تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

إبراهيم ومحمد ابنا أحمد الْحَلَبِيّ، المعروف بالمُلا

هما من دَوْحة الكمال غُصْنان، بل رَوْضتان أنبتهما مَرْجان، ولا أقول نَهْرانِ فهما بَحْران، يخرج منهما اللؤلؤ والمَرْجَان، كل منهما جَواد يُفْرِغ الخزائنَ بجُودِه،

فيملأ بالغيظ قلب حَسُودِه، طويل البَاع عذْبُ الموارِد إذا ظمِئت الأسْماع، مُرْهَف فكرِه صَقِيلُ الطَّبْع، وبحرُ كرمِهِ متموِّج بهُووب نسيم ذلك الطبع، رقيقُ حَواشِي المجد، أرَقُّ من عَبَراتٍ أسالها الوَجْدُ، وضَّاحُ المحَيَّا تحمَرُّ خجَلاً منه خدودُ الحُمَيَّا.

صَنَّفا، وألفَّا، ولاَحا كغُصْنَيْ قد بَانَةٍ قد تألَّفا نَشَا في حِجْر الفضل والحسب، وبَسَقا في رَوْض النَّجْدة والأدب، في زمانٍ شَمِت فيه الجهلُ بالفضل، ورَقِيَ صَهْوة عِزِّه كلُّ فَدْم نَذْل.

نَجْمان بأيِّهما اقتدَيْتَ في طُرُق المعاني اهْتدَيْت، فهما في مَغْرس الكرم صِنْوان، وثمراتُهما صِنْوان وغيرُ صِنْوان، ورَوْضا محامِدَ، يُسْقَيان بماءِ واحد.

ووالدهما هُمامٌ ألفَّ وأفاد، وعذُبَتْ مواردُ إفادتِه للوُرَّاد.

له تآليف كثيرة، منها) شرح مغني اللبيب (طَرَّز بتحْريرِه حواشِيَه، ودخل جنَّته من أيِّ باب شاء من أبوابِه الثَّمانِيَة.

فمما أنشدته لمحمد ابنه:

في الليلِ وفي النهار حَرَّى كَبدِيمقتولُ ضَنًى بجائرٍ ليس يَدِي
تَرْشِي عيني جواهرُ الدمع علىلُقْياه تظنُّ أنه طوعُ يَدِي

وهو معنى مُترجَم من الفارسيَّة، ومثله قول صاحبنا محمد القَاسِمِيً:

لُقْياكَ سرورُ قلبِيَ المحزونِوالوحشةُ من هَواك لا تَعْدُونيِ
يا وَيْحَ عيوني خَشِيتْ شَقْوتَهامنى فأتَتْ بدُرِّها تَرْشِينِي

وقريب منه قول ابن الرُّومِيّ:

وهبَتْ له عيني الهُجوعَافأثاَبَها منه الدُّموعَا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وهبت له عيني الهجوعا»

وأحسن منه قولُ الأرَّجَانِيّ:

لولا طُروقُ خيالٍ منكَ مُنْتَظَرٌيُلِمُّ بي راقداً ماساءَني سَهَرِي
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لولا طروق خيال منك منتظر»
كأنَّ جَفْنَيِ إكراماً لزائرِهِأمْسَى قدَميْهِ ناثرَ الدُّرَرِ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لولا طروق خيال منك منتظر»

ولإبراهيم من قصيدة، قَرَّظ بها شعرا ليوسف بن عِمْران:

أطِرْسُكَ هذا أم لُجَيْنٌ مُذَهَّبٌونظْمُك أم خمرٌ لِهَمِّيَ مُذّهِبُ
وتلك سطورٌ أم عُقودَ جواهرٍوزُهْرُ سماءِ أم هو الروضُ مُخْصِبُ
وتلك معانٍ أم غَوانٍ تُروُقُ لِلْعيونِ وباللَّحْنِ المسامعَ تُطْرِبُ
فيا حبَّذَا هذِي القوافي التي بمَنيعارضُها ظُفْرُ المنِيَّةِ يَنْشَبُ
لقد أحكَمَتْها فكرةٌ ألْمعِيَّةٌفكِدْتُ لها من رِقَّةِ النَّظم أشْرَبُ
فمن غَزَلٍ قد هزَّ ذا سَلْوةٍ إلى التَّصابِي فأضْحَى بالغزالِ يُشَبِّبُ
فيا بحرَ فضلٍ فائض بلآلِئٍلها فكرُك الوقَّادُ ما زال يَثْقُبُ
ظنَنْتَ بأنِّي للخطاب مؤهَّلٌفأرسَلْتَه شِعراً لنَظْمِيَ يخطِبُ
فعُذْراً فإن الفكرَ منِّي مُشتَّتٌوعقْلِي بأيْدِي حادثِ الدَّهرِ يُنْهَبُ

وكان العِماد بينه وبين أحمد مودَّة صافية، وفي بعض الأحيان تجري بينهما مُداعَبات وأخْماص، فكتب له مرَّةً وقد رأى ميلَه لمُعَذَّرٍ كان من جملة خُدَّامِه، يسْتَفتِيه في رأيِ أهل المَوْصِل:

ما تقولون يا ذَوِي الأفْضالِوأُولى العِلْمِ والحِجَى والكمالِ
في أُناسٍ يرَوْن في حَلَب الشَّهباء رأْىَ الهوى وحُبَّ الجَمالِ
قد تحيَّرْتُ في هواهُم زماناًفاكِشفُوا لي عن شُهبْتِي وسُؤاليِ
أيُّ ذَنْبٍ للأمردِ النَّاعِم الخدِّالذي فاق رَبَّةَ الخَلْخَالِ
بمُحيَّا مثل الغزالةِ حُسْناًوبطَرْفٍ أزْرَى بلَحْظِ الغزالِ
وبمَصْقُول وَجْنْةٍ قد تسامَتْبصَفاءِ على بديعِ الَّلآلئِ
فلماذا تَعَوَّضُوا عن هَواهُبذقونٍ كأنَّهُنَّ الْمَخَالِي
مِن نتِيفٍ مُحفَّفٍ ذي اعْتلالٍناقصِ الحُسْن مَصْدرِ الأفْعالِ
أفلا تنظرون مِرآةَ وَجْهٍلاح بَدْراً مُكَمَّلاً بالدَّلالِ
دون ذِي لِحيْةٍ كَسَتْهُ ظلاماًخارجاً عن مطالِع الاعْتدالِ
فاكشِفوا شُبْهَتِي فأيَّةُ داعٍلا تِّباعِ الهُدَى وتَرْكِ الضلالِ
لا بَرِحْتُم في نعمةٍ وسرورٍناجِحي القَصْدِ بالِغي الآمالِ

فأجابه بقوله:

يا إماماً حوَى فُنونَ المعالِيوَهُماماً سمَا بُروجَ الكمالِ
وأدبياً أتى بكلِّ بديعٍمن نِظامٍ أزْرَى بعِقْدِ الَّلآلِئ
وعلى أصله المكارمُ جادَتْبثَناءِ يفوقُ رِيحَ الغَوالِي
ولَعَمْرِي إن العِمادَ إمامٌفاقَ أقرْانَه بحُسْنِ الخِصالِ
يا له فاضلاً وأحسنَ مَوْلًىفي صحيح الهوى خَلا عن مثالِ
هذَّبَتْه أيْدِي الليالِي إلى أنرَقَّ طَبْعاً ففاق صَفْوَ الزَّلالِ
قد أتى منه لِي لطيفُ سُؤالٍببديعِ الفُنون أصْبَحَ حَالِي
مَمَّقَتْهُ أيْدِي القريحةِ حتىحاز لُطْفاً قد تَمَّ بالاعْتدالِ
جاء في طيِّه بنَشْرٍ ذَكِيّ ٍدَقَّ عن ذَوْقهِ فُهُومُ الرِّجالِ
سائلاً عن معاشِرٍ من بني الحُبِّبشَهبْائِنا رَضُوا بالمُحَالِ
عدَلوا عن هوى صقيلِ المُحَيَّاكم بخدَّيْه جالَ ماءُ الجمالِ
وله بَهْجةٌ بوردِيِّ خدٍّولَحَاظٍ تُروى عن الغَزَّالِ
ناعمُ الوَجْنتيْن معسُولُ ثَغْروَيْحَ قلبي من قَدِّه العَسَّالِ
فلماذا تَعوَّضُوا عن هَواهُبذُقون كأنَّهن الْمَخَالِي
تارةً تَنْتَحُون حُبَّ نتِيفٍناقصٍ أجْوفِ الحشَا ذي اعْتلالِ
وإذا الأمْردُ الجميلُ المُفدَّىلاح لم تقصِدُوا هَواهُ بِحَالِ
وطلبْتُمْ منِّى الجواب وإتِّي الْآن والعهد ليس لي من مَجالِ
كيفَ والفكرُ في خُمولٍ وَهَمٍّوالحشَا في تَحَرُّقٍ واشْتِعالِ
غيرَ أني أقول قولاً وجيزاوعلى الله في القَبولِ اتِّكالِي
إنَّني مُغْرَمٌ بكلِّ جميلٍحسَنِ الوصْفِ والثَّنا والفِعالِ
أمْرداً كان أو فتىً ذا عِذارٍفاق في الُحسْنِ رَبَّةَ الخَلْخالِ
سَيَّح المِسْكَ وَرْدُ خدَّيْه لمَّاخاف أنَّا نُصِيُبه بالنَّبالِ
وتجلَّى من هالةٍ في عِذارٍوَجْهُه البدرُ ذُو البَهَا والجمالِ
ذَا غرامِي ومذهبي واعْتقادِيأنه مذهبٌ من القَدِْح خَالِ
إذْ رأيْنا ممَّن تقدَّمَ قوماًقد رَقَوْا في العُلا ذُرَى الآمالِ
سَلكوا في هَوى الفريقيْن سِلْماًوأتوْا بالبديعِ من كلِّ قَالِ
وطِباعُ الورَى تخالفُ فالنَّازلُ فيهمْ وفيهمُ كلُّ عالِ
ها جَوابي ولستُ أزعَمُ أنِّيذو صوابٍ فارَقْتُ نَهْجَ الضَّلالِ
فعلى الفاضل الأديب مليكِ الْفضلِ مَن جاءنا بهذا السُّؤالِ
العمادِ الإمام نَشْرُ اعْتذارِيوقَبُولٌ يُقادُ مِن غيرِ قَالِ
دام في رِفْعَةٍ وأرْغدِ عيشٍونعيمٍ وبَهجْة واقْتبِالِ
ما انْتَحى المُرْدَ والمُعَذَّرَ صَبٌّعادِمُ الصَّبْرِ واجِدُ البَلْيَالِ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.