تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

شيخ الإسلام عماد الدِّين الْحَنَفِي الشَّامِيّ

ماجد طويل النِّجاد، له بيت كرمٍ رفيعُ العِماد، من غير قَدْحٍ فيه وارِى الزِّناد، ممن رُفِع فوقَ هامة السِّماك مِهادُه، إذا شُيِّد بيتُ الشِّعر وعُمِّر رَبْعُ الأدب فهْو عمادُه، وإذا بدَى ربيعُ طَبْعه نشَر على البقاع وشَائِع، يُحْيي دارسَ الفضلِ فيُصبِح وهو مشهورٌ بها وَشائِع، وجواد قَرِيحتِه مَلآْن العِنان، سبَّاق إلى مغارِس قُصُب الرِّهان، بعَذْب مشرَب كأنه جَنَى النَّحل ممزوجاً بماء الوقائِع، فما رِيح الشَّمال وما الرَّاح الشَّمول، وما وَجَنات الورْدِ خَمَشَتْها راحةُ القبول.

له لُطْفُ خُلُقٍ يسْعَى اللطفُ لينظُر إليه، ورقيقُ محاسن يقِف الكمالُ متحيِّراً لدَيْه، ألذُّ من إغْفاءِة الصَّباح، وأحْلَى من مذاقِ الظَّفَر من ثَمرات النَّجاح.

وأنا وإن لن تقَعْ لي عليه عَيْن، فسماع الأخبار إحدى الرُّؤيتَيْن، على أنِّي إن لم أرَ الأسدَ فقد رأيتُ شِبْلَه، وسيأتي ما بْيني وبينه من المحبَّة والخلَّة، لمَّا قِلْتُ بظلِّ الشَّام، في روضة أطلَّت على نَهَر تَفْتَرٌّ مباسِم النَّوْر فيها عن لآلئِ المطر.

وكان صَدْراً لكلِّ نَاد، حتى قرَض الدهرُ منه رفيعَ العِماد:

وزهْرةُ الدنيا وإن أيْنعَتْفإنَّها تُسْقَى بماء الزَّوال

وللطَّالُوِيّ فيه مدائح وبينهما محاورات، منها قوله:

عهدَ السرورِ ورَيْعانَ الهوىالنَّضِرِ سقاكَ عهدُ الحَيَا رَقْراقَ مُنحِدرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
وجاد رَبْعَك وَسْمِيٌّ تُكرِّرُهرِيحُ الصَّبا بين مُنْهَلٍّ ومُنهمِرِ
وغرَّدتْ برُباكَ الوُرْقُ وابتكَرتْبلَحْن مَعْبَد تتلُو طَيِّبَ الخَبرِ
ولا برحتَ مغان للحِسان ولارمَتْك أيدِي النَّوى بالحادثِ الغَدِرِ
ولا أغَبَّتْكَ أرواحُ النَّسيم ولاعَدَتْ مغانِيكَ أخْلافٌ من المطرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
كم لي بها وشَبابي الغَضُّ مُقتبِلٌمن منْزلٍ آهل بالشوقِ والذّكرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
كم اجْتلَيْتُ بدوراً من مطالِعهاقد لُحْنَ تحت سناءٍ من سنَا قمرِ
من كلِّ رُعْبُوبٍةَ تهْفُو بمُصْطَبَرِيقد زانَها الحسنُ بين الدَّلِّ والخَفَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
وَودٌ كسَتْها يدُ الأيَّام ثوبَ صِباًوصيَّرتْها الليالي فِتنَةَ البشرِ
هيْفاءُ صَبَّ الصِّبا ماءَ الشبابِ علىأعْطافِها وكساها حُلَّةَ الخفَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
قامت تُعانِقُني عند الوِداع وقدقلَّدْتُها من دموعي رائِقَ الدُرَرِ
تقول والبَيْن تغْشاها ركائبُهبمَدْمَعٍ فوق روضِ الخدِّ مُنْحدِرِ
لا تعتِبِ الدهرَ إن حالَتْ خلائقُهفصَفْوُ رَوْنَقِه لم يخْلُ من كَدَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
وإن تَرُمْ تتَّقى من صَرْفِه نُوَباًفالْجأْ لظلِّ عماد الدِّين تسْتتِرِ
مولَى غدَا رَبْعُه أمْنَ المَرُوعِ كذاجنابُه ظلَّ مأوَى الخائفِ الْحَذِرِ
لا زال يسمُو إلى العَلْياء مُرتقِياًبسُؤُدَدٍ مجدُه عالٍ على الزُّهرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
حتى امْتطَى صَهَواتِ المجدِ ساميةًيخْتالُ في حُلَلِ الأوْضاحِ والغُرَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
بهِمَّةٍ تُجْتَلَى كالليثِ ذا أشَرٍوعَزْمْهٍ كمضاءِ الصَّارمِ الذَّكرِ
ما فاضلٌ قطُّ جارَاه إلى أمدٍفي البحْثِ ألا انْثَنى بالعِيِّ والحصَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
أقْلامُه السُّمْرُ في بِيض الطُّروسِ إذاسمَتْ أرَتْكَ فِعالَ البِيضِ والسُّمرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
له سجاياَ كزَهْرِ الروضِ غِبَّ نَدًىوقد تَوشَّحَ بالأبهارِ والغُدَرِ
يْلقاكَ طَلْقَ المُحَيَّا وهْو مُبتسِمٌبمَنِطقٍ وِرْدُه أحْلَى من الصَّدَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
ما الروضُ جادَتْ له الأنْواءُ بالبُكَرِفكلّلَتْ دَوْحَهُ الْمُخْضَلَّ بالزَّهَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
جادَ الغَمامُ له سَحَّا بوابِلِهوقد كسَتْه الصَّبا من رِقَّةِ السَّحَرِ
تخالُ زَهْرَ الأقاحِي في خمائِلِهزُهْرَ الْمَجَرَّة صِينَتْ عن يَدِ الغِيَرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
يَشدو الْحَمامُ على أغْصانِهِ سحَراًفيَبعثُ الشَّوقَ في أحْشاءِ مُستعِر
يا فاضلاً قد جلَت أبكارُ فِكْرَتِهغُرَّ المعاني بها في أحْسنِ الصُّوَرِ
يا ابنَ الكرامِ ومَن شادُوا بعزْمِهمُركنَ العُلا سامياً في سالِفِ العُصُرِ
يا عِماداً لِبَيْت الفضلِ يرفُعهوكان من ضَعْفِه يُلْقَى على خَطَرِ
إلى ذُراك انْتَمَتْ فاقْبَلْ على دَخلٍنسِيجَها يا رئيسَ البدْوِ والحَضَرِ
لا زالتَ في نِعمةٍ تسمُو بسُؤُدَدِهاهامَ السِّماكيْن حيث النَّسْرُ لم يطِرِ
ما ناح بالأيْك قُمْرِيٌّ وما سجَعتْوُرْقُ الحمائم بالآصالِ والبُكُرِ
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة

فأجاب رحمة الله وأجاد بقوله:

أحَلْىُ حَوْراءَ أم عِقدٌ من الدُّرَرِأم زَاهِرُ الزُّهْر أم زَاهٍ من الزَّهَرِ
أم الحُبابُ على راحٍ مُروَّقةٍأم نَفْثةُ السِّحرِ ذِي أم نَسْمةُ السَّحَرِ
أم نظمُ دُرٍّ زَهَتْ آياتُ منْطقِةفأعْجَزتْ كلَّ ذِي نظْمٍ ومُنتثِرِ
يا نافثَ السِّحرِ مِن فِيه بمُعجِزَةٍعقَدْتَ ألسُنَ أهل البدوِ والحضَرِ
ويا مُديراً سُلافاً من بلاغِتههلاَّ ترفَّقْتَ بالألبابِ والفِكَرِ
ويا أبنَ طَالُو وإن طال الزَّمانُ فمالنا بلوغٌ إلى عَلْياك فاقْتصِرِ
أخذْتَ فَصَّ المعاني من معادنِهوغُصْتَ في أبْحُرِ الآدابِ الدُّرُرِ
وحُزْتَ جَمْعَ المزايَا وانْفرَدتَ بهاولم تدَعْ للسِّوَى شيئاً ولم تذَرِ
وجئتَ من كلِّ معنًى رائقٍ حسَنٍبكلِّ ما قد خلاَ في الذَّوْقِ والنَّظَرِ
كأنه ضرْب قدٍّ شَابَهُ شَنَبٌبكلّ ما قد خلاَ في الذَّوْقٍ والنَّظَرِ
وقد شهِدْنَا بما أُوتيتَ مُعجِزةًجَمْعَ الفضائلِ في فَرْدٍ من البشرِ
أهْدَيْتَ لي غادةً جلَّتْ محاسنُهاوقد تجلَّتْ لنا في أحْسَنِ الصُّوَرِ
رعْبُوبةً من بَناتِ البدوِ مذ خطَرتْلبي بها صار مِن وَجْدي على خَطَرِ
حيَّتْ فأحْيَتْ بألفاظٍ مُنَّمقةٍوغازَلتنا بلُطفِ الدَّلِّ والخَفَرِ
وأسفَرتْ عن سنَا بَرْقٍ وعن شَفَقٍوعن ضِياءِ وعن شمسٍ وعن قمرِ
زارَتْ على حينِ إشْرَاقٍ لبَهْجَتِهاومتَّعتْنا بذاكَ المنظرِ النَّضِرِ
وضَاعَ عَرْفُ شَذاها عندما برَزتْمِسْكاً وعطَّرتِ الآفاقَ بالقُطُرِ
سألْتُها قُبلَةً أَطْفِي بها حُرَقاًشبَّتْ بقلبٍ شديدِ الوَجْدِ مُستعِرِ
فأوْمأت لِشتِيتٍ زانه شَنَبٌوأنعَمت بلذيذِ الوِرْدِ والصَّدَرِ
ونادَمتْني بليلٍ قد سُرِرتُ بهلكنِّه ساءَني واللهِ بالقِصَرِ
وبتُّ أُنْشِد مَدْحاً في محاسنِهاما قالهَ شاعرٌ في سالِف العُصُرِ
ياَ نُزْهَةَ النَّفسِ يا مَن زانَ مَنطِقَهاقُسُّ بنُ ساعِدَةَ المشهورُ في السِّيَرِ
خُذْها إليْكَ وإن كانتْ مُقصِّرةًفشأْنُ مثلِك سَتْرُ العَيْبِ بالسُّتُرِ
وإن تكُنْ أوْجَزت في المدحِ مُقصِّرةًفالعَذْبُ يُهجَرِ للإفْراطِ في الْخَصَرِ
وإن تكُنْ من بديعِ القولِ عاطِلةًفقد تحلَّتْ بِعقْدٍ من مديحِ سَرِي
فاعذُرْ فإني تركْتُ الشِّعرَ مِن زمنٍلشاغلٍ عنه غَشَّي مُقلَةَ الفِكَرِ
لا زِلتَ تسمُو على الأقرانِ مُرتدِياًثوبَ البلاغةِ في أمْنٍ من الحَصَرِ
ما طرّز الطّرْسَ تّنمِيقْ اليراع بمايزْهو على الرّوضِ أو يعلْو على الزّهَرِ
أو شبَّبَ المادحُ المُطْرِي بَمدْحِكَ فيبيْتٍ من الشِّعرِ في رَوْضٍ على نَهَرِ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.