تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

بدر الدِّين بن رَضِيّ الدِّين الغَزِّيّ العَامِرِيّ الشامِيّ

فريدُ الدهر وأوانِه، وابنُ عبَّاسٍ في زمانِه، وسَلْمان آل بيتِه، وحسَّان قصيدتِه وبيْتِه، صاحب الفنون، وغَيْثُ الإفادة الهَتُون، جمالُ الكُتُب والسِّيَر، سيِّد أهل الحديث وعَيْن ذوِى الأثَر، ممَّن حازتْ به أقطارُ غَزَّة، شرفاً باذخاً وعِزّة.

وابنُه شِبْل الأسد، ذُو الرَّأْيِ الصَّائب الأسَدّ، وفِرِنْد نَصْله المصقُول الحَدّ، وهما كَرُكْبَتَيِ البعير في كل معنًى صارِم، أو كالحلقة المفرَغة أو كغِرَارَي صارِم، وبدر طلع من أفق كمالِ والدِه، وكرَع من بحر فضْلِه البَرّ مِاءَ الحياةِ قبل أنت يبدوَ نَباتُ عارضِه خَضِرَا، وتُحِيط بمَشْرق أنوارِه، في إبَّان طلوعه هالَةُ

عِذارِه، حتى أمدَّ شمسَ الفضل بما يُحْيِي النفوسَ، فهل سمعتَ ببدرٍ تسْتمِدُّ من أنواره الشُّموس، فتكلَّفَ البدرُ إذْ حَكاه، وضاهَى سَناءَه وسَناه.

ولا عَجَبٌ للبدْرِ أن يتكلَّفا

وله من شِعر العُلماء ما صدَحتْ من أقْفاص سُطورِه الحَمائِم، وتحمَّلتْ الصَّبا نَشْرَه فتلقَّتْه الزُّهور بثَغْرٍ باسِم. ولم يَزَلْ مُشرِقاً في منازِلِه البدْرِيَّة، حتى ألَمَّ بسَنا عُمرِه سِرار المنِيَّة، لا زال ثاوياً في قصورِ الجِنان، وضَرِيحُه مطافَ وفود الرَّحمةِ والغُفْران.

فممَّا لَمَع من نُورِ كماله، وسطَع من نجومِ أقواله، قولُه:

إذا كان حَمْدُ العْبدِ مولاه إنِّمايكونُ بإلْهامٍ مِن اللهِ للَعْبدِ
وذلك مما يُوجب الحْمدَ دائماًفلا حَمْدَ حقَّا من سِوَى مُلْهِم الحَمْدِ

وقوله:

لنا أميرٌ فريدٌ في خلائِقهِكم مِن كرائم أمْوالِ لدَيْه حَوَى
له الْتِفاتٌ لرِزْقِ النَّاسِ مُعتنِياًيرى الفقيرَ لَدَيْه والغَنِيَّ سَوَا

وقوله:

مَن رام أن يبلُغَ أقْصى المُنَىفي الحشْرِ مع تقْصِيِرِه في القُرَبْ
فليُخْلِص الحبَّ لمولى الورَىوالمصطفَى فالمرءُ مَع مَن أحَبّ

وقوله:

بالحظِّ والجاهِ لا يفضْلٍفي عصرِنا المالُ يُستَفادُ
فكم جوادٍ بلا حمارٍوكَم حمارٍ له جوادُ

وقوله:

يُقبِّل الأرْضَ حِماها الذيألْثَمها أفْواهَ أهلِ العُلاَ
عبدٌ إذا كاتَبْتْهَ ثانياًيزدادُ رِقًّا لَكمُ أو وَلاَ

وكتب إليه الفاضل النِّحرير عبد الرحيم العبَّاسِيّ مُلغِزاً، بقوله:

يا إماماً له الفضائلُ تُعْزَىوهُماماً أضْحى لراجِيه كَنْزَا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
ما بسِيطٌ حروفهُ ليس تُحْصَىوهْوَ حرْفانِ لا سِوَى إن تَجَزَّا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
كلُّ جُزْءٍ منه اسْتَوى القلبُ فيهجاءَ معنًى أو جاء لِلَّفظِ يُعْزَى
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
نصفُه رُبْعهُ ولا رُبْعَ فيهوسِوَى الخُمْسِ منه ما تَمَّ أجْزَا
وإذا ما تصحِّفْ البَدْءُ منهفهْوَ وَصْفٌ لكاملٍ نال عِزَّا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
أضْمَر القلبُ غادَةً إن تُصحِّفْآخِراً فْهْو قولُها حين تَهْزَا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
وعلى حَمْلِ صَخْرةٍ ذُو اقتدارٍثُمَّ عن حَمْلِ إبْرةٍ نال عَجْزَا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
هاكَهُ واضحاً بدون خَفاءٍلُغزُه ظاهرٌ وإن كان رَمْزا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»
دُمْتَ في رِفعةٍ وحفْظُ إلهيلك دَوْماً حِصْناً حصِيناً وحِرْزَا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يا إماماً له الفضائل تُعزى»

فأجابه البدر:

زادَكَ اللهُ بالدِّرايةِ عِزَّافلقد قُمْت للِهدايةِ كَنْزَا
يا بديعَ الألفاظِ عذْبَ المعانيصارَ منك البيانُ للدهرِ طَرْزَا
مِن يُجارِيكَ في العلوم يُجاري الْيَمَّ والمجدُ من تَجرِّيه يَهْزَا
إنَّ لُغْزاً أرسَلْتَه فاقِ برَ التِّمِّ حسناً وأوْرثَ الفِكْرَ عجْزَا
مَن يُفتِّشْ فليس يُلْقي لهثَمَّ نَظيراً فقد تفرَّد رمزَا
ثم مَن يبتغِي مُضاهاتهِ لاتسمعُ الأُذْنُ منه في ذاك رِكْزَا
وتراهُ وقَدْ تحيَّر ممَّانَابَهُ للفِرارِ يجْمِزُ جَمْزَا
من يُطِقُ يَلْمَسِ السماءَ ويأْتيبالدَّرارِي حتى يُحاكيه لُغْزَا
قلتُ لمَّا أجبْتُ عنه إذا ماإبلٌ لم تكن لدَى فمِعْزَى
غيرَ أنِّي بالسَّتْرِ منه وَثِيقٌفإليه كلُّ الفضائلِ تُعْزَى
دام في نِعْمةٍ وظلِّ سُعُودٍما مالَ النَّسِيمُ غُصْناً وهَزَّا

وقوله:

إنَّ ألْطافَ إلهيلِيَ قالتْ خَلِّ عَنْكَا
للشاعر عمر اليافي، من قصيدة «أنا الله اعتصامي»
لا تُدَبِّر لك أمْراًأنا أوْلَى بك مِنْكَا

وقوله:

مَن أطْلعَ الأحْمقَ فوق السُّهاَيُنْزِله للمنْزِل السَّافلِ
وغيُر بِدْعٍ فعلهُ حيثماُيُقابلُ الباطلُ بالباطلِ

وأنشد له بعضهم:

ما في زمانِك واحدٌلو قد تأمَّلْتَ الشَّواهِدْ
فاشْهَد بصِدْقِمقالتِي أوْ لا فكَذِّبْني بوَاحِدْ
للشاعر أبو عامر الجرجاني، اقرأ القصيدة

قلت: ليس له، وهو من شعر أبي عامر الجرْجَانِيّ، أحد شعراء) اليتيمة (وفي معناه قول ابن حَيُّوس:

قد مات في دَهْرنا الكرامُ ومَنيعرِفُ قَدْرَ الثَّناء والمدْحِ
فإن شكَكْتُم فيما أقول لكمْفكَذِّبوني بواحدٍ سَمْحِ
للشاعر ابن الظريف الفارقي ، اقرأ القصيدة

ومما أنشده الخُوَارَزْمِيّ مما يُشبه هذا، وإن لم يكن من جميع الوجوه:

أمْسَى بلا عِظَمٍ لدَيْه تَعاظُمٌفكأنَّه أبْرُ الحِمارِ القائمُ
ويقولُ إن الناسَ كلُّهمُ أناوالناسُ كلُّهمُ لدَيْه بهائمُ

ولأبن تَميم:

أيا مَعْشَرَ الأصحابِ مالي أراكُمُوذَمُّ جميعِ الناسِ جُلُّ منُاكُمُ
لئن كان ذمُّ الناسِ أضْحى شِعارَكُمْفما الناسُ إلا أنتمُ لا سِواكُمُ

ومما قلتُه في معناه:

تفرَّدْتَ في ذا العصرِ بالفضْلِ والنُّهَىبزَعْمِك يا مَن زادَه عِلْمهُ جَهْلاَ
فأبْقِ لنا في الدَّهرِ غيرك عالِماًيُصدِّقِ ذي الدَّعْوَى ويعرِفُ ذَا الفَضْلاَ

ومن شعر والده:

إنَّ خِلاَّ مَلَّ مِنَّاخَلِّناَ باللهِ منْهُ
هو لا يَسألُ عنَّامالناَ نسألُ عنْهُ

وللتَّقِيّ السُّبْكِيّ رباعيَّةٌ في هذا المعنى، وهي:

يا قلبُ مِن الغرام قد زِدْت وَلَهْمَن خانَك خُنْهُ أو تُعوَّضْ بَدَلَهْ
فالنفسُ عزيزةٌ على مَن هِي لَهْلا يصلُحُ لي مَن كنتُ لا أصلُح لَهْ

ولأبن الوَرْدِيّ:

إذا كرِهْتَ منزلاَفدُونَك التَّحَوُّلاَ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا كرهت منزلا»
وإن جَفاكَ صاحبٌفكُن به مُستَبْدِلاَ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا كرهت منزلا»
لا تحْمِلَنْ إهانةًمِن صاحبٍ وإن عَلاَ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا كرهت منزلا»
فمَنْ أتى فمَرْحباًومَن تَولْى فإلَى
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا كرهت منزلا»

ومما أنشدْتُه له:

إن تسَلْ عن حالِ الذين اجتباهُمْربُّهمْ عاجزاً وتطلُب قُرْبَا
أحْبِبِ اللهَ والذين اصْطفاهُمْتبْقَ معْهُم فالمرءُ مَعَ مَن أحَبَّا

وللحافظ ابن حَجَر العَسْقَلانِيّ في معناه:

وقائلٍ هل عَملٌ صالحٌأعْدَدْتَه ينقعُ عند الكُرَبْ
فقلتُ حسِبي خِدْمَةُ المصطفَىوحُبُّه فالمرءُ مَعَ مَن أحَبّ

وكنتُ قلتُ قبل أن أسمع هذا:

وحقِّ المصطَفَى لي فيه حُبٌّإذا مرضَ الرَّجاءُ يكون طِبَّا
ولا أرضَى سِوى الفِرْدَوسِ مَأْوًىإذا كان الفتى مَعَ مَن أحَبَّا

وأعلم أنه وقع في حديث صحيح، عن عائشة رضى الله عنها أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، أنت أحبُّ إليَّ مِن نفسِي وأهْلي ومالي،

وإني إذا ذهبْتُ لِدَاري لا تطيبُ نفسِي حتى آتِيَك وأرَاكَ، فإذا مِتَّ أنْتَ كنتَ في أعْلى مقامٍ، فأخْشى ألاَّ أراك.

فلم يُجِبْه الرَّسولُ ﷺ، فنزل جبريلُ ﵇، بقوله ﷿:) وَمَنْ يَطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولئكَ مَعَ الذَّيِنَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ الآية.

فقال رسولُ الله ﷺ:) الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ (.

وقلتُ في معناه رُباعيَّة:

حُبِّي لمحمدٍ حبيبِ البارِيفي طِينةِ خِلْقَتي ورُوحِي سَارِ
والمرءُ ومَن أحَبَّ في الخُلْدِ معاًطُوبَي لِي إن غدَوْتُ عبْدَ الدَّارِ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.