من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
فصل (٣)
في معناه للقاضي الفاضل: الحمد لله أطْلَعه بثَنِيَّات الكمال، وبلَّغَه غاياتِ الجمال، ويَسَّره لدرجاتِ الجلال، ونقلَه تَنَقُّلَ الهلال، وشَذَّ تَشْذِيب الأغصان، وهذَّبَه تهْذيبَ الشُّجْعان، وأجرى فيه سُنَّةَ سَنَّ لها الحديدَ فنقَصَه المزِّيادة، واسْتَخْلَصه للسِّيادة، ودَرَّبَه للاصْطِبار، وأدَّبَه للانْتِصار، وألْقَى عنه فَضْلَهً في اطِّراحِها الفضيلَة، وقطَع عنه عَلَقةً حَقُّ مِثْلِها ألا تكون بمثلهِ مَوْصولَة، فلم يزَل التَّقْليم مُنَوَّها بالأغصان، ومُنَبَّها للثَّمر الوَسْنان، ومُبشِّرا بالنَّماء، ومُيسِّرا للنّشو والانْتِشاء.
ولابن فَضْل الله، في خِتان الملك الناصر:
لم يُرَوِّع له الخِتانُ جَناناًمُذ أصابَ الحديدُ منه حَدِيدَا
مثلُ ما تُنقَص المصابيحُ بالقَطّفتزْدادُ في الضِّياء وقُودَا
وأصله قول الغَزِّيّ:
تمالَك وُدّي حين قَلّمْتُ رأسَهقياساً على الأقْلامِ والشَّمْعِ والظُّفْرِ
ولابن مَطْرُوح:
لقد سَرَتِ البشائرُ والتَّهانِيإلى الثَّقَليْن من إنْسٍ وجاَنِ
ويَصغُر كلُّ مْبْتَهِجٍ إذا مانسَبْناهُ إلى هذا الخِتانِ
تَوَدُّ الزُّهَرةُ الزَّهراءُ فيهِلو اتُّخذت له إحدى القيانِ
وأن البَدْرَ طَارٌ في يدَيْهاوأن مُراسِلَيْها الفَرْقَدانِ
وتسْملِى من الأفْلاكِ لحناًفما قدرُ المثالِث والمثاَنِي
وتسْقى بالثُّريَّا فيه كأساًولا أرْضَى لها بِنْت الدِّنانِ
ولكن من رَحِيقٍ سلْسَبيلٍبأيْدِي عْبقرِيَّاتِ حِسانِ
ويصغر خادماً بَهْرامُ فيهعلى ما فيه من بأْسِ الجَنَانِ
فلوْلا أنه فرْضٌ علينالما مُدَّت لخاتِنِه يَدانِ
وقَطُّ الشَّمعِ يُكسِبُه ضِياءًوقَطُّ الظُّفْرِ زَيْنٌ للبَنانِ
وللصَّنَوْبَريّ أيضاً:
أرى طُهْراً سُيْثْمِر بعد غَرْسِكما قد تُثْمِر الطَّرَبَ المُدَامةْ
وما قلَمٌ بمُغْنٍ عنك إلاإذا ما أُلْقيتْ عَنْه القُلاَمَهْ
قلت:) الطُّهر (بالضم، والطَّهور بالفتح، والتَّطْهير كِنايات عن الخِتان، استعلمها المُحْدَثون، كقولهم للأعور،) ممتع (كما ذكره الثَّعالبِيّ في كتاب) الكناية (، وفي كتابه المُسَمَّى ب) مرآة المروآت (، وغيره.
ومن شعر صاحب الترجمة:
ما كنتُ أحسبُ أن يكونَ كذا تفرُّقُنا سريعاً
قد كنتُ أنتْظِر الوِصالَ فصِرْتُ أنتظرُ الرُّجوعاَ
وله أيضاً:
واللهِ لولا حُصولُ مَعْنًىفي خاطري منكَ لا يزولُ
ما كان بالعيْشِ لي انْتِفاعٌولا إلى مَطْلَبٍ وُصولُ
وله:
قد كنتُ أبْكي على مَن مات من سَلَفِيوأهلُ وُدِّي جميعاً غيرُ أشْتاَتِ
واليومَ إذ فرَّقتْ بْيني وبينَهمُنَوًى بكيْتُ على أهلِ المَودَّاتِ
فما حياةُ امْريءٍ أضْحَتْ مَدامِعُهُمَقْسومةً بين أحْياءٍ وأمْواتِ
وله:
وَيْلي من المُعْرِض لا قَسْوةًلكن لأقْوالِ العِدى والوُشَاةْ
ما لاحَ للعينِ سَنَا وجْهِهِإلاَّ وفيها من رَقيبٍ قَذَاهْ
وله مُضمِّنا:
صَبٌّ على الشَّنَبِ المعْسُولِ ذاب أسًىوبات مِن حرِّ نارِ الشَّوقِ في شُعُلِ
كالشَّمع يْبكي ولا يدرِي أعَبْرَتُهمن صُحْبةِ النَّار أم من فرقَةِ العَسلِ
وكتبْتُ إليه في مرضٍ اعْتراه، فلم أعُدْه لمرضٍ أصابني، فعتَب عليّ، ولم يدْرِ ما عافني عن العيادة: سيِّدي ومولاي يعلم أن القلوبَ، وهي حصون المودَّة لا تُفْتَح عَنْوَة، والدهر لم يُبْقِ للصُّلح موضعاً تتمسَّك منه يدُ الأمل بعُرْوَة:
ووِدادِي كما عرفْتَ وِدادِيوفُؤادِي كما عهِدْتَ فُؤادِي
وصاحب البيت أدْرَي بالذي فيه، وأن للبَيْت ربَّا يحْمِيه، وقد عرَض من السِّقَم ما عاق عن العِيادة، وأقعدني عن القيام بأمرها وهي عِبادة، وكيف يصحُّ بدنٌ وروحُه سقيمة، فلذا أنشد لسانُ حال المودَّةِ السَّليمة:
رأيتُ الفضْلَ في الدنيا غريباًضعيفاً في معالِمها نحيفَا
فلما أن سألتُ الدهرَ عنهأجاب مُلاحِظاً معنًى لطيفَا
وقال لِيَ ابنُ قاسمٍ المُفدَّىوعينُ الفضلِ قد أمْسَى ضعيفَا
فقلتُ له حَمَى الله المعاليبصِحَّتِه وآمَنَه المَخُوفَا
وكتبتُ مع ذلك شعرا، عرضتُه عليه، وهو قولي مُضِّمنا:
يزيدُ اشْتياقِي نحوَ مصرَ وأهلِهاكما زاد مَدُّ النِّيلِ حتَّى تفجَّرَا
أذاب النَّوى صبْرِي وأفْنَى مدامعِيفقالوا سَلاَ عن حُبِّنا وتَستَرَا
ولم يَبْقَ لي إلا تَفَكُّرُ نيِلِهاولو شئتُ أن أبْكي بكيتُ تَفَكُّرَا
وقولي أيضاً:
إن وَجْدِي بمصرَ وَجْدٌ قديمٌوحنِينِي كما ترَون حِنينِي
لم يزَلْ في خيالِيَ النِّيلُ حتَّىزاد عن فِكْرتي ففاضَتْ عيُونِي
وقولي، ناسِجاً على مِنْوال شعر الزَّمَخْشَرِيّ المشهور:
وقائلةٍ ما هذه الأبحرُ التيجرَتْ من مآقيهِ ولم تَكُ غائِضَهْ
فقالوا لها أنهارُ مصرَ التي ثَوَتْبخاطرِه أمْسَتْ من العينِ فائِضَهْ
ثم عَنَّ ليّ معنًى آخر، حال الكتابة، وهو:
لحديثِ نيِلِك مصر أُضْحِى مُصغِياًحتى يخوضُوا في حديثٍ غَيرِهِ
يا كوثراً إن سُدِّ عنه مَسْمِعيتَلْقَاهُ فيه قد جرى بخَرِيرِهِ
فأجاب، أبقاه الله:
أتَتْنِي رُقْعَهٌ من ذِي وَلاءِوَفَي فشَفَي اْمرَأَ دَنِفاً ضعيفَا
أبانَتْ منه مَعذِرةً بسُقْمٍألمَّ به وصار له حَليفَا
وشاطَرني السَّقامَ ولم يزلْ بيعلى طُولِ المدَى بَرَّا رؤُوفَا
وذاك أبرُّ في سَنَن التَّصافِيوأوْقَى من عيادتِه أُلوفَا
تَقِيه السُّوءَ نفسِي فهْوَ مَن لميزلْ يُكْسَي به الفضلُ الشُّفوفَا
شِهابٌ ثاقِبٌ محَتِ اللياليبطلْعتِه مِن الدهرِ الصُّروفَا
مولاي، فكْري الكليل عليل، والاسْتِقصاء في مُجاراة سيِّدي ما إليه سبيل، وسلامتُكم غايةُ المسئول، والعذرُ عندكم إن شاء الله تعالى مقبول، والسلام.
وقال جواباً عن كتاب:
ورد الكتابُ مُبشِّراً بقدُومِ مَنملأ النفوسَ مَسرَّةً بقدومِهِ
فطرِبْتُ بالأسجاعِ من مَنْطوقِهوثمِلْتُ بالجِرْيال من مَفْهُومِهِ
وسجَدْتُ شكراً عند مورِدِه علىإسْعاد هذا العبدِ من مخدُومِهِ
وقال أيضاً:
قال لي العاذلون لِمْ مِلْتَ عمَّنبمُحيَّاهُ يُخْجِلُ الأقْماراَ
قلتُ كان الفؤادُ عُشَّا له إذكان فَرْخاً وحين رَيَّشَ طاراَ
وقوله، رباعيَّة:
يا جِيرَتنا في حلَبَ الشَّهْباءِمن يوم فِراقكُم سُرورِي نَاءِ
قدْ مِتُّ لبُعدِكم غراماً وأسًىلَقَدْ غلطاً أُعَدُّ في الأحْياءِ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع