تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

شمس الدِّين محمد المعروف بابن المِنْقَار

جواد في حَلْبَة المكارم سابق، مُخَلِّط مُزِيل، فاتِق راتِق، وقد كانت تتجاذبُ الأخبارُ شمائلَ فضائِله، وتهتزُّ الأغصانُ إذا هَبَّتْ نسماتُ شَمائِلِه، ومَن طاب عِرقهُ طاب من عَرْفِه الشَّمِيم، ومَن كان غُصناً في رياض المعالي هزَّةُ مرورُ النَّسِيم.

إلا أن شِعرَه شعرُ العلماء، وأدبَه أدبُ الفقهاء، وما كل قصرٍ خَوَرْنَق وسَدِير، وما كل وادٍ فيه رَوْضة وغَدِير.

على أنه كانت تَتِيه به على سائر البقاعِ بقاعُ الشَّام، ويفتخِرُ به عصرُه على جميع الليالي والأيَّام، فلا تزال تصْدَح وُرْقُ الفَصاحةِ في نادِيها، وتسير الرُّكبانُ بما فيه من المحاسن رائِحُها وغادِيها، وأقلامُ الفتْوَى مُثمِرةٌ من شمس إفادةٍ له ارْتفعَتْ،

فيالها من قُضُبٍ أثْمَرتْ بعدما قُطِعَتْ، ونُورُ فضلِه بادِي، وموائدهُ ممدودةٌ لكل حاضرٍ وبادِي.

كالشَّمسٍ في كبدِ السماءِ ونورُهايغْشَى البلادَ مشارقهاً ومغارباً

ولم يبْرح ثاوِياً في فَلَكِ السعادَة، حتى كُسِفتْ شمسُ حياتِه، فلبس الدُّجى عليه حِدادَه.

فمن نفحاتِ أسرارِه، ولَمَعاتِ أنْوارِه قولُه للقاضي مُحبِّ الدين، وهو بمصر:

مِن يومِ بَيْنِكَ كلُّ طَرْفٍ دامِيلم تكْتحِلْ أجفانهُ بمَنامِ
لمَّا رحَلْتَ مُمتَّعاً بسلامةٍومصاحِباً للسَّعْدِ والإكْرامِ
خلَّفْتَ بعدَكَ كلَّ خِلٍ هائماًيُجْرِي الدُّموعَ حَليفَ فَرْطِ غرامِ
سكرانَ من كأسِ الفِراقِ مُعذَّباًيا صاحِ بالهِجْرانِ والآلامِ
يشدُو بذكْرِك مِن نَواكَ إذا رأى الْعشاقَ في رَكْبٍ لكلِّ مقامِ
مولايَ بعدكَ قد تفرَّق شملُناوضياءُ نادِينا انْمَحَى بظلامِ
قد كنتَ واسِطةً لِعِقْدِ نِظامِناحتى انفردْتَ فحُلَّ عِقدُ نِظامي
وضِياءُ وجهِكَ في النهار إذا بدافالشمسُ تستُتُر وجهَها بغَمامِ
هذا وعبدُك ضاعَ بعدك برُهفاسْلَمْ ودُمْ السَّعدِ والإنْعامِ
وعلى حِماكَ من المحبِّ تحيةٌلا تْنتهي وعليكَ ألفُ سلامِ
وسقى الإله ديارَ مِصْرَ وأهلَهاأنْواءَ سُحْبٍ من يديكَ عِظامِ
لمّا حلَلْتَ بها تضاحَكَ نَوْرُهافَرَحاً وبُدَّلَ نقْصُها بتمامِ
لا زِلْتَ تَرْفُل في ثيابِ سيادةٍوتجرُّ وبُدِّلَ لعِزِّ فوقَ الْهاَمِ
ما نمَّق المُشتاقُ طِرْسَ رسالةٍبحديثِ أشْواقٍ وَبثِّ غرامِ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.