تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

محمد بن قاسم الحَلَبِيّ

يتيمة الدهر، وبَيْضة البلد، ممن نزلتْ فضائلُه بين العَلْياء والسَّنَد، أخ لمن تجَّنبه الدهرُ شقيق، حُرّ العِرض على أنه عبدُ الصَّديق، فكم له من يدٍ خضراء تنبتُها يدٌ بيضاء، كما اخضرَّت الهِضابُ، من أبيض نسْج خيوط السحاب.

تَمُدُّ له الآفاقُ بِيضَ خيوطِهفتنسِجُ منها للثرى حُلَّةً خَضْرَا

وله شعر رَاقَ بجيد الدهر عِقدُه، وعَذُبَ على لسان الدهر المُحلى بالفصاحةِ وِرْدُه، وزها يانِع رياضِه البهيَّة شقِيقُه وَوَرْدُه، مع فضلٍ حَلا في أفْواه الليالي ثناؤُه، وأضاء في دُجَى المشكلاتِ سَنَاهُ وسناؤُه.

له صحائفُ أخلاقٍ مُهذَّبةٍمنها الحجَى والعُلا والفضلُ يُنْتَسَخُ

وكانت أخباره تغدو على مسامعي، فتتشوَّقُ إلى لُقْياه أجفانُ عيون مطامعي، حتى لقِيتُه بالروم، فاهتزَّت به أعطافُ المسرَّة، ونِلْتُ به ما هو للرُّوح قُوتٌ وللطَّرف قُرَّة، وعُود الدهر المُورِق يختال في غلائِله، وفَيْنان رَوْضه كأنما سُرِق الحسنُ

من بعض شمائِله، بطبعٍ أرقّ من بُرْد النسيم هلْهَلَه الشَّمال، وأصْفى من رِيق مُدامَةٍ صفَقها العَذْب الزّلال، فدارتْ بيننا شَمُول آدابٍ ظلَّ لها ثَغْرُ الأنس باسماً، وانتظمتْ عقودُ عُهُودٍ كان لها كفُّ المودَّةِ ناظماً، ولمَّا يرْضَ مُقامَه بحلب، وفطَم أملَه مما أدرَّ الدهر له بها وحلب، لأن زامِرَ الحيِّ لا يُطرب، وما كل حاملةٍ إذا أُنْتِجَتْ تُنجِب، سار عنها وسلك الطريق، حتى نزل بين وادي العُذَيْب والعَقِيق، فلما أخذ الله كريمَتيْه، وعوضه جنَّةَ عَدْن لديه، تربَّعتْ أقدامُ أقدامِه، وقد سُقِط في يديْه، فقد ينتظر دعوتَه حتى تلقَّاه، وإن كان مع الرَّكب اليمانين هَواه.

على المرءِ أن يسْعَى لما فيه نفعُهوليس عليه أن يساعِدَه الدَّهْرُ

فما دار بيننا من كؤس الأدب، ما كتبتُه إليه وقد قدم من حلب:

حَتَّى مَ يغزوني صُدودُهوالصبرُ قد كُسِرتْ جنودُهْ
سكرانُ من ألحاظِهقامتْ على قلبي حُدودُهْ
وسَقيمِ طَرْفٍ لم تزلْأبداً لواحِظُنا تعودُهْ
برَقتْ بوارقُ وَصْلهِوالهجرُ قد خَرِستْ رعودُهْ
غصنٌ تَمِيلُ به الصَّبافي كُثْبِ أرْدَافٍ تَئُودُهْ
لم أدْرِ فاتِرُ جَفْنِهوالخِصْرُ أسْقَمُ أم عهُودُهْ
نَشوانُ يعبثُ بي كماعبَثْت بآمالي وُعودُهْ
لولا مِياهُ الحُسْنِ جالتْ فيه لاحترقَتْ خدودُهْ
كالصَّبِّ لولا دمعُهُيهْمِى لأحرقَه وَقودُهْ
يُخفِي الهوى وعيونهُبغرامِه الُمْضْنَي شُهودُهْ
بشهادةٍ ليست ترَدُّفليس ينفعُه جُحُودهْ
فسقَى رِياضَ الحُسنِ مندمْعِي حَيّا يَهْمِي مَدِيُدُه
زمنٌ بجِيِد اللهوِ قدنُظِمَتْ على نَسَقٍ عقودُهْ
إذ دَوْحُ أُنْسِى يانِعٌبكئوسِنا انفتحَتْ وُرودُهْ
والكاسُ نَجمٌ لاح فيفَلَكِ المسرَّةِ لي سُعودُهْ
يصفُو فيحْكِي ذِكْرَ مَنقد زيَّن الدُّنيا وُجودُهْ
ذاك ابنُ قاسمٍ الذيما زال في تعَبٍ حَسُودُهْ
رُقِمَتْ به حُلَلُ العُلاوزهَت بطلْعتِه بُرودُهْ
ما زال يُسْقَى من مِياهِالفضلِ حتَّى اخْضرَّ عودُهْ
فيكاد يُورِق بالسَّعادةِ مُثِمراً منها وفودُهْ
قد كان دَهْرِي عاطلاًحتى تحلَّى منه جِيدُهْ
مَجْدٌ طَريفٌ يُغْرِق الْأفكارَ إذ يبدُو تَلِيِدُهْ
يا مالكاً رِقَّ الْقُلوبِ فكلُّها حُباَّ عَبِيدُهْ
بل جَنَّةٌ فيها بطِيبِ ثنائِنا أبدَا خلودُهْ
في الشِّعر ليس ببالغٍأدْنى بَديِهِته وَلِيدُهْ
قد كان فِكْري صائماًحتى طلَعْتَ وأنت عِيدُهْ
فإلْيْكَها عِقداً لِجيدِ الدَّهرِ زَيَّنَة نضَيدُهْ
بِكْراً يرُوم جوابَهامَهْراً تروقُ لها نقودُهْ
ولئن تكُنْ قَيْدَ النُّهىفالحبُّ تُسْتَحْلَى قيودُهْ
فالْبَسْ لباسَ مسرَّةٍفي الدهرٍ لا يَبْلَى جديدُهْ

فأجاب، وأجاد:

للظَّبْيِ لَفْتَتُه وجِيدُهْوالوَرْدِ ما أبدَتْ خدودُهْ
والدُّرُّ يزهُو بالذيفي ثَغْرِه منه نَضِيدُهْ
وبوجهِه شَرَكَ العُقولِ فأيُّ عَقْلٍ لا يَصِيدهُْ
في كلِّ يوم للهوىمن حُسنهِ معنىً يَزِيدهُْ
روضٌ سقاهُ الله ماءُ الحسنِ فاحمرَّتْ خدودهُْ
يستوقفُ الأبصارَ حتَّىلا يَسُوغَ لها وُرودُهْ
مَلِكٌ تحكمَّ في الجمالِ فنال منه ما يُرِيدُهْ
وجرى بأسْرارَ الهوىللنَّاسِ من دَمعِي بَرِيدُهْ
ما زال يسطوُ في الورَىمن فعلِ مُقْلته جُنودُهْ
حتى ظنَنَّا أنهبالأجْر آثَرَه شهيدُهْ
يُبْدِى الصدودَ وكلَّماصانَعْتهُ عنهُ يُعِيدُهْ
أتراه يجْحَدُ ما لقِيتُ به وهل يُغْنِي جُحودُهْ
وهو النَّهارُ إذا بدَامِن نفسِه قامتْ شُهودُهْ
كضياءِ مولانا شِهابِ الفضْلِ إذْ طَلعتُ سُعُودُهْ
ما زال يسُمو في سَماءِ المجْدِ زيَّنَها وُجودُهْ
حتى تقطَّعتِ المطامعُ عنه واسْتَعفى حَسودُهْ
وَقَّادُ فِكْرٍ أيُّ خَطْبٍ ليس يُطفِئُه وَقودُهْ
كُرمَتْ له هَمِمٌ إلىغيرِ العُلا ليستْ تَقودُهْ
يزهُو على جِيدِ الزمانِ بما يُنمِّقُه فريدُهْ
مِن كل سَجْعٍ من مزايا الحُسنِ قد نُظِمتْ عُقودُهْ
وإذا ذكرتَ الشِّعر فهْوَكما سمعْتَ به لَبيِدُهْ
قد كنتُ أجْهَد في ابتْغاء لقاء أيامٍ تُفِيدُهْ
حتى وَفَتْ لي بالذيقد كان في أمَليِ وُعودُهْ
فِلقيتُهُ البحرَ الخِضَمَّيَفِيِضُ للعافين جودُهْ
مُتدفِّقاً بالفضلِ تخشى أن يفرِّقَها وُفودُهْ
مَولايَ عُذْراً إنَّهامن خاطرٍ قد جَفَّ عُودُهْ
بعُدَتْ بقولِ الشِّعرِ فيعهدِ الصَّبا حِيناً عُهودُهْ
لبَّي دُعاكَ وأيُّ مولىً لا تُلبِّيهِ عَبيدُهْ
ما ضَرَّه عِيدٌ نَأَيما دامَ من لُقْياكَ عِيدُهْ

ومما أنشدَنِيه قولُه:

مُتِّعْنَا يومَنا بصَحْوٍليس على الشَّمسِ منه سِتْرُ
كأنَّ في الجوِّ منه كَنْزاًسال على الأرْضِ منه تِبْرُ

وقوله في مليح مُصَفَر العِذار، كأنما خاف الدهرَ على ذَهاب حُسنِه، فقيَّده بسلاسل

النُّضار، أو ملك الجمال بلغ كماله، فمدَّ لمِشْكاةِ صُدْغِه سِلْسلة الغزالة:

لمَّا الْتَحى تمَّتْ محاسنُ وجههِ وصفَتْ طباعُهْ
وغدَا بلُطْفِ عِذَارِهِقمراً أحاط به شُعاعُهْ

ومما روَيْناه في معناه، قول الخطِيب الحَظِيرِيّ:

وأشْقَرِ الشَّعرِ من لطافِتهيَجرَحُ لَحْظُ العيونِ خدَّيْهِ
فإن بدَا مَن يشُكُّ فيه فلِيشاهدُ عَدْلٍ من لونِ صُدْغَيْهِ

وله أيضاً:

كأنَّ صُدْغَيْهِ في أحْمرارِهِماقد صُبِغا من مُدامِ وِجْنَتِهِ

وله أيضاً:

ما أحمَرَّ شَعْرُ حبيبي أنَّ وَجْنَتِهُسقَتْهُ من صِبْغِها خَمرْاً ولا خَجلاَ
وإنما لفحَتْ خدَّيْهِ من كبدِينارٌ فذبَّتْ إلى صُدْغَيْهِ فاشْتَعلاَ

ومما أنشدَنِيه قولُه من قصيدة:

قد دَعاهُ الهوى ودَاعِى التَّصابِيلاِدِّكار الأوطانِ والأحبابِ
فأتَتْ دون صَبْرهِ من أليمِ الْوجدِ نارٌ شديدةُ الإْلتِهاَبِ
فذَوَى غُصْنُه الرَّطيبُ وجفَّتْمن رياضِ الصِّبا مياهُ الشبابِ
شَعَرُ المرءِ نُسْخةُ العُمر والأيَّامُ فيها من أصْدقِ الكُتَّابِ
فإذا تمَّ منه ماكَتَبَتْهترَّبَتْهُ من شَيْبهِ بتُرابِ
لستُ آسَى على الصِّبا إنما أذْكُر حقَّا لأقْدِم الأصْحابِ
قد سقَتْنِي عهودُه العيشَ صَفْواًوكسَتْنِيه مُونِقَ الجِلْبَابِ

ومنها:

بحرُ فضلٍ لو قِيِسَ بالبحرِ كان البحرُ في جَنْبِه كلَمْع السَّرابِ
مزَج الفضلَ بالسَّخاءِ كما مازَجَ ماءُ الغَمامِ صَفْوَ الشَّرابِ
وإذا قيل خُلْقُه الرَّوض أضْحى الروضُ طَلْقاً بذلك الإنْتِسابِ
ما عسى أن أعُدَّ من مَكْرُماتٍضَبْطُها قد أعْيَ على الحُسَّابِ
وإذا ما الأفكارُ أُمعِن فيهاغرِقَتْ من بِحَارها في عُبابِ
أنتَ من ناظِر الزَّمان سوادْ العْينِ والناسُ منه كالأهْدابِ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.