من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
يوسف بن عِمْران الْحَلَبِيّ
أديبٌ نظَم ونَثَر، فأصبح ذكرُه جمالَ الكُتُب والسِّيَر، أكثرَ من الرِّحلة والنُّقْلة، على تَيَقُّظٍ لا تطمع فيه الغَفْلة، ففاضتْ عليه سحائبُ من الثَّناء سَكُوب، مُزْجيها رياحُ الشُّكر مما يسْحَبُه الصِّبا والْجَنُوب، إلا أنه في أواخره داسَتْ ساحتَه النُّوَب، فأحاط به الفقرُ لمَّا أدركَتْه حُرفُة الأدب، فأصبح بعد النَّعيم المقيم بُؤْسُه أبا العَجَب.
لو كان يدْرِي المرءُ ابْنَهيُحْرَم بالآدابِ ما أدَّبَهْ
وقد صحبني فرأيتهُ بشِعْره مُعْجَباً طَرُوب، إذا سَنَح له معنًى فكأنه قميصُ يوسفَ في أجْفان يعقوب، فمدَحنِي بعدَّة قصائد، وأهدي إليَّ منها ما هو على آدابِه شاهد، وطلب منِّي يوماً تقريظَ شِعْرِه، فقلتُ بدِيهةٌ:
لَشِعْرُ ذا الحَبْرِ بَحْرٌ في تَموُّجِهِيُهْدِي لأسْماعِنا رَوْحاً وريْحاناً
ذُو منطِقٍ ساحرٍ مُطْرٍ فيَا عَجَباًللسِّحرِ يُنْشِئه وهو ابن عِمْرنَا
وكان من خزائن الآداب نَهَّاباً وَهَّاباً بألحانه، وإن رجح على مَن سِواه بأوْزَانِه.
فمن عَذْب خِطابِه، وقلائده المُنتَظِمة في جِيد آدابه، ما أنشَدِنيه من قصيدةٍ له:
أثار بأحْشائي البنَانُ المُطرَّفُرَسِيسَ هوًى يَقْوَى إذا الصَّبرُ يَضْعُفُ
وأرَّقني من حَيِّ سَلْمَى حمائمٌغدَتْ فوق أغصان المعاطِف تهْتِفُ
وثَغْرٌ إذا ما افْتَرَّ يُبْدِي ابْتِسامُهُبُرُوقاً بها أبْصارُنَا تُتخطَّفُ
وخَذٌّ سقَى ماءُ الشَّبابِ رياضَهُبألْحاظِنا منه جَنَى الورْدِ يقْطَفُ
ودينارُ خَدٍّ كاملُ الوزْنِ حُسْنُهعلى حُبِّه رُوحِي النَّفيسةُ تُصْرَفُ
وجسمٌ صفَا حُسْناً يكاد أدِيمُه الْمُنعَّمُ من فَرْطِ الطَّراوةِ يُرْشَفُ
وقوله من أخرى
حَذارِ تَرُومَ الوصْلَ من ساحرِ الْجَفْنِفكم مَشْرِفَيٍّ دونَه سُلَّ من جِفْنِ
وإياكَ من خَطِّيِّ عامل قَدِّهِفكم أتْخَنَ الأحْشاءَ طعْناً على طَعْنِ
ألا أيها الرِّيمُ الذي بات يَرْتَعِيحُشاشَةَ نَفْسِ الصَّبِّ لا روْضةَ الْحزْنِ
بخَدَّيْكَ ما في مُهْجتِي من لظاهُمابِجسْمِي الْمُعَنَّى ما بخَصْرِكَ من وَهْنِ
ومنها:
لَثَمْتُ له جِيداً طَلاَ الظَّبْيِ دُونَهوثَغْراً لَماهُ العذبُ أحْلَى من الْمَنِّ
وألْصَقْتُه بالصَّدرِ عند عِناقهِكما ضَمَّتِ الأحْلامُ جَفْناً إلى جَفْنِ
وهذا كقول القاضي الفاضل:
فيا جَفْنَيَّ فاعْتَنِقا انْطِباقاًويا نَوْمِي قدِمْتَ على السَّلاَمَهْ
وله من أخرى:
كأنَّ زهورَ الرَّوْضِ حين تساقطَتْلتَقْبِيلِ أقدامِ الأحِبَّةِ أفْوَاهُ
وله من أخرى:
رَبيعُ عَدْلٍ به أيَّامُه اعْتدَلَتْفالشَّاةُ والذِّئبُ في أيَّامِه اتَّفَقَا
لا تَخْتَشِي الطيرُ من مُلْقِي الشِّباكِ لهاولو إليْها بألْفَىْ مُقْلةٍ رَمَقَا
وفي معناه قولي، من قصيدة:
فديْتُكَ يا مَن بالشَّجاعة يرْتدِيوليس لغيْرِ السُّمرِ في الحربِ يَغْرِسُ
فإن عشِقَ الناسُ الْمَهَا وعُيونَهامن الدَّلِّ في روْض المحاسنِ تنْعَسُ
فدِرْعُك قد ضَمَّتْكَ ضَمَّةَ عاشقٍوصارتْ جميعاً أعْيُناً لك تَحْرُسُ
ومما أنشدنيه أيضاً قوله.
مَا إن عصَبْتُ العينَ بعدهُم سُدًىألاَّ لأمْرٍ طال مِنْه سُهادِي
لمَّا قضَى نوْمِي بأجْفاني أسّىلبِستْ عليه العينُ ثَوْبَ حِدادِ
وقد كنتُ لما ذكرَ لِي هذا ذكرتُ له نُتَفاً في معناه، فأعجَبتْه، فمنها:
لا تُنكرِوا رَمَدِي وقد أبْصَرْتُ مَنأهْوَى ومَن هو شمسُ حُسْنٍ باهرٍ
فالشمسُ مَهْما إن أطَلْتَ لِنَحْوِهانظراً تُؤَثّرُ ضَعْفَ طَرْفِ النَّاظِرِ
ولقد أطلْتُ إلى اْحمرارِ خُدُودِهنَظَري فعكْسُ خيالِها في ناظِرِي
ومنها:
رَمدتُ جُفونيِ عندما فارقْتُ مَنقد كان كُحْلاَ في نواظِر عَبْدِهِ
وسرَقْتُ حُمرَةَ ناظرِي وسَقامِهعند النَّوَى من مُقْلَتَيْهِ وخَدِّهِ
ومنها:
حينَ خُبِّرتُ أن في الطَّرفِ منهرمداً زاد في ذُبولِ المحاجِرْ
جئتُ كيْما أزورَ مِن وَجْه بدْرِيكَعْبَة الحُسْن تحت سُودِ السَّتائِرْ
ومنها:
ما اْحَمرَّ طَرْفُ العينِ ضَعْفاً ولانَرْجِسُه بُدِّل منه الشَّقِيقْ
لكنَّه من حُمْرةِ الخدِّ قدأصبح سَكْراناً فلا يسْفِيقْ
ومنها:
أنْظُر إلى أجْفانِه الرُّمْدتُبدِّل النَّرجِسَ بالوَرْدِ
تَحْمرُّ لا مِن عِلَّةٍ إنماتأثَّرتْ من حُمْرةِ الخدِّ
ولابن المُعْتَزّ:
قالوا اشْتكَتْ نَرْجِسَتَا طَرْفِهقلتُ عَدَاهُ السُّقْمُ ما كانَا
حُمْرَةُ ورْدِ الخدِّ أعْدَتْهُماوالصِّبْغُ قد ينْفُض أحْيانَا
وكتب ابن الْخِيَمِيّ إلى اليَعْمُوريّ، وهما أرْمَدان، قوله:
أبُثُّكَ يا خليلي أنَّ عيْنِيغَدَتْ رَمْداءَ تجْرِي مِثْلَ عَيْنِ
حديثاً أنت تعرفُه يقيناًلأنَّك قد رَمِدْتَ وأَنت عَينِي
فأجابه:
كفاك الله ما تشكو وحَيَّامحاسنَ مُقْلتَيْكَ بكلِّ زَيْنٍ
وإنِّي من شِفائي في يقينٍلأنَّك قد شُفِيِتَ وأنتَ عَيْنِي
ومما قلتُه أيضا:
أشكُو إليك جُفوناً قد رَمِدْنَ وقدفارَقْنَ مَرْآكَ يا مَن فَقْدُه حَيْنِي
والقلبُ مُنقلِبٌ عن راحةٍ وهَناًوالعينُ مثلُ اسْمِها مُعْتَلَّةُ العَيْنِ
ولنُقْصِر عِنان الاخْتيار، فقد طال، والشيءُ بالشيءِ يُذكَر.
ومما أنشدَه لي أيضاً قوله في بخيل:
بخيلٌ لو بثُومٍ منه جادَتْأناملُه لغالَتْه النَّدَامهْ
ولو في النَّارِ أُلقِيَ ألفَ عامٍلما عُرفَتْ له يوماً سَلامَهْ
ولو صارتْ بسفْرتِه رغيفاًذُكاءُ لما بدَتْ حتَّى القِيِامَةْ
وقوله:
أفْدِى حبيباً تَفُوقُ البدرَ طَلْعتُهلأنها لِغريب الحُسْن قد جَمعتْ
حاك الجمالُ عِذاراً فوق وَجْنتِهغَزالةُ الصُّبحِ في أشْرَاكِه وقَعَتْ
وأنشدتهُ لنفسي في معناه:
ظنَنْتُ الصَّبا لمَّا على النهرِ قد جرَتْوعكسُ ذُكاءِ لاح فيها لمُرْتَقِبْ
شِباكاً بها صاد النَّسيمُ غزالَةًألسْتَ تراها دائماً فيه تَضْطَربْ
ومما يعجبني هنا قولُ القائل:
غَدَوْتُ مُفَكِّراً في أمْرِ أُفْقِأرانا العِلْمَ من بعد الجَهاَلَه
فما طُوِيتْ له شُبْكُ الدَّرارِيإلى أن أظْفَرتْنَا بالغزَالَهْ
وقول الشّهاب محمود في عُقاب: وللمحار:
أنْظُرْ إلى النهر في تَطَرُّدِهوَصَفْوِه قد وَشَى على السَّمكِ
توهَّم الريحُ صَفْوَه فغدايَنْسِج فوق الغديرِ كالشَّبكِ
وأحسن منه قولي:
ما الغصنُ مال على الأنْهَار جَعَّدَهامَرُّ النسيمِ وألْقَى فوقَها حُبُكَا
بل مَدَّ مِنْه يداً لمَّا رأى سَمَكاًمن صَفْوِه طرحُوا من فوقه شَبَكَا
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع