من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
الأمير أبو بكر الحَلَبِيّ المعروف بابن حلالا
أميرٌ جيشُه الهِمَم، وبحر تغْترِف منه الدِّيَم تسْكَر من ألفاظِه المُدَام، فإذا ساقَطَ الحديث سَقاطَ الدُّرِّ أسْلَمه النِّظام، أو بَدَأ روضُ أدبه قامَت له الأغْصان في الرِّياض على الأقْدام.
رحِيبُ ساحة الصَّدر، وصَلِيب قَناة الصَّبر، لم يعقِد حَبْوَةَ رأْيه إلا بيدِ الحَزْم، ولم يَحُلَّ الدهرُ ما عقَده إلا برَاحِة العزْم، فلا يأكل الطَّيْشُ حِلْمَه، ولا تحُلُّ يدُ النَّوائبِ حَزْمَه.
أدبُه أرقُّ من دمْع السَّحاب، وأصْفَى من ماء الحُسْن في رياض الشَّباب، إلا أنه اقتصر عليه، وجعل جملةَ متاعِه في يديْه، والأدب روضةٌ ذاتُ أفْنان، لا تزْهو إلا إذا كانت ذاتَ أنْواع وألوان؛ فلذا قلَّ ما رُوِىَ شِعْرُه من ماءِ النَّضارة، واكْتَسى غُصْنُ لفظهِ ورَق الغَضارَة، ولم يحضُرْنِي منه الآن غيرُ قوله:
أيا بَحْراً غدَوْنا من نَدَاهنُقدِّمُ بعضَ أنعُمِه لديْهِ
كذاك البحرُ ينشَأُ منه غَيْثٌوبعضُ سحابهِ يُهْدَى إليهِ
وهذا معنىً مشهور، في معناه قول البَدِيع:
أُهْدِي لمجْلِسِك الشريفِ وإنماأهْدِي له ما حُزْتُ من نَعْمائِهِ
كالبحرِ يُمْطِرُه السَّحابُ ومالَهمَنٌّ عليهِ لأنَّه من مائِهِ
وقد ضمَّنه بعضُهم، ونقله من الجِدّ إلى الهزل، فقال:
يتبادلان فيُنْصِفان وليس بينَهُما ارْتِيابُ
فيُصِيبُ هذا ماء ذاكالبحْرِ يُمْطِرُه السَّحابُ
وقد حضَرني في معناه، ما كتبتُه مع سَمكٍ أهديْتُه:
أهْدَيْتُ حوتاً نحوَ مَنفاتَتْ عَزائمُهُ السِّماكْ
فاقْبَلْ بحقِّكَ عُذْرَ مَنأهْدَى إلى البحرِ السِّماكْ
ومن الفصول القصار: المُهَدِّد لمن للبحْرِ بالشَّرَق، وللحُوت بالغَرَق.
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع