تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

أبو الفتْح بن عبد السلام الِمالكيّ المغْرِبِيّ، نزيل الشام

نادِرة الفلَك، وهدية الزمان، ونُكتَةُ عُطارِد المُدوَّنة في صُحف الإمْكان، وبُرهان مَن قال من الحكماء بتعَدُّد نوع الإنسان.

وليس الغريبُ مَن تناءَتْ دارُه، بل مَن فُقِد من الكرامِ نُظراؤُه وأنصاره، وهو غريبٌ في فضْله ومجدِه، وإن ملَك من الأدبِ مُلْكاً لا ينْبغي لأحدٍ من بعدِه.

ولما أشرقَتْ بالمغْرِب شموسُ علمِه وآدابه، وزها نورها إذ جَرى في عودِه ماءُ شبابه، أسفَر وجْه صباحِه، وجَلاَلَهُ الظَّفَرُ غُرَّة نجاحِه، فحلَّ عَقْد عزيمَتِه بالشام، كما حَلَّ الربيعُ نِقَابَه عن منْظرٍ بَسَّام:

والرِّيحُ تجْذِبُ أطْرافَ الغصونِ كماأفْضَى الشَّقيقُ إلى تَنْبِيِه وَسْنانِ

فألقى بها عصَا تَسْيارِه، ونفَض عن بُرْدهِمَّتِه غُبارَ أسْفارِه، وبنَى أمرَه على السْكون وماضِيَ حالِه على الفتْح، وقد شدَتْ وُرْقُ فصاحتِه بها بأطْربِ تَرنُّمٍ

وصَدْح، فمضَى زمنٌ ونَوْرَ الأدب لا يُجْتنَى إلا من رِياض كلامِه، وسُورَة الفتْح بمُحَارِبِيها لا تُتْلَى بغيْرِ ألْسنةِ أقْلامهِ، وإثْمِد مَراوِدِها كُحْلُ البصائرِ، وتُحَف آثارِه يتلَقَّى رُكْبانها كلّ بادٍ وحاضر، حتى في نادي القضاء تربَّع واحْتَبى، وأصبح طِرازُ مذهبِ مالكٍ به مُذْهَباً.

وصار فيهم غريبَ الفضْلِ مُنفرِداًكبيْتِ حسَّانَ في ديوانِ سَحْنُونِ

فأنار ليلَه الحالِك، وتصرَّف فيه تصرُّف مَالِك، بأخلاقٍ تُعْصَر منها شَمول الشَّمائل، وفضائلَ جَمَّةِ المآثرَ سَحْبانُ عندها بأقِل.

إلا أنه مع تملُّكِ جواهرِ العلوم، وتقَلُّد جِيد كمالِه بعُقود المنْثور والمْنظوم، عادَاه دهرُه، وصافاه فقْرُه، فظل يَمْترِي صُبَابة عيشٍ لو أنها نَوْمٌ ما شُعرتْ بها الاحْداق، ويتحمَّل من أثْقالِها ما يُوهِن القُوَى والأعْناق.

ولم يزل كذلك حتى غارَ ماءُ حياتِه، وانْغَلق على الفتْح بابُ قبرِه عند مماتِه، فانفتَحتْ له أبوابُ الجِنان، فسقاهُ اللهُ رَحِيقَ غُفرانِه بين رَوْحٍ ورَيْحان، ونزَّه عيونَ رجائِه، وأمَّلَه في رياضِ الجِنان، بين الحُورِ الحِسان.

فمن نظْمه الذي حشَا الأسْماع سِحْراً، وملأَ أفْواهَ الرُّواةِ دُرَّاً، قولُه:

بأبِي ألْعَسَ المراشِفِ ألْمَىمائِسَ القَدِّ ناعِسَ الأجْفانِ
سرَق الجِيدَ واللِّحاظَ من الظَّبْيِ ولِينَ القَوام مِن غُصْنِ بَانِ
عطَفتْهُ الصِّبا إليَّ وماليبالصِّبا بعدَ ما تراهُ يدَانِ
فتحاشَيْتُ لَثْمه خِيفَة الْإثْمِ وأطْلَقتُ مُقلتِي ولِسانِي
آهِ لولا التُّقَى ومُعتَرَكَ الشَّيْبِ لطاوَعْتُ في الهوَى شيْطانِي

وله من قصيدة:

حاز الجمالَ بأسْرِه فُمحِبُّهفي أسْرِه لم يَرْضَ حَلَّ وَثاقِهِ
قسَماً بصُبحِ جَبينِه لو زارنِيجُنْحَ الدُّجَى وسعَى إلى مُشْتاقِهِ
لفرَشْتُ خَدِّي في الطَّريق مُقبِّلاًبفَمِ الجُفونِ مَواطئَ اسْتِطْراقِهِ
وصفَحْتُ عن زَلاَّتِ دَهْري كُلِّهاوعَنادِه فيما مضَى وشِقاقِهِ

وقول) بفم الجفون (إلخ، كقوله أيضاً في أرجوزتهِ المشهورة:

تكادُ من عُذوبةِ الألفاظِتشْربُها مسامِعُ الحُفَّاظِ

وهذا نوعٌ من البديع غريب، بيناه في) حديقة السحر (.

وله نظائرُ كثيرة، وهو على نَهجْ قوله تعالى:) وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ (كما أشار إليه في) الكشاف (.

وقد أوضحه الغَزِّي بقوله في بعض قصائده:

إن لم أمُتْ بالسَّيفِ قال العُذَّلُما قيمةُ السَّيفِ الذي لا يَقْتُلُ
وتُغيُّيرُ المُعتادِ يحسنُ بعضُهللوَردْ خَدُّ بالأنوفِ يُقَبَّلُ

ومنه ما أنشدَه لنا صديقنا الطالُوِيّ لنفسِه:

أَرُودُ بلَحِظي وَرْدَ خَدَّيْه والذيجنَى وَرْدَ الخُدودِ فما أخْطَا
وأرشِفُ بالألْحاظِ خَمْرَةَ رِيقهِلأنِّي امرُؤ آلَيْتُ لا ذُقتُ إسْفَنِطَا

وهذه الخمرة لا يليق بها غير نقل البُحْتُرِيّ في قوله:

تُفَّاحُ خَدٍّ إذا احْمرَّتْ محاسِنُهمُقَبِّلٌ اللَّحْظِ مَعْضوضُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما لعيني طليح الشوق تغميض»

وقوله) معْضوض (بدل من قوله) مقبل (، وهو غيرُه وليس بدل غلَط. وأنظره؛ فإنه من سِحر البلاغة.

ومما نحن فيه قول ابن الرُّومِيّ:

بَدرٌ كأن البدرَ مقْرونٌ عليه كَواكبُ
عَذُبتْ خَلائِقهُ فكاد من العُذوبةِ يُشْرَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قدم الأمير أخو الأمير»

ولابن هِنْد في عُود البَخور:

رأيتُ العُودَ مُشتَقَّامن العُودِ بإيقانِ
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة
فهذا طِيبُ آنافٍوهذا طِيبُ آذانِ
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة

ولابن المُعْتَزّ في فرس:

يكاد لولا اسْمُ الإله يصحَبُهتأكلُه عوننا وتشرَبُه

وللشَّريف الرَضِيّ:

فأتَني أن أرَى الدِّيارَ بَطرْفيِفلعَلِّي أرى الدِّيارَ بسَمْعيِ
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «عارضا بي ركب الحجاز أسائل»

ومنه أخذ القاضي الفاضِل قولَه:

مَثْلَتْهُ الذِّكْرَى لِسَمعي كأنِّيأتمشَّى هناك بالأحْداقِ

وأجاد أيضاً، حيث قال:

الجودُ أمْدَح ممَّن قام يمدَحُهُفالنَّاسُ ما نَطَقُو إلاَّ مِن النَّظَرِ

وقوله ابن خَفاجة المغْربيّ الأندَلُسِيّ، وهو مَن رَماهُ الْحَدَق:

وأهْيَفٍ قام يسْعَىوالسُّكرُ يعطِفُ قَدَّه
وقد ترنَّح غُصنْاًواحْمرَّتِ الكأسُ وَرْدَهْ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وأهيف قام يسقي»
وألهبَ السُّكرُ خَدِّاأوْرَى به الوَجْدُ زَنْدَهْ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وأهيف قام يسقي»
فكاد يشرَبُ نفْسِيوكِدتُ أشربُ خَدَّهْ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وأهيف قام يسقي»

ولناصح الدين الأرَّجَانِيّ:

ورشَفْنا مُدامَ نظمٍ ونثرهمِن كئوسٍ تُذاقُ بالآذانِ

وقلتُ أنا:

نَرجِسُ الروض قد زَها لِعُيونِلا أرَى المشْيَ فيه للطُّرَّاقِ
قلتُ لمَّا أتيْتُه لخليليامْشِ يا صاحٍ فيه بالأحْداقِ

والشيءُ بالشيءِ يذكر، هذا في معنى قولي قديماً مُضمِّناً:

يا صاحِ إن وافَيْتَ روضةَ نَرْجسٍإيَّاك فيها المشْيَ فْهو مُحَّرَّمُ
حاكَت عُيونَ مُعذِّبِي بذُبولِهاولأجْل عينِ ألفُ عينٍ تُكرَمُ

ولصاحب الترجمة من قصيدةٍ، مدح بها العلامة عَلِياَّ الحنَّائيّ، وعاتَبه على قطعِ مرتَّب له:

أن قطعَ السَّيِّدُ عن عبْدِهما كان قد رَتَّب من رِفْدِهِ
فالعبدُ لم يقطَعْ دُعاءَ لهرتَّبه كالجُزءِ من وِرْدِهِ
ولا ثناءَ حسَناً نَشْرُهكالمِسْكِ والعنْبرِ في نَدِّهِ
أو كرياضٍ رَاضَها وَابِلٌفابْتسمَ اليانِعُ من وَرْدِهِ
وانتظَمتْ من نَشْرُ أزهَارِهاجواهرُ الأنْداءِ في عِقْدِهِ
وهْوَ غنيٌّ عن ثَناءِ إمْرئٍظلَّ كَلِيلَ الذِّهنِ من فَقْدِهِ
إذ مهَّد الحقُّ له رُتْبةًعظيمةً مُذْ كان في مَهْدِهِ
ونال ما شاءَ من المجدِ لابسَعْيِ إنْسانٍ ولا كَدِّهِ
فهْو عَلِيٌّ لا بمَدْح الوَرَىله ولكن بسَناَ سَعْدِهِ
وإنما أَوْجبَ مدْحِي لهتتابُعُ النَّعماءِ من عِنْدِهِ
وما حَباهُ الحقُّ سبحانَهمن العُلا الزائدِ عن حَدِّهِ
والعلمُ والتَّحقيقُ والفهمُ والتوفيقُ والتَّدقيقُ من قصْدِهِ
والشُّكرُ للمنعِم فرضٌ بهيأمَنُ ذُو الإيمانِ من طَرْدِهِ
وفيه لا شكَّ مَزِيدٌ لمنلازَمَه والكلُّ من عنْدِهِ
هذا وإن العبدَ يْبغِي الرِّضافي قُرْبِه الأقْرَبِ أو بُعْدِهِ
ومالَه في غيرِه رَغْبَةٌوالعبدُ مَحْمُولٌ على قَصدِهِ
وليس ذَا حُزْنِ لما فاتَ مِندُنْياهُ مُذ سِيق إلى رُشْدِهِ
سِيَّانِ فَقْرٌ وِغِنًي عندَهلما هُو المعهودُ من زُهْدِهِ
وما تصَدَّى لصَدَى آلةٍقبيحةٍ تُقْضِي إلى صَدَّهِ
سوِى لزُومِ البيْتِ مُستوحشاًمن الورَى حتى ذَوِى وُدِّهِ
مُشتغِلاَ بالعلمِ مُستغرِقاًأوقاتَه فيه وفي سَرْدِهِ
قد لزِمَ العُزْلةَ لكنهلصَحْبِه باقٍ على عهْدِهِ
أقسمَ لا يبرَحُ من بيتِهحتى يُوارَى في ثَرى لَحْدِهِ
إن مات لم يتْرُك له دِرْهمايحوزُه الوارِثُ من بعْدِهِ
ولا أثاثاً لا ولا مَلبَساًيصلُح للبيْع سِوى بُرْدِهِ
وفرْوةٍ جَرْداءَ من عِنْقهاأضلاعُه تَرعَدُ من بَرْدِهِ
وطَيْلسانٍ خَلَقٍ دمعُهمن عِتْقِه يجْرِي على خَدِّه
ولم يكن يترُك شيئاً إذافارَقَه يَأْسَي على فَقْدِهِ
غيرَ بقايَا كُتُبٍ رَثَّةٍأكثُرها قد مات في جِلْدِهِ
يُباعُ في تجْهيزِه بعضُهاوالبعضُ وَقْفٌ لا على وُلْدِهِ
هذا لعَمْري عَرْضُ حالي علىمَن أجمعَ النَّاسُ على حَمْدِهِ
لا برِحتْ أعتابُه قِبلةًيَؤُمُّها العارفونَ من وَفْدِهِ
ما هَطَلتْ أُنْمُلَةٌ بالنَّدىمن رَاحةٍ كالبحرِ في مَدِّهِ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.