من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
أبو المعالي دَرْويش محمد الطَّالُوِيّ
وحيدٌ له الحزم تِرْب واللطف قَرين، وماجدٌ ماله في قَصَب السَّبْق رَهين، وَرِيق قُضب المُرُوَّة، فاتح حصون المُلِمَّات عُنْوَة، سليل المعالي والكرم، رقيق حواشي الطبع والشِّيَم، فكم في عُلاه مسرح للمَقال، ومجال لمُضْمَرات الأماني والآمال.
إذا أعجبْتك خِصالُ امْرئٍفكُنْه تَكُن مثلَ ما يُعْجِبُكْ
فليس على المجدِ من حاجبٍإذا جِئتَه زائراً يَحجُبُكْ
حسَّان عصره، وأبو عُيَادة دَهْره، له في المجد زَنْد ورِىّ، وللأسماع من مَورِده العذب شِرْب ورِىّ، نور مُحيَّاه في ظلمة الخطوب هادٍ، وصِيتُ كَرَمه لركائب الآمال حادٍ، وبحر فكره المديد سريع، ونسجُ طبعه أبْهى وأبْهج من وَشْي الربيع، إذا حَلَّى أجيادَ الغصون بعقود در الغمائِم، وألبس هاماتِ الرُّبَى من النَّبْت مُخضَرّ العمائم، فكأنه بسحر البيان، أعْدَى عيون الغِيد الحسان.
نَجْمٌ تُجْلَى عليه المعاني صورةً فصُورة، وتُتْلَى عليه آياتُ الفضل سُورة بعد سُورة.
وإذا كاتب بألفاظه الرقيقة، وَدَّ السِّحْرُ لو كان قِنه ورقيقَة، فكم سرَّح طِرْفَ طَرْفي في رياض المنثور، فجَنى من حدائِقه بَيد الفكر غضَّ الزهور، ففاح نَشْرُ بلاغتِه في ليل حِبْره، ولا بدع للمنثور إذا عَبَق في عَنْبَر الظلماء عبيرُ نَشْرِه، فحلَّيْتُ لساني بعقود إِنشائِه الدُّرِّيّة، وأشرق عليَّ من فلك المُسامرةِ كواكبُها الدٌّرِّيّة، ورأيت سَبْح سطورها في يد المجد، وخِيلانُ نَقطها تَزين من وجه الطِّرس صفحة الخدّ، فسبَّحت عجباً من دُرٍ لونُه السَّواد، ومن رياضِ كافورٍ تُنبت مِسكَ المِداد.
فكأنَّ أسطُرَه غصونُ حديقةٍومن القوافي فوقَهُنَّ حَمامُ
وهو فرعٌ من شجرة آل طَالُو، الذين فاقوا في رتب العُلى وطَالُوا.
إن حاربُوا ملأُوا البلادَ مَصارِعاًأو سالُموا عمرُوا والدِّيارَ مساجِدا
طلَعُوا في رُبَى الجياد غصوناً مُورِقة بالسلاح، وبَسَقتْ فروعُها من بيض الصِّفاح وسُمْر الرِّماح، صيَّروا أكفّهم للمكارم مَعْدَنا، وأبوابَهم لوفُود السَّعادة مَوْطنَاً، فكم من راكب عَجِل استوقفتُه فوقَف، وأهدى إليَّ مِن آثاره تحفاً بكل طرْفَةٍ تُحَفّ، حتى ورد عليّ بالروم فقَرَّ بهِ نظري، ولم تسمع أُذني بأحسن مما قد رأى بصري فطار غُرابُ البَيْن من وَكْرِ العَنا، ونثرت عليَّ قوادمُ يُمْنِه، نِثار الثَّنا، وأنا ثَمَّت غريبُ
الوجه واليد واللسان، وليست الفُرقة فقدُ الأهل بل فقد الأحبَّة والإخوان، فدار بيني وبينه كئوس مُحاورات تُسكر الأذهان، ويحْتَسِي حُميَّاها فكرُ كل لبيب بأفواه الآذان، ويُوسَم بها عقلُ الدهر، وتُغْضِي حياءً منها عيون الزَّهر.
فممَّا كتبتهُ إليه: لأسْتمطر سحائبَ طبْعِه الغُرّ، وأستجْدي كرماً من رَقِيق خُلِقه الحُرّ، وأستَمْرِي منها ماء الحياة على غُلَّة، قطراتٍ لو وقعت في بحور الأشْعار لم يكن بها عِلَّة، قولِي:
قبَّلتُ مُصطبِحاً شِفاهَ الأكْؤُسِوالصبحُ يَبْسَمُ لي بثَغْرٍ ألْعَسِ
حتى غدتْ منه الغزالةُ واخْتفَىمِسْكُ الدُّجَى عند الجوارِي الكُنَّسِ
والنهرُ سيفٌ والنسيمُ فِرِنْدُهوله حمائلُ من خمائلِ سُنْدُسِ
أو صدرُ خُودٍ فتَّحتْ أطواقَهاأو شقَّقتْ للوجدِ حُلةَ أطلَسِ
والطَّيرُ تشدُو والغصونُ رَواقِصٌفي وَشْيِ ديباجِ الرَّبيعِ السُّنْدُسِي
وعلى الخلاعة ليس جيدِي عاطلاًمن حِلْيِة المجد العزيزِ الأنْفَسِ
ولواحِظ مرْضَى بها اعتلَّ الصَّبَاوالصَّبُّ بالسُّقْم المُبرَّح مُكْتَسِ
فتَنتْ بأنفسها ففيها عِلَّةٌمن وجدِها وفتورُ مهجورٍ نُسِي
فلكم قطفْتُ ثمارَ لهوٍ أيْنَعتْوغفِلتُ عما قد جنًى الدهرُ المُسِي
وطردتُ آماليِ براحةِ عِفَّتِيإن التِّمنِّي رأسُ مالِ المُفْلِسِ
رامَ التَّلَمُّسُ بذْلَ شعرِي بُرهةًفطرحُته كصحيفةِ المُتَلَّمسِ
وكَحَلْتُ طَرْفيِ بالسُّهاد صبابةًووهبتُ نومي للعيون النُّعَّسِ
ونظرتُ خدَّ الورد لما احمرَّ منخجلٍ وقد بُهِتَتْ عيون النَّرجِسِ
وأظنُّ خَجْلَته لخدِّ الطِّرس إذأمسى بوَشْيِ عِذارِ شَعرك مُكْتَسيِ
يا عِقدَ جِيد الدَّهر غُرَّةَ فجرهوطِرازَ ما حاك العُلا من مَلْبَسِ
بل كعبةً حجَّتْ لها آمالُناَفدنَتْ إلى حَرَر الكمال الأقْدَسِ
مِن آل طالُو فتية طالُوا الورَىبذُرَى أشَمَّ من المعالي أقْعْسِ
بمناقبٍ تُلِيتْ لنا آياتُهاعنها يكاد يُبين نُطْقُ الأخْرَسِ
ورياض فِكرٍ بالفضائل أثمرتْفغدَتْ تُحَدِّثُنا بِطيب المَغْرِسِ
أسكَرْتنا بسْلافِ شِعرٍ لفظُهكأسٌ له فِكري بسمعي مُحْتَسِ
وسرَتْ نُسَيماتٌ سُحَيْرا أرقصَتْطرباً بها عقلَ اللبيب الأكْيَسِ
فاعجَبْ لها من أكؤُسٍ ما برِزتْألا رآها الذَّوقُ نَقْلَ المجْلِسِ
وسهامِ أقلامٍ له تُصْمِى العِداوتظَلُّ بين مُسَدَّدٍ ومُقَرْطَسِ
ناجَيْتُه وظلامُ فكري قد دجاوصباحُ صَفْوى عنه لم يتَنَفَّسِ
فجلا السُّرورَ له بثغْرٍ باسمٍطَلْقِ الجبينِ كوجْهِ يوم مُشْمِسِ
فإليْكَها منِّي قوافيَ دَوْحُهازاهٍ بغير يدِ النُّهَى لم يُمْسَسِ
بِكراً إلى كُفءِ تُزَفُّ ومهرُهانَقْدُ الجواب براحةِ المستأنسِ
لا زِلتَ في حُلَلِ المسرَّةِ رافلاًما حَدَّقتْ ليلاً عيونُ الخُنَّسِ
فأجاب وأجاد ﵀:
خدٌّ تورَّدَ من لهيبِ تَنَفُّسِأم قَدُّ مَعْسولَ المَراشِفِ ألعْسِ
مِن رِيم وَجْرَةَ أو جَآذِرِ جَاسِمٍلبسَ الشَّبابَ الرَّوق أحسنَ مَلْبَسِ
مُتوشِّحاً خَطِّىَّ قامتِه فإنماسَتْ فيا خجلَ الغصون المُيَّسِ
فإذا رنا فاللَّحظُ منه بابِلٌهاروتُ منه نُطْقُه كالأخْرَسِ
أم عِقدُ غانيةِ الحسان زهَتْ بهتيهاً على زُهْر الجوارِي الكُنَّسِ
أم لُؤْلُؤٌ رَطْبٌ توائِمُ زَانَهحُسنُ النِّظام يِجِيد ظَبْيَةِ مَكْنَسِ
أم روضةٌ غنَّاءُ في ذُرَىأغصانِها وُرْقٌ بلحْنٍ مُؤنِسِ
حاكتْ لها أيدي الجَنوبِ مَطارِفاًوكسَتْ معاطفَها غلائلَ سُنْدسِ
ما بين أصفرَ فاقعِ أو أحمرقانٍ وأبْيضَ ناصعٍ ومُوَرَّسِ
أم غادَةٌ هْيفاءُ أذْكَرت الصِّباصَبِّا تنَاسَى العهدَ منه وما نَسِي
وافتْ وأفراسُ الصِّبا قد عُرِّيتْوالقلبُ أقصرَ عن هواه وما أَسِي
وافتْ وَفِيَّ بقيَّةٌ ألهو بهامِن شَرْخِيَ الماضي تَعِلَّةَ مُفلِسِ
مِن ماجدٍ وشِهابِ فضلٍ ثاقبٍحُلوِ الشَّمائل بالفضائل مُكْتَسِ
فظنَنْتُ رَيْعان الشَّبابِ أُعِيد ليحتى الوصالُ مِن الحبيب المُؤُنِسِ
فطِفقْتُ أهصِرُ بانَةً من قَدِّهاوالقلبُ بين تَوَجُّسٍ وتهَجُّسٍ
حتى اطمأنَّتْ فاجْتَلْيْت بوجهِهاقمرَ السَّماءِ بلَيْلِ شَعرٍ حِنْدِسِي
لمَّا بدا خفِيتْ له شمسُ الضُّحَىفي ثوب غَيْمٍ ترتْديه وتكْتَسِي
نطقَتْ مناطقُها فأُخْرِس دونهانُطْقُ الفَصيحِ وحار فِكْرُ الكَيِّسِ
لِمَ لا وناظُمها الشِّهابُ من اعْتَلىشُهْبَ العُلى بكَمال فضلٍ أقْعَس
فَرْعٌ نَماه إلى خفاجةَ مَحْتِدٌوالفرعُ يُنْبِئ عنه طِيبُ المْغرِسِ
وافتْ لنا منه حديقةُ روضةٍخجِلتْ لبهْجَتهِا عيونُ النَّرْجِسِ
طِرسٌ به زُهْرُ النجومِ كأنهصبحٌ وهُنَّ به بقايا الْحْنِدِسِ
لثَمتْ شِفاهُ الغِيد قِدْماً نِقْسَهفغدا له فيه حياةُ الأنْفُسِ
إنِّي لأَعجبُ من شِهابٍ قد سمامُتَبَوَّأَ العَلْياءِ أرْفَعَ مَجْلِسِ
والشُّهْبُ تطلُعُ في السَّماء وحَدُّهافلَكُ الثَّوابتِ وهْوَ فوق الأطْلَسِ
لا زلتَ في حُلَلِ الفضائلِ رافلامُتوشِّحاً بُرْدَ الشَّبابِ الأنْفَسِ
خُذها وإن كانت مُقصَّرةً فمِنشأنِ الكرام قبولُ عذرٍ من مُسي
شامِيَّةً يعنوُ لباهرِ حسنِهاوجهُ الغزالة والغزالِ الألْعَسِ
وانْعَم بها لا زالتَ تُرشِفُ سمعَنامن رَاحِ نظْمِك مُتْرَعات الأكْؤُسِ
ومما أنشدَنيه قولُه من قصيدة له:
يَراعَك أمْضَى من شِفارِ الصَّوارِمورأيُك أجْلَى من يُراقِ المَباسِمِ
مَضاءٌ يقُدُّ المُرْهَفاتِ وعَزْمَةٌلها في ضِرامِ الخَطْبِ فعلُ الضَّراغِمِ
ومنها:
بسَيَّارةٍ مثلِ النُّجوم طوالعٍقوافِ لعَمْري أفحمتْ كلَّ ناظمِ
تَساقْطَ في الأسماع لُؤُلُؤُ لفظِهاتَساقُطَ طَلٍّ فوق زَهرْ الكَمائمِ
بقِيتَ لهذا المُلْكِ تحمي ذِمارَهبسُمْرِ يَرَاع الخطِّ لا بالصَّوارِمِ
جنابُك محروسٌ وبابُك كعبةٌلبطْحائِها حَجِّى وفيها مَواسِميِ
وله أيضاً:
وكفى به جائراً في الحُكمِ ما عدَلالو كان يسمعُ في أحبابِه عذَلاَ
وراح يُضُمِر سُلْواناً بخاطرهعن مَائِساتِ قُدودٍ تُخجِل الأسَلاَ
بل كيف يصحو غَراماً أو يُفِيق هَوّىمَن باتَ بالأحْور العيْنَين مُشتغِلاً
فما الهوى غيرُ أجفانٍ مُسهَّدةٍتهْمِي بقلبٍ بنيران الأسَى شُعِلاَ
ولا الغرامُ سوَى وَجْدٍ يُكابِدُهإلى الحِمَى يا سَقَى اللهُ الحِمَى نَهَلاَ
حِمَى دِمَشْقٍ سقاها غيرَ مُفسدِهاصَوْبُ الغمام وروَّى روضَها عَلَلاَ
حتى تظَلَّ بها الأرْجاءُ باسمةًويضحك النَّوْر أكمامِه جَذَلاَ
وخصَّ بالجانبِ الغربيَّ مَنْزِلةًلبِسْتُ فيها الشبابَ الرَّوْقَ مُقْتبِلاَ
مَغْنى الهوى ومغاني اللهو حيث بهمَهاً إذا طلعتْ بدرُ السَّما أَفلاَ
تلك المنازلُ لا شَرْقيُّ كاظِمةٍولا العقيقُ ولا شِعْبُ الغُوَير ولاَ
ديارُ كلِّ مَهاةٍ كم أقول لهاوالصبُر ينْحَل في جسمي كما نَحَلاَ
بما بِعْنِيكِ من سحرٍ صِلىِ دَنِفاًيهْوَى الحياةَ وأمَّا إن صَددْتِ فلاَ
اللهُ يعلم أني بعد فُرْقتِهافارقتُ شَرْخ الصَّبا واللهوَ والغَزَلاَ
ما كنتُ لولا طِلابُ المجدِ أهجرُهاهجْرَ امرئٍ مُغْرَمٍ بالرَّاح كأْسَ طِلاَ
ولا تخيَّرْتُ أرضَ الرُّوم لي سكناًولا تعوَّضْتُ عنها بالصَّبَا بدََلاً
ولا امتَطْيتُ عِتاقَ الخيلِ راميةًبِيَ الْمَوَامِي تجوبُ السَّهلَ والجبلاَ
مِن كل مِرْفٍ يفوق الطَّرفَ سُرعتهُوسابحٍ مثل سِيد الرَّمل ما عَسَلاَ
إذا تطلَّع من لُجِّ السَّرابِ يُرَىبدْراً غدا بهلالِ الأفْقِ مُنْتَعِلاَ
ومنها:
متى أتى بِيَ أرضَ الرُّوم مُنتجِعاًروضاً أريضاً وماءً بارداً وكلاَ
وقال بُشْراك روضُ الفضل قلتُ لهروضُ ابن بُستانِ مولانا فقال بَلَى
هو الجوادُ الذي سارتْ مواهبُهتدعو العُفاةَ إلى نْعمائِه الجَفْلَى
ومنها:
وهاكَها من بناتِ الفكرِ غانيةًشاميَّةَ الأصْل مهما سائلٌ سأَلاَ
غريبة في بلادِ الرُّوم ليس لهاكُفْؤٌ سِواك فأنقِدْ مَهْرَها عَجَلاَ
وكتب له أحبابه قصيدةً هَزَّت بنسيم عُتْهِا عِطْفَ آدابه، فأجابه بقوله، عفا الله عنه:
توشَّحَتْ كالنجوم الزُّهر في الظُّلَمِسِمْطيْن من لُؤُلُؤِ رَطبٍ ومن كَلمِ
وقلَّدت جِيدَ آرَام النَّقَا دُرَراُبزَّتْ بهنَّ دَرَارِي الأفْقِ بالقلمِ
وأقبَلتْ في مُرُوطِ الزَّهو رِافِلةًتجرُّ تِيهاً فُضُولَ الرَّيْط من أَمَم
جيداءُ مصقولةُ القُرطيْن ماَئِسةُ الْعِطْفين مخضُوبةُ الأطْراف بالعَنَمِ
كأنها حين وأفَتْ والفؤادُ بهاصَبٌّ صُبابةُ شَرْخٍ مَرَّ كالحُلُم
فما الرَّياض بَكاَها الفطرُليلَتَه بُكاءَ طَرْفٍ قريحٍ بات لم يَنَمِ
شوقاً لِطَيْفِ المُزْن فيه الأقحوانَ ضُحًىعن ثَغْرِ مُبْتسِمٍ بالدُّرّ مُنْتَظِمِ
فالوُرْقُ صادِحةٌ والروضُ ضاحكةٌتغورهُ بَيْن مُنْهَلٍ ومُنْسجِمِ
تجاذِبُ الرِّيحُ أطرافَ الغصون بهافتنْثَني والهوى ضَرْبٌ من اللَّمَمِ
يوماً بأحْسَنَ مَرْأى من شمائِلِهاوقد أتتْ بعِتابٍ من أخي كَرَمِ
مُهذّب القول إلا أنه أُذُنٌيُصْغى إلى قول واشٍ بالنِّفاق سُمِى
لا يعرفُ الوُّدُّ إلا مَذْقَ ساعتهوالشَّاهدُ العَدْلُ ما يتلُوه من قَسَمِ
هيْهات ما الوُدٌّ ممَّن كنتُ أعهدَهُباقٍ وقد حال عن عهْدِي ولم يَدُمِ
فيالَه من عِتابٍ لم يَفُهْ أبداًبمثْلهِ أحدٌ في سالفِ الامَمِ
سِوى امْرئٍ ساء ظنَّا في صنائِعهفساءَ ظناَّ بخِلٍّ غير مُتَّهَمِ
وشاتمُ العرْض فيما قيل، كُنٌ فطِناًمَن بلَّغ القولَ لا مَن ذاك عنه نُمي
لا يُعزَيَنْ ذاك للإحسان والنِّعَمِبل ذاك يُعْزَى لبُهْمِ القاع والنَّعَمِ
كم من أخٍ صارمٍ وُدِّي صبَرْتُحتى ارْعوَى ووِدادِي غُيرُ مُنصرِمِ
يا مَن تُعمِّر منه بيْتَ باطنِهوظاهرُ الأمر أن البيْتَ لم يرمِ
يا مَن به مِن وِدادِي كلُّ خالصةٍأصفوُ بها صَفْوةَ الأخْلاقِ مِن شِيَمي
أصِخِ إلى القول وأسْمعْ ما أقول فَليِصَبْرٌ ركنُ رَضْوَي غيرُ مُنْهَدِمِ
قد كُنْتَ رَيْحانةَ العيْشِ التي بَسَقَتْأغصانُها في حِمَى المعروفِ والكرَمِ
فصَّوحتْ وذَوَى الغصنُ الرَّطيبُ فلادارٌ بَحزْوى ولا رَبْعٌ بذَي سَلَمِ
ولا مَعاجٌ على سِقْطِ اللِّوى وبهجآذرٌ قد كَحلْنَ الوُدَّ بالسِّقَمِ
ولا على طلَلٍ دَمْعٌ يُراقُ ولايُؤَرِّقُ الجَفْنَ ذكرُ اْلبانِ والعلمِ
ولسلَمْ على حالَتيْ وُدٍّ وصَدْق وَلاَما زَان عِقْدَ نِظامِ جَوْهرُ الكَلَمِ
وكان له غلام تُعصَر من شمائله سُلافةُ اللّطَّافة هَمَّتْه في خِدمتِه خِفَّةُ النشاط إلا أردافُه، أحْلَى من ظَفَر عَانى، وألذُّ من حديث الأماني، لو قيل للحُسْنِ تَمَنَّ المُنَى. تمنَّى أنه مثلُه، لشغَفِه به سلَّم له قلبَه، فَسرى به رَبْطه وحَلَّه، فسلبَه منه الزمانُ أبو البدائِع، وما كلُّ خَرْفٍ إذا وَهَى له راقِع، فكتب إلى الشريف أمير الشام، يستعْدِيه على أعدائِه، وأقسم عليه بالحَمِيَّة الهاشميَّة الموْرُوثة من آبائِه، بقوله:
باللهِ يا نَشْرَ العَبير سرَى بِرَوْضاتِ الغَرِيَّ
طاف المشاهدَ وانْثْنَىنَشْوانَ مِن كأسٍ رَوِىِّ
وأقام بالزّوْراء مِنْها في رياض الَخْابريِّ
مُتَنَزَّلِ الآى الكريم ومَهْبطِ الوَحْي السَّنِيِّ
إن جئْتَ رَبْعَ الشَّام فاقْصِدْ ساحةَ الشَّرفِ العَليِّ
أعني الشريفَ ابنَ الشريف ابن الشريف المُوسَوِيِّ
مُتحمِّلا عِنِّي السَّلامَ كمِسْك دَارِين الذَّكِيِّ
لِجَنابِ مولانا الوزيرر وَلِيِّ مولانا عَليَّ
ثم أشرَحَنْ مِن حالِ مولاه المحبَّ الطَّالُويِّ
ماذا لَقى في ثَغْرِ صَيْدا مِن دُرُوزِيٍّ غَوِيِّ
دينُ التنَّاسُخِ ديُنهلا بل يَدِيِن بكلِّ غَيِّ
ويرى الطَّبائعَ أنهافعَّالةٌ في كلِّ شَيِّ
وافَي بمكتوبِ الشريف إليه من بلدٍ قَصِيِّ
يُوصِية فيه كأنَّماأوصاهُ في أخْذِ الصَّبيِّ
فسقاهُ يوم فِراقهِلا كان بالكأسِ الرَّوىِّ
وغدا الحشاَ مِن بعدهِيْبِكي بدمعٍ عَنْدَمِيِّ
في غُربةٍ لا يشْتكىفيها إلى خِلٍّ وفيٍّ
لا جارَ يْحميهِ ولايأْوِي إلى رُكْن قَوِيٍّ
إلاَّ إلى رُكنِ الشريف الطاهر الشِّيَمِ الزَّكِيِّ
حامي حِمَى الشرع الشريف بكل أبْيَضَ مِخْذَميِّ
مولاي لي حقٌّ علْيك فجُدْ به من غْيرِ لَيِّ
بولاءِ حَيْدَرةَ الوَصِيأخي النبيِّ الهاشِمِيِّ
لا تُهْمِلن مِن أخْذِ ثارِي من كَفورٍ بالنَّبيِّ
وابْعثْ إليه مَقانِباًفيها الكمِيُّ على الكميِّ
لو حاربَتْ جُنْدَ القضَاءِ ثنَتْ سُراهُ عن مُضِيّ
جرَّافَةٌ لم تُبْقِ فيأَطْلالِه غيرَ النُّؤِىِّ
وأُشَيْعِثٍ ينْعِي الدِّيارَ مع ابن دَايَةَ في النَّعيِّ
قلتُ: هذا بُردْ سابِريّ أو سحرٌ سَامِرِيّ، تجري منه مياه الفصاحة، وتزهو من مُحَّياه أنوارُ الملاحة، وفيه نَفْحة عَلويَّة، وشِكايةمن ابن مَعْن، وهو من الطائفة الملحدة القائلين بالتَّناسخ، على رأي الحاكم بأمر الله، ويقال
لهم: دُرزِيّة نسبة لحسين الدُّرْزِيّ، وهو صاحب دعوة الحاكم، ومعنى الدُّرْزِيّ: الخيَّاط.
وقوله:) الوصي (هو عليّ ﵁، زعم الشيعة أن ﷺ أوصى بالخلافة للأمام عليّ رضى الله عنه حين تآخى معه في غَدِير خُمّ، وهو أمر مخالف لأهل السنة، إلا أن ممدوحَه كان يقول بذلك، فجرى في شعره على مُعْتْقَدِه، والله أعلم بالسَّرائر.
وقوله:) لو حاربت (غُلُوٌّ كان ينْبغي تركه.
و) الغَرِيّ (موضع بالكوفة، دفن فيه عليّ كرم الله وجهَه.
) والنُّؤِىّ (بضم النون والهمز، جمع نُؤْى، وهو ما يُحفَر حول الخِباء حتى لا يدخله المطر.
والمراد) بأُشَيْعِت (تصغير أشعث، الوَتِد؛ لأنه يشعَت إذا دُقَّ.
) وابن دَايَة (كُنْيَة الغراب، والمراد إنه لا يُبْقى لهم أثراً.
ومما أنشَدِنيه قوله، وقد أرسلها من الروم إلى الشام:
أنُسَيْمةَ الرَّوضِ المطيرِبالعهْدِ في زمنِ السُّرورِ
وأَنِيِقَ أيامِ الشَّباب وعَيْشِه الغَضِّ النَّضيرِ
ووَثيقَ أيامِ التَّصابي يالَمَعْهدِها الخطيرِ
ومعاهدٍ كان الشَبابُ وشَرْخُه فيها سَميرِي
هوَّمْتُ فيه فصاح بيداعي الصباح المُستَنِيِرِ
فطِفتُ أنظرُ منه فيأعْقابِ بَرْقٍ مُستَطيرِ
قد كان حسَّانُ المرابِع فيه حسَّانَ البُدورِ
أيامَ غُصنُ شبيبَتِيريَّان من ماءِ الغرورِ
وُذؤابتي شَرَك المَهَاوحُبَالَة الظَّبْي الغَرِيرِ
حيثُ الشَّبيبةُ روضةٌغنَّاءُ صافيةُ الغديرِ
فَنَّاءُ رائدُها المَهَاةُ الرُّودُ من رِيمِ الخُدورِ
من كلِّ مُخْطفة الحشَاكأخِى الرَّشا أختِ الغَرِيرِ
طلعَتْ بليل ذوائبٍأبهْى من القمرِ المنيرِ
بيْضَاءَ وشَّحَت التَّرائبَ والنُّحورَ من الثغورِ
فكسى معاطِفَها الشَّبابَ الرَّوْقَ حسَّانُ الحَبِيرِ
تمْشِي أنَاةَ الخطْوِ فيها رَوْعةُ الظَّبْيِ النَّفُورِ
قوِيتْ على قْتلِي وفيألْحاظِها ضَعْفُ الفُتورِ
وبما جرَى يومَ النَّوىمن دُرِّ مَدْمِعها النَّثيرِ
كالعِقْد أسْلَمه النِّظامُ من التُرائبِ والنُّحورِ
وبوَقْفةِ التَّوديعِ والْأَنْفاسُ تَصْعَد بالزَّفيرِ
ويَدُ الفِراق تشبُّ في الْأحشاءِ نِيرانَ السَّعيرِ
إلاَّ سَرَيْتِ مع الصَّبايا نَسْمةَ الروضِ المطيرِ
فاجْتَزْتِ من أرض العراقِ على الَخْوَرْنقِِ والسَّديرِ
ووقفتِ بالزَّوراءِ وَقفةَ زائرٍ أوفى مَزُورِ
وحملْتِ للكرْخِ التَّحِيَّةمن أخِى شجَنٍ أسيرِ
ونزلتِ من نهر الأُبُلَّةِ والصَّراةِ على شَفِيرِ
وأقمتِ في شطَّ الفُراتِ بمُلتَقى العذْبِ والنَّميرِ
وسمعْتِ هَينَمةَ الرِّياض وصوْتَ جائشةِ الخريرِ
وجذَبْتِ في تلك الحداِئقِ طَوْقَ ساجعةِ الهَدِيرِ
خُفَّتْ بسَرْوٍ كالقِيانِ تلفَّعتْ خُضْرَ الحريرِ
ولثَمْتِ خدَّ الروضِ فيهـ نباتُ رَيْحان طَرِيرِ
وثنَيْتِ عِطْفك والصّباحُ يكاد يُؤذِنُ بالسُّفورِ
وأتيتِ بابل فاصْطَبَحتِ بمثل مصباح منيرِ
يُغْنِيِك مُتْهِمَةً ومُنْجِدَةً سناها عن خَفيرِ
ثم انبريْتِ مع الجَنُوب وحُدْتِ عن مَسْرَى الدَّبُورِ
حتى نزلْتِ على الأراكَةِ أو رسَيْتِ على ثَبِيرِ
فسقطتِ مِن أرض الخُزَامَي والبَشاَمِ على الَخبِيرِ
وطلْعتِ نَجداً والدجىيُسْتَلُّ من أثواب قِيرِ
ومشيْتِ فوق عَرَارِهما بين حَوْذانٍ وخِيرِ
وهبَطتِ غَوْرَ تِهَامَةٍوالشُّهبُ مالَت لِلغوير
ونزلْتِ في سَفْحِ الأراكِ وشُفْتِ زاهيةَ البريرِ
وسلكَتِ من وادي العِقيق منابتَ العَجَم الشَّكِيرِ
وأمَلْتِ فيه ذوائبَ الأغصانِ من طَلْحٍ نضيرِ
وهصَرْتِ باناتِ النَّقاهصْر الرَّوادف للخُصورِ
فحملْتِ منها من غَوالي المِسْك فاغِيةَ الزَّهورِ
وعبرْتِ دَارِيِنَ العطارِ وشِمْتِ غالِيةَ العبيرِ
وازْدَدتِ من أرَج الكباءِ ورَنْدِه عند المسيرِ
وجَزَعْتِ وادي الشَّحْر ليلاً وانثنَيْتِ مع البُكورِ
والصبحُ يخطُر في الدجْىكالوحْيِ يخطُر في الضميرِ
والنَّسْر فيه واقعٌخوفَ الصباح لدى الوُكورِ
وكواكبُ الجوْزاءِ مُمْسكةُ الأعِنَّة عن مسيرِ
خافت سُهَيْلا فانتضَتْسيفاً من الشِّعْرَي العبورِ
والنجمُ يهْوي للغروبِ كأنه كفُّ المُشيرِ
فهبطْتِ رَبْع الشامِ دارَ اللَّهْو بل مغْنى السُّرورِ
ونزلْتِ بالوادي المقدَّسِ شاطئاً غيرِ الشطيرِ
وخطَرْتِ من بطْحاءِ وادي النَّيِربَيْنِ على الصخورِ
ووقَفْتِ في تلك الرُّبىما بين روضٍ أو غديرِ
وقرأْتِ سُكَّانِ القصور بها السلامَ بلا قُصورِ
لا سِيمَّا شيخِ العلوم مفيدِ أربْابِ الصُّدورِ
شمسِ الهدايةَ والدِّراية شيخِ جامِعها الكبيرِ
كشَّافِ أسرار البلاغةِ عُمْدةِ الفتْحِ القديرِ
مُعلىِ منارَ الشّرعِ مُغْنى المُعتَفِى كنزِ الفقيرِ
ورئيسِها قاضي جماعتِها المُحكَّمِ في الأمورِ
الفاضلِ اللَّسِن المفُوّهِ والمُنزَّهِ عن نظيرِ
أعْنِي به القاضي مُحبَّالدِّين ذا الرأيِ المنيرِ
مَوْلَى أراعَ يَرَاعُهقلبَ الطُّروسِ مع السُّطورِ
ببديع وشْيٍ مُخجِلٍوشْيَ البديعِ أو الحَرِيرِي
وأبى الضِّياَ حسنِ حليفِ الفضلِ والأدبِ الغزيرِ
عجَباً له فاق الأوائلَ وهو في الزّمنِ الأخيرِ
أدبٌ يروقُك مثلُ زهرِ الروضِ غِبَّ حَياً مطيرِ
ومنها:
ومُشيَّدِي أرْكانهاأمراءِ مُعلمِها الخطيرِ
منهم جَنابُ الطَّالُوِيّ سليلُ أرْتَقَ ذِي السَّرِيرِ
مُحْيِي مكارمَ حاتمٍبين الأنام بلا نَكيرِ
والمنجَكِىُّ مُحمدُ السَّامِي على الفَلَكِ الأثِيرِ
فهو الأميرُ ابن الأميرِ ابن الأميرِ ابن الأميرِ
ذكَرتْهُمُ الأنواءُ ذِكْرِى بالعَشِيَّ وبالبُكورِ
وكساهمُُ خُلَعَ الشبابِ الرَّوْقِ مُقتَبلُ الدُّهورِ
وقد عارض بهذه القصيدة ما في) الحماسة (وللناس على مِنوالها قصائدُ كثيرة، أحسنها ما للشَّريف الرَّضِيّ:
نطَق اللسانُ عن الضَّميرِوالسِّرُّ عُنْوانُ الصُّدورِ
وعلى مِنْوالها لأبي بكر الخُوَارَزْمِيّ قصيدةٌ، مطلعها:
إن الأُلى خَلْفَ الخُدورِهم في الضَّمائرِ والصُّدورِ
وقع الغُبارُ عليهمُفغدا يَتِيه على العبيرِ
لمَّا مشَيْن على الثَّرىتاهَ الترابُ على الأثيرِ
يا سائِلي مَن في الهوادجِ والبَراقعِ والستُّورِ
فيها الرَّضاعُ من الِمنَّية والفِطامُ عن السُّرورِ
وأنشدني من قصيدة أخرى له:
ذكر العقِيقَ فسال في أجْفانهفاشْتفه وجداً إلى سُكَّانِهِ
واشْتَمَّ في ريح الصِّباَفصباَ حليفَ جَوًى إلى أوطانِهِ
وشجاهُ مسجورَ الفؤادِ إلى الحِمَىوُرْقٌ سواجِعُ هِجْنَ مِن أحزانِهِ
تملى من الورق الغرام وطالمَادُرِستْ فنونُ العِشْق من أفنْاَنِهِ
فيهِنَّ سالِمةُ الحشاَ من لوعةٍلم تَدْرِ طعمَ الوصلِ من هِجْرانِهِ
تمسِي وتصبحُ في أرائِكِ أيْكِهامع إلْفِها والعمرُ في رَيْعانِهِ
ترْتادُ أرضَ الشامِ أخْصبَ منزلٍحيثُ العَرارُ صفاَ إلى حَوْذَانِهِ
حيثُ المغاني مُشرِفاتٌ بالدُّمَىوالغانياتُ يطُفْنَ حول مغانِهِ
في ظلَّ مُنْبَجِس اللُّجَيْنِ جرى بهذهبُ الأصيل يسيلُ من عِقْياَنِهِ
أحْوَى الظِّلاَلِ كان سُمرَتَهُ لُمًىعذْبٍ المراشِفِ نَدَّ عن غزْلانِهِ
بَيْناَ تردَّد فيه من عذْبٍ إلىعذْبٍ يتُوق إلى العُذَيْبِ وباَنِهِ
مع صَفْوِ عيشٍ إذ رمَتْها نِيَّةٌللرُّوم فاجَتْها يُسود رِعانِهِ
هبطَتْ بها الأقدارُ أرضاً لم يكُنْفيها نزولُ الوَحْيِ مَعْ فُرْقانِهِ
سوداءُ مُظلمِةُ الرِّحابِ كأنهاقلبُ الحسودِ علَتْهُ ظُلْمةُ رَانِهِ
فغدَتْ تَنوُحُ على البلادِ بمَدْمَعٍسَحٍّ يُباَرِي الغيْثَ في تهتْاَنِهِ
مأسورةَ القلبِ المُعنَّى من جَوًىمسجورةَ الأحشاءِ من نِيرانِهِ
تبْكيِ إذا ذُكرِ الحِمَى حيث الحِمَىروضٌ تُغرِّد في ذُرَى أغْصانِهِ
تنْفَكُّ تنثُر لؤلؤاً من أدمُعٍكالدُّرِّ يُنْظَم في سُمُوط جُمَانِهِ
حتى ترى روْضَ الحِمَى أو تجْتلِيروضَ ابن بُستانٍ وحيدِ زمانِهِ
ذو رُتْبةٍ في المجدِ رامَ بلوغَها الْفَلَك المُحيطُ فلَجَّ في دوَرانِهِ
سبقَته فاستْعدَى عليناَ طاوياًلصحائفِ الأعمارِ في سَرَعانِهِ
وله من أخرى:
لي فيكمُ كدَرَارِي الأُفْقِ سائِرةٌهِيِ اللآَّلِئُ ألا أنَّها كَلِمُ
مِن كلَّ شامخةِ العِرْنيِن تَحسَبُهُاَفي الشَّعر ليْثاً لها من نفْسِها أجَمُ
تبْقَى على صفحاتِ الدهر خالدةًكالأنجُمِ الزُّهْرِ عِقْداً ليس ينْفَصِمُ
أو غادةٌ حسنُها قَيْدُ النَّواظرِ فيألْحاظِها سَقَمٌ في أنفِها شَمَمُ
وله من أخرى:
حِمَى الشَّام جادَ الغيثُ ما حلَّ تُرْبَهمغانيِ الهوى فيها مغاَنيِ أحبَّتِي
وباتتْ بأَغلَى النَّيْرَ بَيْنِ مع الصَّباتطارحُها ذِكْرى عهودٍ بربَوْةِ
على نَهَرٍ حَصْباؤُه الشُّهْبُ قد جرىخِلالَ سَمَا رَوْضاتَها كالمجرَّةِ
يجاوبُ تَسْجاعَ الحَمامِ خَرِيرُهفتُصغِي له الوَرْقاءُ من فَوْقِ أيْكَةِ
ولله دَرُّ أبي الحكمِ، في قوله في هذا المعنى:
وتحدَّث الماءُ الزُّلال مع الحصَىفجرى النَّسيمُ عليه يسمعُ ما جرَى
فكأنَّ فوق الماء وَشْياً ظاهراًوكأنَّ تحتَ الماءِ سِرُّا مُضْمَرَا
وقوله من أخرى:
بَيَاضُ طِرْسِ جرى ذَوْبُ النُّضَارِ علىلُجَيِنِه بلآلٍ حيَّرتْ فِكَرِي
كاللُّؤلؤِ الرَّطْبِ إلا إنها فِقَرٌغيرُ الأديب إليها غيرُ مُفتقِرِ
ومنها في السُّفُن:
ركائبٌ ليس ترْضَى بالجديلِ أباًلكنها من بناتِ الماءِ والشَّجرِ
شُمُّ العَرانِين دُهْمٌ ما بها وَضَحٌإلا نُجومُ الَّياليِ مَوْضِعَ الغُرَرِ
ما زلتُ أجِدفُ طُوفانَ الخُطوب بهاوأتَّقِي حادثَ الأيامِ والضَّررِ
ومنها:
خُذْها فدَتْكَ نفوسُ الشِّعر قاطبةًفقد علَتْهُ بمدحٍ فيك مُبتَكَرِ
طائِيَّةُ الأصلِ إلا أنها نشَأتْبرَبْوة الشّامِ في روضٍ على نَهَرِ
ورأى نَيْلَوْفَرَة صدَفَاً لِدُرَ السحاب، وحُقَّه لجوهر النَّدى المُذاب، كأنها بَوْتَقة أذابَ بها الجوُّ نُضارَه، أو كأسٌ في يد مُصْطبِح يُداوِي بها خُمَاره، أو مقلةُ صَبٍّ كئيب قد فَجأة على الغفْلةِ الرَّقيب، بعد ما امتلأتْ بدمعِ الهوى، وتردَّد فيها الدَّمعُ من حَيْرة النَّوى، وقد طفَا عليها الماءُ الزُّلال، فبلغ حافاتِها وما سال، بل لِخَشْية فراقِها، تشبَّثَ بأهْداب أوراقِها، فقال مُضِّمناً وأجاد:
ونوفرةٍ كعين الصَّبِّ شَكْرَىتَجُمُّ الماء خشيةَ أن يُراقَا
ذكرتُ لها النَّوى يوماً ففاضَتْوصارت كلها للدِّمعِ ماقَا
) وشكري (بشين معجمة بمعنى ممتلِئة، وهو من قصيدة للمُتَنَبِّي، أوّلها: نظرتُ إليهمُ والعين شَكْرَى فصارت.........الخ وأنشدني له أيضاً:
شامَ بَرْقَ الشَّامِ بالرُّومِ خدوعافانبرَتْ أجفانهُ تذْرِى الدُّموعَا
هَبَّ من عَلْيا دِمشْقٍ مُوهِناًهَبَّةَ المِصْباح في الليل ذَرِيعاً
جَزَع الآفاق في هَبَّتِهوأتى الرُّومَ سُرَى الأيْم جزوعا
خفَقت راياتهُ في أُفْقِهخَفَقَان القلبِ قد أمسى مَرُوعَا
وقعتْ شُعلتُه وَسْط الحشاوسَنَاه طارَ في الجوَّ رفيعاَ
ليس يدْرِي وَقْعَها غيرُ شَجٍفارق الأوطانَ مثلِي والربُّوعَا
أو مُعَنَّى بهوَىً تَيَّمَهُمن غزالٍ لراح للوصلِ مَنوُعَا
يُخجِلُ الشمسَ سناهً وسناًومَهاةَ الرَّمل جِيدا أو تَلِيعَا
أسْهَر الجَفْنَ خَلِيَّا عن كَرًىمُقْلَةً لا تَطعَمُ النومَ هُجوعَاً
كيف يكْرَى ناظرٌ فارقَهناضِر العيشِ من اللَّيلِ هَزِيعاً
وشبابٌ شَرْخُه مُقتبِلٌكان للصَّبِّ لدى الغِيدِ شَفيعَا
لم يكن ألا كحُلْمٍ وانْقَضَىأو خيالٍ في الكرى مَرَّ سريعَا
أزْمَعَتْ حسْرتهُ لا تنْقضِىآهِ ما أسرعَ ما ولَّى زَمِيعَا
لستُ أرضى منه بالسُّقْياَ لهوسحابُ الْجَفْن يسْقيه النَّجَيعَا
والذي هاج الهوى قُمْرِيَّةٌبالضُّحَى تهتِفُ بالأيْكِ سَجُوعَا
كلما ناحَتْ على أفْناِنهاهاجَت الصَّبَّ غراماً ووُلوعَا
وإذا عنَّتْ له غَنَّت لهذكَر الشَّامَ فزادَتْه صُدُوعَا
يا سقىَ اللهُ حِماها وابِلاًمُسْبَل الطَّرفِ من الغيْثِ هَمُوعا
حيث رَبْع اللهو منه آهِلٌوالغواني في مغانِيها جميعاَ
كل رُودٍ لبستْ شَرْخَ الصِّباوهَوًى إن تدْعه لبَّى مُطِيعَا
كم لنا فيعنَّ من بَهْنَانةٍوَلِعَ القلبُ بها خُوداً شَمُوعَا
لستُ أنْسَى ساعةَ التَّوديع إذْوقفَتْ في موقفِ البَيْن خُضوعَا
وهْيَ تَذْرِي لؤلؤاً من نَرْجِسٍفوق وَرْدٍ كاد طِيباً أن يَضُوعَا
علِقتْ ذَيْلي وخانَتْها الهوىفانثَنتْ من وقفةِ البَيْن صَريعَا
وأفاقَتْ وبها حَرٌّ الجوَىثم قالتْ وشكَتْ دهراً خَدُوعَا
لا رعَى اللهُ المعالي مَطلَباًكم نرى صباَّ بها مُغْزًى وَلُوعَا
كنت لي بدراً منيراً فاخْتفىفي سِرارٍ بعد ما سَرَّى طلُوعَا
وشباباً لاح بَرْقاً عندماأشعلَ الرَّأْسَ سَناً راح سريعَا
أيها الظاَّعنُ والقلبُ علىإِثْرِه مذ سار ما زال هَلُوعاَ
لا تكنْ للعهد بعدي ناسياًيا حياتي واعْطِفَنْ نحوي رُجوعَا
وهي طويلة، ذكر فيها تغرُّ بَه بالروم، واشتياقَه للشام.
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع