تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

سُرور بن سنين الْحَلَبِيّ

شاعرٌ سَمْحُ السَّجِيّة، له أنفاس نَدِية ندِيَّة، كانت نَسَمات المسامرَة تهُبُّ بنفحاتِه وأفْواهُ الأسماع تَحْتَسِي في نادي الأدب سُلافَةَ أبياتِه، ونَوْرُ روضِه يتَبسَّم في الأكْمام، فترى منه ما هو ألذُّ من نظر المعشوق وفي وجه عاشقٍ بابْتِسام، فتُسْتَعذَب في مَذاق الأدب، وتُتَلقَّى بضائعُها من الرُّكبان القادمة من حلَب.

ثم رأيتُه لمَّا ورَد الروم، إلا أنه لم يُطِل مُكْثَه بها لفَقْد ما يَرُوم.

وآفَةُ التِّبْرِ ضَعْفُ مُنتقِدِه

فرجع قائلاً لكلِّ يومٍ غد، ولكل سَبْت أحَد، فلم تر عينُ أمله سُروراً، ولم يُذق كأساً كان مزاجُها كافورَا، ولم يلبِس بُرْدَ العُمْرِ قَشيباً، حتى احتُضِر غُصْناً رَطِيبا:

فمما أنشدني من شعره، قولُه من قصيدة:

وليلٍ هدَتْنا فيه غُرُّ الفَراقِدِلحاجاتِ نَفْسٍ هُنَّ أسْنَى المقاصدِ
وقد صُرِفَتْ زُهْرُ الدَّرارِي دَراهِماًتمُدُّ الثُّريَّا نحوَها كَفَّ ناقِدِ
وباتتْ تناجِيني ضمائرُ خاطرِيتُقرِّب نَيْلَ المَطْلَبِ المُتباعِدِ
لَحَى اللهُ طَرْفِي مالَه الدهرَ ساهراًلمُكْتحِل الأجْفان بالنَّومِ راقِدِ
حبيبٌ كأن البُعْدَ يَهْوَى وِصالَهمعي فهْو لا يْنفَكُّ فيه مُعانِدِي
أخذتُ الهوى من لَحْظه وابْتسامِهبما قالَه الضَّحَّاكُ لي عن مُجاهِدِ

وقول) حبيب (إلخ، كقول أبي الطَّيِّب:

كأنَّ الحُزْنَ مشْغوفٌ بقَلْبِيفساعةَ هجْرِها يجِدُ الوِصالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وقول الْمَعَرِّيّ:

لئِن عشقَتْ صَوارِمُهُ الهوَادِيفلا تَعدمْ بما تَهْوَى اتِّصالاَ

وفي معناه ما قلتُه:

لك اللهُ مِن دمعٍ كشَمْلٍ مُبدَّدٍوطَرْفٍ بِنَعْسانِ الجفونِ مُسهَّدِ
لئن عشَق التَّسْهيدُ أجْفانَ مُقْلَتِيلِهَجْرِك فْليَنْعَمْ بوَصْلٍ مُخلَّدِ

ومن تَقْريظٍ له على شعر ابن عِمْران:

حَملْتَ إلينا يا ابن عِمْرانِ روْضةًمن النَّظم يسْقيها الحِجَى صَوْبَ وَكْفِهِ
خِميلةَ شِعْرٍ يزْدرِي البدْرَ نَوْرُهاوينْأَى عن الشِّعْرَى العَبورِ بعِطْفِهِ
كأنَّ غُصوناً أُودِعتْ في سُطورِهالها ثمرٌ يلْتَذُّ سمعي بقَطْفِهِ
إذا ما مشَى ليلُ المِداد بطِرْسِهاَنهاراً زهَتْ فيه كواكبُ وَصْفِهِ
فكانتْ كما زارَتْ مُعطَّرةَ اللَّمَىمُبِّردةً من حرِّ قلبي وَلَهْفِهِ
ووَافَى إلى الصَّبِّ الكَئِيب شُوَيْدِنٌلوَجْرةَ أحْوى فاحمُ الشَّعْرِ وَحْفِهِ
فأحْبِبْ به عَبْلَ الرَّوادِف خَضْرُهيجوعُ إذا غَصّ الإزارُ برِدْفِه

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.