من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
صلاح الدين الكوراني الحلبي
فاضل، شاعر، ناظم، ناثر، مكثر، مسهب، مطرب، معجب.
رايته بحلب يعاني حرفة الوراقة، ويكتب للقضاة الوثائق التي شدت وثاقه، وقد قيده الكبر، وعاقه الدهر أبو العبر، فحجل بين الغرائب والرغائب، وفتل بيد فكره في الذروة والغارب، وهو في مهد الخمول راقد، فمرت به النوائب وهو على طريقها قاعد.
وقد كان امتدحني بعدة قصائد، منها قوله:
شِهابُ المعالي قد أضاءَتْ به الشَّهْباَوقد أطْلَعتْ من غُرَّ أفكارِه الشُّهْباَ
ومن قبلُ أخْبارُ الثَّناءِ تواتَرتْوقد ملأتْ أسماعَنا لُؤلُؤاً رَطْباَ
وكان التَّمَنَّي أن يُطابِقَ سْمعُناَنواظرَنا واسْتغرقَتْ قلْبَنا حُبَّاً
وقد أعْرَبتْ ألفاظُه مَعْ تأخُّرٍعن السَّبْقِ حتى فاقَتِ العَرَبَ العَرْباَ
فمن منطقٍ عذبٍ وفضلٍ مُوجَّهٍإلى المدح إيجاباً وللحاسدِ السَّلْباَ
بنَي غُرَّ أبْحاثٍ له قد تأسَّسَتْفلم يستطِعْ باغِي الجوابِ لها نِقْبَا
إذا كان منه الفهمُ في البحْثِ سابقاًوذلك منه لا يفارِقُه دَأْباَ
فأهلاً بَمن يحْيا به مَشْرِقُ العُلاوقد كان كالعَنْقاء جاوَزتِ الغَرْبَا
ومن حلَبٍ كان الفِطامُ من الُمنَىفقد يبِسَتْ منها ضُروعُ الُمنَى حَلْباَ
إلى أن أتاحَ اللهُ بعضَ بقيَّةٍمن الحَزم حتى زَاحَمُوا المنْهَلَ العَذْبَا
فتَبَّاً لمن قد زاغَ عن وُدَّه وقدْتبَدَّى ثَبُوتَ القولِ إذ أظْهَروا اَلحرْباَ
ومُذ قدأتَي هذا الزَّمانُ بمْثِلهِلبيباً عِلمْنا أنه قد حَوى لُبَّا
قدِ اغْدَوْدَقتْ يُمْناه من بَرْقِ بِشْرِهوقد سحَبتْ غُرُّ المعالي له سُحْباَ
وأسْقَت أيادِي فضْلهِ سُحُبَ النَّدىوقد غرَستْ من حُبَّه في الحشاَ حَبَّاً
له قلمٌ إن ينْفُثِ السَّحْرَ نافعاًفما ضَرَّهُ أن لا يغادِرَه عَضْباً
فيا مَن له في مصرَ والشام هِمَّةٌوباَعٌ طويلٌ يَبْهَر الرُّوم والعُرْباَ
على حلَبٍ لَّما قدِمْتُم تبسَّمَتْثغورُ مبانِيها وتاهَتْ بكم عُجْباَ
وأبناؤُها القومُ الذين مُرادُهمْوِدادٌ ولا يبْغُون مالاً ولا كَسْبَا
على ذا مَضى عهدُ الأخِلاَّءِ والذييرُومُ خِلافَ الوُدَّ يستَوْجِبُ السَّبَّا
وأشكُو إليكَ الدهرَ عَبْدَك إنَّنانُسائِلُه سِلْماً يجاوبُنا حَرْباً
وكم قَعَدتْ عن سبْقِها كلُّ صافِنٍتُساَبِقُها العَرْجاَ وتَلْحَقُها اَلحدْباَ
وإنَّي على فِعْلِ الزمانِ لواجدٌبُكاءً على الخنْساءِ في صَخْرِها أرْبَى
وقد زَعَمُوا أن الدُّخانَ مُجَفَّفٌفداوَيْتُ دَمْعي في تَناوُلِه شُرْباَ
وفي كلَّ معْنَى فيه قد رَقَّ رِقَّةٌأُعلَّلُه مَن كان سارَقَه غَصْباَ
وعبدُك ذيَّاك الصَّلاحُ مُقصَّرٌبمدْحِك لكن لا يقولُ به كِذْباً
ولو لم يكن قَيْدُ الكتابةِ عائقيوثقلةُ توقيعي الوثائقَ والكُتْباَ
لحاولْتُ من عَجَّاج فِكرِك قَطْرةٌكما يشْرَبُ العُصفورُ من مائِه عَبَّا
فكيفَ وقد أصْبَحتُ عبداً مُكاتَباًولا عِتْقَ لي حتى أرَى الَّلحْدَ والتَّرْباَ
فلا زلتَ في أعْلَى مقامٍ إذا حدَتْحُداةُ حِجازٍ في السُّرَى تُطْرِبُ الرَّكْباَ
وأنشدني له:
لَعمرُكَ لم أشْرَبْ دُخاناً لأجْلِ أنْتُسَرَّ به نفسٌ تدَانَي خُروجُهاَ
ولكن زنابيرُ الهموم لَسَعْنَنِيفدَخَّنْتُ حتى يسْتَبِين خُرُوجُهَا
ولما أنشدني هذا، أنشدته قطعاً لي في معناه.
منها قولي:
ما شرِبْتُ الدُّخانَ إذ سِرْتُ عنكُمْلِتَلَةٍّ به عن الأحْزانِ
أحْرَقتْني الأشواقُ فالقلبُ منهاصار بالوجْدَ مَخْزَنَ النَّيرانِ
فخشِيتُ الأنْفاسَ تَفْضَحُ حالِيفلهذا ستَرْتُها بالدُّخانِ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع