تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

المعروف بابن الْحَنبَليّ

والسماءِ والطَّارق، وما أدراك ما الطَّارق، هو في ميدانِ الفضلِ وحَلْبة الشّهْباء سابِق، وأيُّ سابق، وعصرُه كان مِسْكَ خِتامِها، وسَحَرَ ليالِيها وأصِيلَ أيّامِها، نوّرتْ حدائقُها بغَوادي شمائِله، وتحلَّى مِعْصَمُ مجدِها بسِوار فضائِله.

حيثُ الْتقَى نَفَسُ الأقاحِي والصَّباوترنُّمُ الحسْناءِ والورْقاءِ
وجرى النَّسيمُ يجرُّ فضلَ ردائِهِمُتبخْتراً يجْلي من الخُيَلاءِ
نشوانَ يَعثُرُ بالغصونِ لطافةًمنه فيسقُطُ في غديرِ الماءِ

درَّس فيها، وأفْتَى، وطَمَى بحرُ فضائِله فترك الحُسَّاد يضربون حتَى.

وله نَظمٌ كما انتظَمتْ دَرارِيُّ الزُّهْر، ونَثْر كما نثَرتْ الشَّمال على وَجَناتِ الرياض لآلِئَ القَطْر.

وله تصانيف جَمَّة تزيًّنَتْ بها البلاد، وأمستْ تمائِمُها مَنُوطةً بأجْياد الأجْواد، فهو نسِيج وَحْدِه، آثارُه في حُلَل الفضل طِرازٌ مُذْهَب، وأسدٌ في مجادلةِ العلماء لا يُذْكَر عنده ثَعْلب.

وله مُحاضَرات لو ذُكِرت للرَّاغب لسعَي لها راغباً، أو لسَحْبان ظَلَّ لذيل الخَجْلةعلى وَجْهِ البسيطةِ ساحباً.

فمما هبَّتْ به صَبا الأسْحار، وغرَّدتْ به على كرسِيِّ الرُّبَى حَمَائمُ الأخبار، قولُه:

يلومُونَنِي في تَرْكِ ضَمِّ قَوامِهولا إذْنَ للنُّسَّاكِ في الضَّمِّ واللَّثْمِ
نعم بيننا جِنْسِيَّةُ الوُدِّ والصَّفاولكنَّني لم أُلْفِها عِلَّة الضَّمِّ

وقوله:

يقولون لي والشَّيْبُ عاَثَ بلحْيَتيعِناقُك عذْراءِ الحِمَى غيُر جائزِ
أعَن نارِ خَدَّيْها التي هي مُنْيَتيأَمِيلُ وأسْتغْني ببَرْدِ العجائزِ

وله:

قوامُكَ يا بدرَ النُّجاة كأنَّهُقَناً أو قَوامُ السَّروِ أو ألفْ الوَصْلِ
وعينُكَ فاقتْ كلَّ عْينٍ بكُحْلِهافما أنْتَ إلا زَيْدُ مسألةِ الكُحْلِ

وقوله:

لكم هِمَمٌ نِلْتمُ برَمْي شِباكِهامَرامَكُمُ لما قَطعتُمْ بها البَيْدَا
وعُدتُم إلى المَغْنَى بما نِلْتمُ وقدتولَّيْتُمُ صَيْداً فكان لكم صَيْدا

وقوله:

كنا سمِعنا بأوصافٍ كمُلْتَ بهافسَرَّنا ما سمعِناه وأحْيَانَا
مِن قبل رؤيِتكْم نلْنَا محبَّتَكُموالأذْنُ تعشَقُ قبل العْينِ أحْيانَا

وهو لبشّار، وأوله:

يا قومُ أُذْنِي لبَعْضِ الحيِّ عاشِقَةٌإلخ

وفي معناه قولُ الحِلِّيّ:

وهوِ يتكُمْ قبلَ اللِّقاءِ كماتُهْوَى الجِنانُ بِطَيِّبِ الأخْبارِ

ولصاحب التَّرجمة أيضاً رُباعيّة، وهي:

طَرْفاكَ كلاهُما ضعيفٌ وعليلْمِثْلي وأنا العليلُ من أجلِ عَليلْ
مِن ضَعْفِي قد صرَفتُ مَيْلي لهماوالجِنسُ إلى الجنسِ كما قيل يميلْ

قوله:) والجنس (إلخ، من أمثالِ مُولَّدي العجمْ، ومثله قولهم: الجنْسِيَّة عِلَّة الضَّم، وهو كما قيل: إن الطُّيورَ على أجْناسِهاَ تَقَع وشِبْهُ الشَّيءِ مُنْجذِبٌ إليْهِ وله من ابيات المعاني، في مليحٍ من بني تَمِيم:

ومُهَفْهَفِ الأعْطافِ قلتُ له انْتسِبْفأجابَ ما قَتْلُ المحِبِّ حَرامُ

وله مضمناً:

حَمى ثَغْرَه الضَّحَّاكَ صَمْصَامُ جَفْنِهكما صِينَ بالتَّعذيرِ خَدٌّ مُوَرَّدُ
أخَدَّ حبيبي لا تزِدْ زرديةفحسبُك والضَّحاكَ سيْفٌ مُهَنَّدٌ

والضَّحاك اسم مَلِك العرَب، لكنه وافقَ صيغةَ المبالغة من الضِّحك.

ومثلُه من نوادر العربيَّة.

ومن فصوله القصار: إنما تُلْقَى المخاصِر إلى كريم العناصر: لا تجعلِ الدنيا للآخِرة ضَرَّة، ومن يَنْكحُ أمَة على حُرَّة.

ما أخَسَّ الكلبَ العَوَّا، وإن صَعَد إلى السِّماك والعَوَّا.

الصِّحَّة رأسُ المال، ورِبحُها حَسَنْ الأعْمال.

تذْكيرُ المواعظ صَابون، لمن هُمْ عن دَنَسِ الأخلاق صَابُون.

إذا كان النَّدَى مات، فالسُّؤال أعْظمُ النَّدامات.

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.