من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
سانحة
(
في قوله:) رعته (استخدام لعَوْدِه إلى النجم، بمعنى الكوكب، على ملاحظة معنى النَّبْت.
وقد يتعدَّد ذلك، كما في قول ابن الْوَرْدِيّ
ورُبَّ غزالةٍ طلَعتْبقْلبِي وهْو مَرْعاهَا
وقالتْ لي وقد صِرْناإلى عيْنٍ قصدْناهَا
بذلْتَ العيْنَ فاكْحُلْهابطَلْعتِها ومجْراهَا
وقد يكون الاسْتِخدام بالضمير، من غير اشتراك أيضاً، كما في قوله تعالى:) وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (.
وقد يكون بالضمير المُستتِر في حالٍ ونحوها، كقولك:
بذلْتَ العيْنَ جاريةًمُكحَّلةً وطالعةً
وقد يكون بالتمييز من غير ضمير، كقوله في هذه القصيدة:
أُخْتُ الغزالةِ إشراقاً ومُلتَفَتاً
وقد يكون باسْم الإشارة، كقولي:
رأَى العقيقَ فأجْرَى ذاكَ ناظِرُه
وقد يكون بالاسْتِثْناءِ كقول الْبَهاَء زُهَيْر:
أبداً حديثي ليس بالْمنسوخ إلاَّ في الدَّفاتِرْ
فذكر النَّسْخ بمعنى الإبطال، واستثنى منه بمعنى الكتابة. وهو استثناء غريب، يحتاج إلى نظرٍ دقيق في إدخاله في أحد نوعيْه.
وله من قصيدة:
وتجرَّدَتْ بيضُ الصِّفاحِ وأُلْبِستْعَلَقَ النَّجِيِعِ كَحُلةٍ حمْراءِ
والسُّمّرُ مُذ سقَتِ الدِّماءُ زُجاَجَهاأضْحتْ ثِماراً أرْؤُسُ الأعْداءِ
وله من أخرى:
كأنّما الخيلُ في الْمَيدانِ أرْجُلُهاصَوالجٌ ورءُوسُ القوْم كالأُكَرِ
من رسالة لابن عبد الظاهر: أصبح الأعداء كأنما جُزر أجسادِهم جزائر، يتخلّلُها من الدِّماء السَّيْلُ، ورءُوسُهم أُكَر تلعَب بها صَوالجةُ الأيْدِي وأرجلُ الخْيل.
وله من أخرى:
سقَى طَلَلاً حيثُ الأجارِعُ والسِّقْطُوحيثُ الظباءُ العُفْرُ ما بينهما تَعْطُو
هَزيٌم هَمُولُ الوَدْقِ مُرِْتجِسٌ لهبِأفْنانهِ مِن كلِّ ناحيةٍ سَقْطُ
ولو أنّ لي دمعاً يُرَوِّي رِحابَهُلما كنتُ أرْضَى عارضاً جُودُه نَقْطُ
ولكنّ دمْعِي صار أكثرُه دماًفأنَّى يُرَجَّى أن يُرَوِّى به قَحْطُ
ومنها:
كأنَّ أنسِيابَ الرُّمْحِ في الدِّرع سَالِخٌمن الرُّقْشِ في وَسْطِ الغَديرِ له غَطُّ
والبيت الثالث كقول مِهْياَر:
بكَيْتُ على الوادِي فحرَّمْتُ ماءَهوكيف يَحِلُّ الماء أكْثرُه دَمُ
وقول الأبيوَرْدِيّ:
سقَى الله لَيْلَ الخَيفِ دَمْعِيَ والْحَيَاأُرِيدُ الْحَيَا فالدَّمْعُ أكْثرُه دَمُ
والأخير كقول الْمَعَرِّيّ:
توهَّمَ كلَّ سابغةٍ غديراًفرَنَّق يَشْرَب الحَلَق الدَّخاَلاَ
وله من أخرى:
ما لاَح في أُفَقِي المحاسن إذ سرَىإلاَّ حَمَدتُ بليل طُرَّته السُّرَى
عقَد الإزارَ على كثيبٍ في نَقاًفغدا اصْطِباري وهْو محلولُ العُرَى
لا تذكرِ الغزلانَ عند كِناسهِمعه فإن الصَّيدَ في جَوْفِ الفَرَا
وله أيضاً:
إلى كم أُمَنِّي القلبَ والقلبُ مُولَعٌوأزجرُ طَرفَ العينِ والطرفُ يدمَعُ
وحتَّى متى أشكُو فِراقَ أحبَّتيعفَا بالنَّوى منهم مَصِيفٌ ومَربَعُ
وأستعرضُ الرُّكبانَ عنهم مُسائلًعسى خبرٌ عنهم به الركبُ يرجعُ
تصبَّرتُ عنهم وأنثنيْتُ إليهمُولم يبْقَ في قوسِ التَّصبُّرِ مَنْزَعُ
أُراعيِ نجومَ الليلِ أرقبُ طيْفَهموكيف يزور الطَّيفُ مَن ليس يهجَعُ
وما زالتُ أبكي لؤلؤاً بعد بَيْنهمإلى أن بدا مُرجانُ دمعِيَ يَهْمَعُ
وما كان تبكي العينُ لولا فِراقُهمعقيقاً ولا يشْفِي الفؤادَ طُوَيْلٍعُ
فلا حاجِرٌ بعد الأحبَّة حاجِزٌولا لَعْلَعٌ مذ فارق الحيُّ لَعْلَعُ
غرَبْن شموساً في بدورِ أكِلَّةٍفليس لها إلاَّ من الخِدْرِ مَطْلَعُ
وشابَهْن غِزْلان النَّقا في نِفارِهاولكنّها بين التَّرائبِ تَرْنَعُ
لها من مَهاةِ الرملِ عينٌ مريضةٌوجِيدٌ كجيدِ الظَّبْيِ أغْيَدُ أتْلَعُ
ومن قُضُبِ البانِ الرطابِ معاطفٌتكاد عليها الوُرْقُ تشدُو وتسجَعُ
وتغدو سيوفُ الهندِ لما تشبهَّتْبألْحاظها في الحربِ تَفْرِي وتقْطَعُ
ذكرتُهمُ والقلبُ بالهم طافحٌلبَيْنِهمُ والبحرُ كالليلِ أسْفَعُ
وما تنفعُ الذكْرى لمن صَدُّهُمْ قِلَىووصلُهُم قطعٌ ومنهم تمنُّعُ
ولا عجبٌ فالبخلُ في الغِيِدِ والدُّمَىطبيعةُ نفسٍ ليس فيها تصبُّعُ
كما لعلىٍّ كلُّ جودٍ وسُؤُدُدٍسجيةُ ذاتٍ ليس فيهل تصنُّعُ
وله من أخرى:
ورَكْبٍ طِلاحِ صاحَبو النَّجمَ في السُّرَىتَرامَى بهم فِي السَّير بِيدٌ وتعنُفُ
يخوضون بحرَ الآلِ يطفُو عُبابهُطُفُو عُبابهُ طُفُوَّ دَياجي الليلِ والليلُ مُسْدِفُ
كأن المطايا والأكِلَّةُ فوقهاسَفِينٌ بأيدْي الأرْحَبِيَّاتِ تَجْدِفُ
وكان له نَدِيم أحْدب، يسمى أبا الخير، يعدُّه عَيْبَةَ أسراره، وجُهَينةَ أخباره، وهو يُدير عليه شَمُول وِدادِه، ويجْني إليه من كل وادٍ ثمراتِ فؤادهِ، ويُنْشِده تَرجُمان لسانِه عن مُحجَّب جَنانِه:
ولقد جُبلتُ على مَحبَّة وُدِّهما الحبُّ إلا للإمام الصَّالحِ
جميع إخوانه إليه يلجئون، ومن كل حَدَب إلى جُرْثُومَته يَنْسِلون، خفَّت روحُه فألقتْ بدَنَه خلفه ظِهرِيَّا، واتَّخذتْ ما سواه شيئاً فرِيَّا، كأنه خاف الخُطوبَ فهو مُتجمِّع حذَر الوُثوب.
وما الدهرُ في حال السُّكون بساكنِولكنه مُستجْمِعٌ لوُثوبِ
وله به عِزٌّ أقْعَس، في رَبْوة المعالي يُغرَس، وطَبُعه بالظَّرف ربيعٌ أخْصَب، وفي أمثالهم:) أظرفُ من أحْدَب (، فهو سَنام اللطفِ وغارِبُه، وبحرٌ أحدبُ الأمواج، بدائعُ بدائههِ عجائبُه، ولم يزل يَعْتام وِدادَه، حتى قَبضت جواهرَ عُمرِه يدُ الدهر النَّقَّادة.
كل ابنِ أنثى وإن طالتْ سلامتُهيوماً على آلهٍ حَدْباءَ مَحمُولُ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع