تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

تقيُّ الدِّين بن معروف

سماءُ فضلٍ بإطْلاع نجوم الكمال معروف، وشموسُ معارفِه لا يعْتريها كُسوف، ورياضُ عِلْمه أنِيقة، ودَوْحَة مجدِه وَرِيفَة الظلوَرِيقَة.

إذا مسَّ الأقْلامَ سجدَتْ في محاريب الطُّروس شكراً، ومادت من مُدام مِدادِه هائمةً سُكْرا، فكم لِلَيْل حِبْرِه المِسْكِيّ الأنفاس يدٍ بَيَّض اللهُ بها مُحيَّا القِرْطاس.

تُخبِّر أنَّ المانَوِيَّة تَكْذِبُ وله في علم الفلَك أنْظار تَنُم بأسرار كواكِبه، وإن كتم قلْبَه على لِسانِ أسرار صاحِبه، بَوَّأه اللهُ منه مكاناً علِياً، فتَلا لمن رَامَه سِواه:) أَعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيَّا (فكم صعد له بخَطواتِ فكره وسَما، واتَّخذ خُطوطَ جدَاوِلِه للعُروج إليه سُلَّما، فكلَّما طارت حمائمُ النجوم من بروجِ أقْطارِها، جعلها بِطاقةً تَطِير في الآفاقِ لتْبليغ أخْبارِها، فلو كان لعُطارِد الخِيار كان بدَنانير الدَّرارِي له مُشْترِي، ولو أراد مَدْحَه أطْراه بقَول ابن الروميّ غيرَ مُفْترِي:

أعلاكُمُ في السَّماءِ مجدُكمُفلستُمُ تجهلون ما جَهِلاَ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قل لأبي سهل الذي ترك »
شافَهْتُمُ البدرَ بالسُّؤالِ عن الْأمرِ إلى أن بلغتُمُ زُحَلاَ
لم تُدْرِكوا قطُّ بالحسابِ بَل الْأحسابِ علماً لكمْ ولا عَملاَ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قل لأبي سهل الذي ترك »

ولم يزل مُتقلِّداً بصارم القَضا، قانعاً من معشوقتِه الدنيا بحالَتي الصَّدِّ والرِّضا، حتى أراد أن يجدِّد لأسْتاذِنا رصَداً:) وَإنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدا (غافلا عن حَركات الفَلَك، حتى قال له: نبَّهَك اللهُ ما أغْفَلَك، فدارت دوائرُه على مدارِها، وصارت زاويةُ قبْرِه حادَةً بعد ما كانت مُنْفَرجة في أقْطارِها، وشكْلُ العَرُوس من زُخْرُف الحياةِ له أطْماع، وهو لمن تأمَّلَه شكل قطاع.

والموتُ للإنْسانِ بالمِرْصادِ وقد طالعتُ له رسائل فلَكيَّة، وبعض تحريراتٍ هنْدسِيَّة؛ تدلُّ على عُلُوِّ كَعْبِه فيها، وُرقِيَّة من حَضِيض الخمول إلى سماء معالِيها.

وله شعر وَسَط، ونثرٌ غرِيبُ النَّمَط، كقوله في مدح العَّلامة أبي الفتح المَالِكيّ:

يا كَعْبةً يؤُمُّها أُولو النُّهْىَوسِدْرةَ الفضْلِ إليْها المُنتهَىَ
لأنتَ في العالَمِ فردٌ علَمٌبل كلُّ الخلقِ عِلْماً وهُدَى
والفضلُ لمَّا قال إن مَالِكِيبالشَّامِ كُلُّ قد أقَرَّ بالولاَ
رَفَعْتَ قَدْراً وعَلَوْتَ رُتْبةًوفُزْتَ بالتَّقْديمِ حالَ الابْتِدَا
وفُقْتَ أهلَ الأرضِ بالعلمِ الذيأُتيتَه مولايَ من ربِّ السَّمَا
يَصْرِفُ لُبَّ المرءِ نحو لفْظِهإذ يُعْرِب الفضلُ على هذا البِنَا

وقوله من قصيدةٍ في مدح أستاذي سعد الدين الشاعر:

صَباحُ الأمانِي في صَباح مكارمتجلّتْ على عَرْشِ الجلالةِ والحمْدِ
مطالعُ ما زالَتْ طَوالِعُ بالَسَّنَاتُعِّممُ آفاقَ المكارمِ بالسَّعْدِ

)

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.