من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
علاء الدِّين بن مَلِيك الْحَمويّ
هذا شاعر حَماة، ومن كَلأَ سَرْحَ الأدب بها وحَماه.
رآه أبو الفتح المالِكي، وقد رَقي شرفَ عِلْمِه وسَمَا، وهو بحانوتٍ له يبيعُ الأقْسما، وأقلامُه قُضُب على جَداوِل الطُّروس ميَّالة، أسبلَ على وجْهِ دَوْحِها الزَّاهِي ظِلالَه، بل لواءٌ على مَلِك الكلام، أو عمودٌ نُصِب عليه من السِّحر خِيام، وهو يخْلِب الأسْماعَ بسِحْره، ويُريق حلوَ مائِه على صِناعة شَعْرِه.
ثم رفعَتْه حِرفةُ الأدب عن حَضِيض دُكَّانِه، إلى أن صار ملك الأدب بديوانِه، فنادى لسانُ قَرِيضِه النَّظيم: ما هذا مَلِيك بل مَلَك كريم
وقد وقفتُ على) ديوانه (فجَنَيْتُ من ثَمراتِ حُسْنِه وإحْسانه، قولَه من قصيدةٍ له:
ذُكِر الغَضَا فَحَنَتْ عليه أضْلُعِيوبكَى العَقِيقُ فساقَطتْه أدْمُعِي
لِلَّه دَرُّ دُموعِ عيْني إنهاوقعَتْ مِن الأجْفانِ أحْسنَ مَوْقِعِ
مَن لي بقَلْبي يومِ كَاضِمةٍ وقدودَّعْتُهم لو خَلَّفوا قلبي مَعي
رحَلوا فكان القلبُ أوَّلَ راحلٍوالصَّبرُ آخِرَ ظاعنٍ ومُودِّعِ
وقوله من أخرى:
طِرازُ ذاك العِذارِ من رَقَمَهْودُرُّ دَمْعِي بفِيهِ من نَظَمَهْ
وخالُه فوق كَنْزِ مَبْسَمِهِبالمِسْكِ قُفْلاً عليه من خَتَمَهْ
مَن لي به ظالَم الجفُونِ سَطَاظُلْماً على صَبِّهِ وما رَحِمَهْ
وقوله من أخرى:
يا بريقاً بالحِمَى قد لَمَعَاحَيِّ عنِّي البانَ والأَثْلَ معَا
فبذاك الحَيِّ لي غُصْنُ نَقاًطائرُ القلبِ عليه وَقَعَا
يا لَه من غُصنِ بَانٍ يانِعٍصادِحُ الحَلْيِ عليه سَجَعَا
وقوله من أخرى:
أحْيَا الرَّبيعُ الأرضَ بعد مماتِهَاوحَلاَ بسَكْبِ القطرِ عُودُ نباتِهَا
والزَّهرُ قد ألقَى النَّثار كأنَّماأدَّتْ كنوزُ الأَرضِ بعضَ زَكاتِهَا
وحكَتْ جداوِلُها خَلا خِيلاً وقدأضْحى خَرِيرُ الماء من رَنَّاتِهَا
وقوله من أخرى:
سُقْياً لأرضٍ بعد كَوْثَرِ مائِهاما اشْتاقَ قلبي للموارِد مَنْهَلا
لولا بقايَاهُ وحَقِّك في فمِيما قلتْ شِعراً في المسامِع قد حَلاَ
وهذا من قول بلدِّية ابن حِجَّة من قصيدة:
ولولا بقاياَ طَعْمِهم في مذَاقَتِيلما ظَهَرتْ هذِي الحَلاوةُ في شِعْرِي
ومن نُتَف له:
مدَحتُكُم طمَعاً فيما أُؤَملُهفلم أنَلْ غيرَ حْمل الإثْمِ والنَّصَبِ
إن لم تكنْ صِلَةٌ منكُمْ لذِي أدَبٍفأجْرَةُ الخطِّ أو كَفَّارةُ الكَذِبِ
وقوله أيضاً:
يكادُ لرِقَّةِ أعْطافهمن الِّينِ يُعْقَد لْولاَ الكَفَلْ
فإن قيل بدرٌ فقُلْ عبْدُهوإن قيل شمسُ الضَّحَى قل أجَلْ
ونحوه قول ابن حَجَر:
حبيبيَ لا تحتَفِلْ بالعَذَلْوصِلْ مُغرماً للضَّناَ قد وَصلْ
وحَقَّك إن العَذلَ الأقَلّوأنْتَ الحياةُ وأنتَ الأجَلْ
ومن قصيدة له:
وفوقَ ظُهورِ الخْيلِ ماتُوا فأصْبَحواوفي كلِّ سَرْجٍ فوقَها لهُمُ قَبْرُ
وقد تواردَ في هذا المعنى مع ابن حِجَّة، في قوله من قصيدةٍ، وكنت لما طالعتُ في) ديوانه (لم أرَ له معنى ابتكَره غيره، وهو:
ماتُوا على تِلك السُّروجِ مخافةًفكأنَّ هاتِيِكَ السُّروجَ مَقابِرُ
وهو تشبيهٌ لطيف؛ لأن هيئةَ دَفَّتَيِ السَّرج، كهيئةِ جانِبَيِ القبر المصنوع من الحِجارة في هذا الزمان.
وقد سبَق إليه ابن نُبَاتَة، في مَرثِيَّة له:
وما الناسُ إلا راحلٌ بعد راحلٍإذا ما انْقَضَى عصرٌ مضى بعدهَ عَصْرُ
تَبدَّت لدَى البَيْدا مطاياَ قُبورِهمْليعلم أَهلُ العقلِ أنَّهمُ سَفْرُ
ثم رأيتهُ في أشعار المتقدِّمين، لكن هذَّبه، فإن أبا نُواس قال في قصيدته، التي أولها:
أجارةَ بيْتَيْنا أبوكِ غَيورُوميْسورُ ما يُرْجى لدَيْكِ عَسِيرُ
ومنها:
إليك أتَتْ بالقوْم هُوجٌ كأنَّمَاجَماجِمُها تحت الرِّحالِ قُبورُ
قال الصُّولِيّ: أي إبلٌ كأن بها هُوجاً لنشاطٍ في سيْرِها، وهذا التَّشبيه بالقبر حسَن، لكنه أخذَه من قول الوليد:
كأنَّ هاماتِها قبْرٌ على شَرَفٍيْمدُّ للسَّيْرِ أوْصالاً وأصْلابَا
انتهى.
وها هنا أمرٌ نفيس، ينبغي الإصغاء له، لأن الجماجِم الرؤُس، ولو شَبَّه أسْنِمتَها أو الرِّحال التي عليها بالقبور، لكَان مِن المعاني التي لا نَظِير لها. فاسْتِحْسان الصُّوِلِي ليس بحسن، وكان المتأخِّرين إذ كانوا رأَوْه تنبَّهوا لهذا، وهذا من حُسْن الظَّن بالسَّلف، وإلا فللْمقال مجَال.
فإذا فطِنْتَ لما قُلناه، وفهِمتَه علمتَ أن هذا كلَّه لا يصل في الحُسن إلى درجةٍ من درجات قوِلي، من قصيدةٍ لي:
إذا جئتُ داراً قبل لُقيايَ أهلِهاأُلاقِي قُبوراً للكرامِ أولي المجدِ
عليهْا لقد حطُّوا رِحلاً بمنْزلٍوكم هَوْدجٍ من بينهما مُر تَخِي الشَّدِّ
لينْتَظِروا مَن خَلفَّوه بدُورِهمليلْحقَهم قبلَ القِيامِ بلا جَهْدِ
يقولون جِدُّوا في الرَّحيلِ فإن مَنتَبَقَّى أُناسٌ أُرضِعُوا اللُّؤمَ في المْهَدِ
وقولي:) قبل لقياي (إلخ، إشارة إلى أن قبور كلِّ بلدة خارجُها، فكل قادم لا بد أن يُلاقيها أولاً.
والى هذا المعنى أشار القاضي الفاضلُ في قوله:
المُدْنُ إن رجَع المُسافرِ أو إذا خرجَ المُسافِرْ
ما استَقْبَلَتْه ووَدَّعتههْهُ بغيرِ هاتِيكَ المقابِرْ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع