تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

المعروف بمَامَاي ابن أخت الخَيَّاليّ، نزيل دِمَشق الشام

شاعر توقَّدت جَمَراتُ أفكاره، وتورَّدَتْ في رياض الشام وَجَناتُ أزْهارِه، وابتسَمتْ في ناديه ثُغورُ أنْوارِه، لكنها، خُدودٌ لم يتَرقْرَق عليها دَمْعُ القِطار، ومباسِم لم تَرْشِف الشمسُ منها رِيقَ الأمْطار، فللهِ دَرَّه من فصيحٍ لم يُعلَّل بمياه عُروقِ القَيْصُوم والشِّيح، ولم يُغْذَ بلِبَان العربيَّة، ولم يتَفَكَّه بثمار العلوم الجَنِيَّة؛ لأنه من بَنِي الأصْفر، وممَّن قاسَى الفقرَ الأسود وهو الموْتُ الأحْمر، إلا أن للبِقاع تأثيراً في الطِّباع، فلما تغَذَّى طفلُ جِبِلِّتِه ماءَ الشام ونَسِيمَه، وبزَغ هِلالُه فيه بعدما أُمِيطَتْ عنه هالَةُ التَّمِيمَة، انْصَقَل طَبْعُه المُرْهَف، فانْبَرتْ شمائلُه أرَقَّ من الشَّمالوألْطف، لا سِيَّما وأبو الفَتْح ماشِطَةُ عرائسِ فكرِه، ومُلِمُّ شَعَثِ لُمَّةِ

نظْمِه ونثْرِه، إذا آنس طبْعُه لَحْنَة، أو طرَق طَرف ذِهْنِه طيفُ هُجْنَة.

وقد طالعتُ ديوانَه، فرأيتُه يعْترِيه عِلَل وفُتُور، ويدخُلُ في مغانِي مَعانيه وبُيُوتِه القُصور.

فمن شعرِه الذي اخترْتُه قوله:

سمعتُ لسانَ الحالِ من قَهْوةِ الطِّلايقولُ هَلُمُّوا نَصَّ أخْبارِي
فباسْمِي تسمَّتْ قهوةُ البُنِّ في الملاَولكنَّها لم تَحْكِ أصْداغَ خَمَّارِي
فمِن كِذْبِها قد سوَّد اللهُ وجْهَهاوعذَّبَها بْعد الإهانِة بالنَّارِ

ومنه قوله مُضمِّناً:

قد قالتِ القْهوةُ الحمْراءُ وافتَخرَتْكم قد ملكْتُ مُلوكُ الأعْصُرِ الأُوَلِ
وقهْوةُ القِدْرِ إنْ قَدْراً عَلىَّ علَتْليِ أُسْوةٌ بانْحِطاطِ الشَّمْسِ عن زُحَلِ

ومنه قوله:

جُلِيَتْ عَرُوساً في عُقودِ حُبابِهَاوفَدَيْتُ ظَبْياً بالسُّرور حَبَا بِهَا
طلَعتْ عروساً تنْجَلي في كأُسِهاوكَسَا كُفوفَ الغِيد نَقْشُ خِضابِهَا
بِكْرٌ إذا باكَرْتها لَك ولَّدَتْسِرَّ السُّرورِ لدَى حُضورِ جَنابِها
أخذَتْ من العقْلِ النَّفيسِ جواهِراًمَهْراً لها والنفَّفسُ من خُطَّابهَا
رَاحٌ حَلالِي شُرْبُها في جَنَّةٍوالنَّصُّ في الجَنَّاتِ حِلُّ شَرابِهَا

وهو مأخوذ من قول الأرَّجَانِيّ:

كأسٌ مِن السِّحرِ الحَلالِ بشُرْبِها للْقَوْم سُكْرُ
في مجلسِ هُوَ جَنَّةٌولذاكَ فيه تَحِلُّ خمْرُ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «في الجيرة الغادين بدر»

وقوله:

يقول حبيبي مَا لِطَرْفِكِ أحْمراًكأنَّك ياحَيْرانُ في نَشْوةِ التِّيهِ
فقلتُ له إشْراقُ خَدِّك قد بَدَاوقابلَه طَرفْي فحيَّلُهُ فِيهِ

وأحسنُ منه قول الأمير مُجِير الدَّين بن تَمِيم:

أقول للصَّحْبِ لا أنْكرُوا أثَراًمِن احْمِرارٍ بدَا في باطن المُقَلِ
عاتَبْتُ ألْحاظَ عيْنِي عندما نظَرتْإلى سِوَى الحِبِّ فاحَمرَّتْ من الخَجَلِ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله:

ولمَّا انْقْضى شهرُ الصِّيام بفضْلِهِتجلَّى هلالُ العِيد من جانِب الغَرْبِ
كحاجبِ شيْخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِهيُشِيرُ لنا بالرَّمْزِ للأكْلِ والشُّرْبِ
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة

وهو مأخوذ من قول العَقِيلِيّ:

قُمْ هاتِها وَرْدِيَّةً ذَهبِيِّةتبدُو فتَحسَبها عَقِيقاً ذابَا
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «قم هاتها وردية ذهبية»
أو مَا ترى حُسْنَ الهلالِ كأنَّهُلما تَبدَّى حاجِبٌ قد شاَبَا
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة

ألا قوله) من طول عمره (تكميل حسن.

ومما قلته في بعض الرسائل: شابَ حاجبُ الهلال وما دَانَاه كمالاً، واشتعل رأسُ الشمسِ شَيْباً ولم تَرَ له مِثالاً.

ومما يُضاهَي هذا ما قلتُه لمَّا رأيتُ قول الثَّعالبيّ، في مدح قصْرٍ بناهُ الصَّاحِبُ ابن عبَّاد:

لِلهِ قَصْرٌ ترَى كلَّ الجمالِ بهِوأسْعُدُ الدهرِ تبْدو من جوانِبِهِ
كأنَّما جَنةُ الفِرْدَوْسِ قد نزلَتْإلى خُوَارَزْم تَعجيلاً لصاحِبِه
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

ورأيت ما فيه من الغَفْلة؛ فإن تعْجيلَه بالدخول لها إنما يكون بالموت، ففيه إيهام لا يَلِيق بمثلِه، فقلتُ في هذا المعنى، وأتيْتُ فيه بنوعٍ من الاحْتِراس، سمَّيْتُه التهذيب:

بنَى داراً يحارُ الوصفُ فيهاوتَهْواها المحاسنُ والمَسَرَّةْ
كأنَّ الجنَّةَ اشْتاقَتْةُ حتَّىله نزلَتْ أطالَ اللهُ عُمْرَهْ

وقد يقال: في قوله) نزلت (احتراس مَّا، لكَّنه خَفِيَّ، والمقام يأبَاه.

ومن ديوانه قولُه أيضاً:

كيف السَّبيلُ إلى كَتْمِ الغرام إذاكاتبْتُكم وأردْتُ السِّرَّ ينْكَتِمُ
وقد غداَ الطِّرْسُ بالوجْهَيْنِ مُشتَهِراًوباللِّسانَيْن أمسْى يُعْرَفُ القَلمُ

وقوله:

لقد مرضَ الجَهُولُ له فعُدْنَاونحنُ إذاً أُناسٌ رَاحُمونَا
فظنَّ بأنَّنا عُدْناهُ خوفاًفإن عُدْنَا فإنَّا ظَالِمُونَا

وقوله أيضاً:

إذا دُفِن الإنسانُ في الرَّمْسِ بُرْهةًوعاوَدْتَه تلْقاهُ بادٍ ثانَيَاهُ
وما ذاك إلا أنَّه مُتِّسمٌعلى كلِّ مغْرورٍ بأحْوالِ دُنْياهُ

ومما يُضاهي هذا، أن المولود يُولد باكياً، مقبُوضَ الكفِّ، فإذا مات فتَحها، فقال لحكماء: إنه إشارة لحرْصِه حيَّا، وأنه خرج منها بغير شئٍ، كما قيل:

وفي قَبْضِ كفِّ الطفلِ عندَ وِلاَدِهِدليلٌ على الحِرْصِ المُركَّبِ في الحَيِّ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «وفي قبض كف الطفل عند ولاده»
وفي بَسْطِها عند الممَاتِ إشارَةٌألا فانْظُرونِي قد خرَجْتُ بلا شَئِّ

وكم في الكَوْن من إشارات، فهو جميعُه ناطقٌ بالعِظات، ولكن مَن يسمع ويبصر!

وأنشدني له بعضُ أدباء الشام:

رأيتُ الكائناتِ خَيالَ ظِلٍّمُحرِّكُها هو الرَّبُّ الغَفورُِ
فصُنْدوقُ اليَمينِ بُطونُ حَوَّاوصُندوقُ الشِّمال هو القُبورُ

وليس له، فإني رأيتُه منسوباً للشيخ ابن عَرَبيّ، وهو معنىً مشهور، ولكنه تصرَّف فيه فاستعار عَباءَةً، ورد دِيباجَةً.

وأصلُه من قول الآخر:

رأيتُ خيالَ الظِّلِّ أكْبرَ عِبْرَةٍلمن هو في عِلْمِ الحقيقة رَاقِي
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
شُخوصٌ وأشكالٌ تَمُرُّ وتنقضوتَفْنَى سَرِيعاً والمُحرِّكُ بَاقيِ

ومنه وَلَّد ابن الوَرْدِيّ في الحَمَّام قوله:

وما أَشْبَه الحَمَّامَ بالموْتِ لامْرئتبصَّرَ لكن أيْنَ مِن يتَبصَّرُ
يُجرَّدُ من أموالهِ ولِباسِهويبْقَى مِن كلِّ ذلك مِئْزَرُ

ومما قلتُه فيه:

إن يكُنْ يَحْكِي خيالَ الظِّلِّ فيفِعْلهِ دهرٌ لنا يُبْدِي العِبَرْ
فعسَاهُ عن قريبٍ مُظهِراًصوراً أحْسن مِن هذِي الصُّوَرْ

وقلت أيضاً:

هي الُّدنيا خَيالَ الظِّلِّ تَحكييُحرَّكُها القضاءُ كما يقُدِّرْ
ولولا السِّتْرُ ممْدودٌ عليْهِمن الغَفَلاَتِ ما ألْهَى وما سَرّ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.