:
وقد علَتْ غبْرةُ الشَّيبِ الشَّبِيبةَ ليفبِتُّ للأجَل الكتوبِ مُكْتَلِياَ
كتابُ عُمْرِي الليالي تّرَّبَتْهُ وماأدْنَى المُتَّربَ أن تلْقاهُ مُنْطَوِباَ
وللأَمير العاصِمِيّ، وهو شاعر معاصر للصَّاحب، وإن لم يذكره في) اليتيمة (:
تعجَّبَتْ حين ذَاع شَعْرِيمن بَعْدِ نَضْوي الخِضابَ حالِي
قالتْ أهذا الذي أراهُغُبارُ طاحونةٍ بَدَا ليِ
فقْلتُ لا تعجبي فهذاغُبارُ طاحونةِ اللَّيَاليِ
قلت: لولا مشاكلَةُ الطاحونة السابقة، ودورهُ معها لقبُحَت هذه الاستعارة جدّاً.
وللغَزِّيّ:
مسَحَتْ عارِضِي وما ذاك إلاأنها ظنَّتِ المَشِيبَ غُبارَا
وقال العِماد: تشبيهُ الشَّيْب بالغُبار حسن، وكنت أظن أنّي ابتكرتُه في قولي:
ليلُ الشبابِ تَولَّىوالشَّيْبُ صُبْحٌ تألَّقْ
ما الشَّيْبُ إلا غُبارٌمن رَكْضِ عُمْري تعلَّقْ
قال: وشبَّهْتُهُ أيضاً بالتَّتْرِيب، في قولي:
أصدوداً ولم يصُدَّ التَّصابيونِفاراً ولم يَرُعك المَشِيبُ
وكتابُ الشَّبابِ لم يَطْوه الشَّوقُ ولا مسَّ نَقْشَه تَتْرِيبُ
ولمحمد القَيْسَرَانِيّ:
لا تُنكري وَضَحاً لَبِسْتُ قَتِيرَهُرَكْضُ الزَّمانِ أثار هذا الْعِثْيَرَا
وقوله:) كنت أظن أني ابتكرته (عجِبْب منه، مع قول ابن المُعتَزّ:
صدَّتْ شَرِيرُ وأزْمَعَتْ هَجْرِنيوصغَتْ ضمائرُها إلى الغَدْرِ
قالَت كَبِرْتَ وشِبْتَ قُلت لهاهذا غُبارُ وقائعِ الدَّهْرِ
وهو مسطور في) ديوانه (وقد تابَعَه عليه كثيرٌ من الشعراء وتطفَّل عليهم العماد، لكنه طُفَيْليٌّ، وقد حذا حَذْوَه في قوله:
إذا كتبَ الشَّبابُ سُطورَ مِسْكٍوأترَبهُنّ كافورُ المَشِيِبِ
فيا أسَفي وما أسفي وحُزْنيسِوَى طَيِّ الصَّحيفةِ عن قريبِ
على ذكر التَّتْريب، فما أحسن قول الطُّغْرائِيّ في وصف كَتِيبة من قصيدة له:
عليها سُطورُ الضَّرْب تُعْجِمُها القناصحائفُ يغْشاها من النَّقْعِ تَتْرِيبُ
تُرْدِى الكتائبَ كُتْبُه فإذا غَدَتْلم تَدْرِ أنْفَذ أسْطُرً أم عَسْكَرَا
لم يُحسِن الإتْرابَ فوق سُطورِهاإلا لأن الجيْش يَعْقِد عِثْيراً
ومن إنشاء ابن الأثِير: صَدَر هذا الكتاب والفتْحُ غضٌّ طَرِيّ لم تَنصُلَ حُمرةُ يومِه، ولا أُغمِدتْ سيوف قومِه، فسطورُه تُتْرَب بمُثارِ عَجاجِه، مُمثَّلة بخطِّ ضَربِه، وإعجام زُجاجِه.
وقلتُ مع زيادة حسن التعليل:
جيشٌ كأنَّ الأرضَ من تحتهِصُحْفٌ غَدَت أقلامَهنَّ الرَّماحُ
مذُ سطرَّ الجُنْدُ على وَجْهِهاترَّبَها النَّقْعُ فلاح الفلاحُ
وأصل هذا ما رواه جابر، عنه ﷺ، أنه قال:) إذا كَتَبَ أحَدُكُمْ كِتاباً فَلْيُتْرِبْهُ، فإنَّه أنْجَحُ للْحَاجَةِ (.
رواه أبو داود.
وقد تكلَّم الناسُ فيه، وقيل إنه موضوع.
وفي) النهاية (معناه، لِيَجْعل عليه التراب.
وقال الطِّيبيّ ليُسْقِطْه على التراب، حتى يصير أقرب إلى المقصد، اعتمادا على الله في إيصاله إليه.
وقيل: معناه التَّواضع في خِطابه، والمراد بالتَّتْريب المبالغة في التواضع. انتهى ومما أنشَدنيه:
يا رَبْعُ سَقاكَ كلُّ مُزْنٍ غَادِقد كُنْت محلَّ أُنْسِنا المُعتادِ
هل يلحُظُني الزَّمانُ بالإسْعادِيوماً فنَعُود فيك لِي أعْيادِي
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع