من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
الأمير منجك بن الأمير محمد بن منجك
الجركسي أصلا ومحتداً، الشامي منشأً ومولدا.
أديب أريب، ونجيب ابن نجيب.
أورق عوده بالشام وأثمر، فإذا عدت السجايا عرضاً فسجاياه جوهر.
نشأ بها والدهر ابيض أقمر، ونادم العيش والعيش اخضر.
وللبقاع تأثير في الطباع، والعرق كما قيل لمغرسه نزاع، ومن كان جار الرياض لبس طبعه برد نسيمها الفضفاض، كما لبس النهر الجاري، درع النسيم الساري؟
وقد نسَجتْ كَفُّ النَّسيم مُفاضَةًعليه وما غيرُ الحُبابِ لها حَلَقْ
وقد صحبني بجلق، ونسيمه سجسج، وخيوط شبيبته بيد الكهولة لم تنسج، ولا زمني إذ رأى انعطافي عليه، وشبه الشيء منجذب إليه.
ومدحني بمدائح أطال فيها واطاب، وغنم الصحبة ولم يرض من الغنيمة بالإياب.
ومما كتبه إلى من شعره، وقد طلبت منه ما ودعه في الرحلة.
صورة ما مدحت به مطلع نجوم المعالي، وفلك شموس الموالى، المولى عبد الرحمن حين، قلد صارم الأحكام بدمشق الشام، صينت عن حوادث الأيام:
آلَى الزَّمانُ عليه أن يُوالِيكاَيُثْنىِ عليْكَ ولا يأْتيِ بثاَنِيكاَ
إذا سطاَ فبأحْكامٍ تُنفَّذُهاوإن سخَا بفضلٍ من مساعِيكاَ
لِيَهْنِ ذَا العيدَ حَظٌّ مِنْكَ حينَ غَدَتْعُلاهُ ثم حُلاَهُ من أياَدِيكاَ
هِلالُه نال فوقَ البدْرِ مَنزلةًمُقبَّلاً وجهُه أعْتابَ نادِيكاَ
مُجمَّلاً بأياَدٍ منكَ فائِقةٍمُعطَّراً بَغوالٍ من غَوالِيكاَ
وافَى يُهَنَّى بكَ الدنياَ ونحنُ بهيا بَهْجةَ الدَّينِ والدنيا نُهَنَّيكاَ
مَن ذا يُضاهِيك فيما حُزْتَ من شَرَفٍومن يُدانِيكَ في حِلْمٍ ويْحكِيكاَ
فالشمسُ مهْماَ ترقَّتْ فهْيَ قاصِرةٌعن بعضِ أيّسرِ شيءٍ من مَراقِيكا
والبدرُ لَمْحةُ نُورٍ منكَ نُبْصرُهاوالبحرُ قطرةُ ماءٍ من غَوادِيكا
وكلُّ طَوْدٍ تَسامَى فْهو مُحتقَرٌإذا بدَتْ وَهْدةٌ من نحوِ وَادِيكاَ
وكلُّ مْجدٍ فمن عَلْياكَ مُكتسَبٌوكلُّ فَخْرٍ نَراهُ في حواشِيكا
وما حكَى السَّلفُ الماضَي وحدَّثنامن السَّجايا بهِ إحْدى التي ِفيكا
تعنُو لعِفَّتِك الزُّهَّادُ مُذعِنَةًويحسُد الفَلكُ الأعْلى مَغانِيكاَ
يا ابنَ الُحساِم الذي للدَّينِ نُصْرتُهأنتَ الُمفدَّى وكلُّ الناسِ تَفْدِيكاَ
أعيادُنا كلُّها يومٌ نراكَ بهوليلةُ القدْرِ وَقْتٌ من لَيالِيكا
ومما مدحت به أيضا المولى المذكور، دام في رغد عيش وسرور:
الناسُ كلُّهمُ شِراءُ عَطائِهِوالعِيدُ والنُّورُوزُ من آلائِهِ
يخْتالُ ذَا باَلحلْىِ مِن عَلْيائِهشرَفاً وذا بالوَشْى مِن نَعْمائِهِ
قرَّتْ به عينُ الغزالةِ واغْتدَتْمكحولةً في أُفْقِها بضِيائِهِ
ما أنبتَ الأدْواحَ بعد ذُبولِهاإلا سقُوطُ الطَّلَّ من أَنْوائِهِ
سَلْسالُها ونسيمُها من لُطْفِهِوعَبِيرُها من بعضِ طِيبِ ثَنائِهِ
مولًى أقلُّ هِباتِه الدنيا فقلْما شئتَ في معروفِه وسَخائِهِ
عَدْلٌ له ما زال يُورِقُ عُودُهحتى استظَلَّ الأمْنُ في أَفْيائِهِ
غيثٌ أغاثَ به الُمهْيمِنُ خلْقَهُمُتفضَّلاً وقضَى لهم بقَضائِه
نَجْلُ الذي الأفْضالُ من ألْقابِهِوحُسامُ دينِ اللهِ من أسْمائِهِ
السَّعدُ من خُدَّامِه والعِزُّ منأتْباعِه والمجدُ من نُدَمائِهِ
تسْعَى المواسمُ كُلُّها لِرِحابِهِإذ لا بَهاءَ لها بغيْرِ بَهائَهَ
ومما مدحت به إمام الأئمة، موضح المشكلات المدلهمة، يوسف ابن أبى الفتح أمام حضرة السلطان، دام منصوراً مظفراً في كل ان ومكان:
قمرٌ إذا فكَّضرتُ فيه تعتَّباَوإذا رآني في المنام تحجَّباَ
صادفْتُه فتناولَتْ لحظاتُهعقلى وأعْرضَ نافراً مُتحجَّباَ
مُتورَّد الوجَناتِ خَشْيةَ ناظرٍأضْحى برَيْحانِ العِذارِ مُنقَّباً
ساومْتُه وَصْلاً فأعْجَم لفظُهوأظنُّه عن ضِدَّ ذلك أعْرَباَ
أنا مِنْه راضٍ بالصُّدودِ لأنَّنيِأجِد الهوانَ لدى الهوَى مُستعذَبَا
شيئانِ حدَّثْ باللَّطافةِ عنهماعَتْبُ الحبِيب وعَهْدُ أيَّامِ الصَّباَ
وثلاثةٌ حدَّثْ بطِيب ثنائِهازَهرُ الرياض وخلْقُ يُوسفَ والصَّباَ
علاَّمةُ الآفاقِ من أشْعارُهلعلومِه أضْحَتْ طِرازاً مُذهَبَا
مَن لو رآه البحرُ يوماً مُغضَباًلرأيتَه من خَشْيةٍ مُتلهَّباَ
مَن لو أصابَ البرَّ أيسرُ قطْرةٍمن راحَتَيْهِ لعاد رَوْضاً مُخْصِباَ
مَن لو نظَمْتُ الشُّهبَ فيه مدائحاًلظَننْتُ فِكرِي قد أساءَ وأذْنَباَ
ما نسْمَةٌ سَحَرِيَّةٌ شِحْرِيَّةٌباتَتْ تُعَلُّ من الغَمامِ الأعْذباَ
نَشْوانةٌ وافَتْ تجرَّرُ في الرُّبَىذيْلاً بِمسْكِيَّ الرياضِ مُطيَّباَ
يوماً بأحْسنَ من صِفاتِ جَنابِه أنَّى تَداوَلها اللسانُ وأطْيَباَ
مَن ذا يُقاسُ بماجدٍ جُعِلتْ لهأرْضاً رِقابُ الحاسدين وقدْ أبَى
ومما مدحت به المبرز في العلوم، المالك أزمة المنطوق والمفهوم، والبارع في المنثور والمنظوم، المرحوم عبد الرحمن العمادي، مفتى دمشق الشام:
بانَ الخَلِيطُ ضُحًى عن الجَرْعاءِفمَن المُقِيمُ لِشِدَّةٍ وعَناءِ
اللهُ يعلمُ أن صُبْحِى في الهوَىسِيَّان بعد رَحِيلِهم ومَسائِي
تُطْوَى علىَّ النائِباتُ كأنَّنيسِرُّ الهوَى وكأنها أحْشائي
وأشدُّ ما يشْكو الفؤادُ مُمنَّعٌفي لحْظِةِ دائي ومنهُ دَوائي
رَيْحانةُ الحسنِ التي لعِبتْ بهارِيحُ الصَّبا لا رَاحةُ الصَّهْباءِ
تجْري مِياهُ الحُسنِ في أعْطافِهجَرْىَ الصَّبابةِ منه في أعْضائي
قمرٌ إذا حسَر القِناعَ مُخاطِباًشخَصتْ إليه أعْيُنُ الأهْواءِ
ملكَتْ وِلايةَ كلَّ قلبٍ مُولَعٍلَحَظاتهُ من عالمِ الإنْشاء
إن يُخْفِه ليلُ النَّوى فجبِينُهصُبْحٌ ينِمُّ عليه بالأضْواءِ
كم بِتُّ مَطْوِىَّ الضُّلوعِ على جَوّىأُغْضِى الجُفونَ به على الأقْذاءِ
فإلى مَ فيه تَهُّتكِى وتَنَسُّكِىوعَلى مَ فيه تبسُّمِي وبُكائي
عَلَّ الزَّمانَ يُفيدُني حْملَ الُمنَىحيثُ الْتجأْتُ لأوْحدِ العُلماءِ
نَجْلُ العِماد ومَن بنَتْ عزماتُهُبيْتاً دعائِمهُ على العَلْياءِ
مجدٌ سماَ بجَنابِه حتى لقدبلغَ السَّماءَ وفاتَها بسَماءِ
تَنْدَى أنامِلُه ويُشرِقُ وجُههفيجودُ باْلآلاءِ والَّلأْلاءِ
يقِظٌ بأعْقابِ الأمُورِ كأنَّماجُلِيتْ عليه حقائقُ الأشْياءِ
سُبْحانَ من جَمع الفَراسةَ والهُدَىلِجَنابه السَّامِي على النُّظَراءِ
ومَهابَةٌ ساد الوُلاةَ وَلاؤُهامَحْفُوفَةٌ بجَلالةٍ وبَهاءِ
وشَمائِلٌ رقَّتْ كما خطَرتْ علىزَهْرِ الرَّبيعِ بَواكِرُ الأنْداءِ
مولايَ بل مَوْلَى البريَّةِ في صَفَاصِدْقِ الطَّوِيَّةِ من بَنى حَوَّاءِ
أنت الذي ما زلْتَ تِرْبَ وِلايةٍوأبو الورَى في طِينِة والماءِ
تتْلُو على سْمعِ المحامدِ والثَّنَاآياتِ مدْحِك ألسُنُ النُّعْماءِ
للهِ أمٌّ ما غُذِيتَ بثَدْيِهاإلا لِبانَ العِزَّةِ القَعْساءِ
أطْلَعتَ شمسَ الفخْرِ في فلَك العُلاوحفَفْتَها بكَواكِبِ الأبْناءِ
المالِئُونَ قلوبَ أهلِ زمانِهمحُبّاً وأكْنافُ الرَّجا بغَناءِ
والضَّارِبونَ خيامَ سُؤددِهمْ علىهاَمِ السَّماك ومَفْرِقِ الجوْزاءِ
يا مَورِداً حامَتْ عليه غُلَّتيمُذ جِئْتُه مُستسقِياً ورَجائِي
وافَتْكَ من صَوْغِ القريضِ فَرائدٌنُظِمَتْ بأيْدِي الفْهمِ والآراءِ
لا بل سَقَيتَ رياضَ فكرٍ ما حِلٍمنَّى بفضْلِك صَيَّبَ الآلاءِ
فهصَرْتُ غُصْنَ معارفٍ ومآثرٍوجنَيْتُ نَوْرَ محامدٍ وثَناءِ
هيْهاتَ ما شِعْرُ الأنام مُقارِناًشِعْراً تشرَّفَ منك بالإصْغاءِ
ومما مدحت به أيضاً المرحوم عبد الرحمن العمادي المذكور:
يا ابنَ الأماجدِ أنتَ مِنْأيَّ الأفاضلِ وابنُ مَنْ
كذَبَ الذي حسِب الزَّمانَ أتى بمْثِلكُم وظَنّ
أيُقاسَ ما غرس العُلاَيوماً بخَضْراءِ الدَّمَنْ
والآلُ بالغْيثِ المُغِيثِ إذا تَوالى أوْ هَتَنْ
العِلمُ سِرُّ اللهِ لْيسَ عليه غيرُكَ يُؤتَمَنْ
والمجدُ سار إلى جَنابِكَ مِن أبيكَ على سَنَنْ
وبك المناصبُ فخرُهادون الورَى من قبْلِ أنْ
فإلْيك منَّى روْضةًبالشُّكرِ يانِعةَ الفَنَنْ
لِمَ لا يطِيرُ بِىَ الرَّجاء إلى حِماكَ مدَى الزَّمَنْ
وبذَرْتَ لي حَبَّ المُنَىونصَبْتَ لي شَرَكَ المِنَنْ
وملَكْتَ رِقَّ مدائِحِيبالخَلْقِ والخُلُقِ الحسَنْ
ومما مدحت به) شيخ الإسلام علم العلماء الأعلام (العلامة قدوة المحققين، وعمدة الفقهاء والمحدثين المرحوم الشيخ احمد المقري المغربي، سقى الله ثراه سحائب الغفران:
فخراً دِمَشْقُ على كلَّ البلادِ بَمنأوْلَى البريَّةَ معروفاً وعِرفاناَ
المَقَّرِيُ الذي في بعض أيْسرِ ماحوَى من الفضلِ كلٌّ راحَ حَيْراناَ
شمسٌ من الغرْبِ قد كانتْ مشارقُهابل دونَها الشمسُ يوم الفخرِ بُرهاناَ
أغَرُّ ما أحْدَقَتْ أيدِي الفِطام بهإلا وأضْحَى بماء المجْدِ رَيَّانَا
تكاد تقْرأُ في لأْلاَءِ غُرَّتِهمن سُورةِ العِزَّةِ القَعْساءِ عُنواناَ
له من الفكرِ ما تحْنُو لأيسرِهثواقِبُ الزُّهْرِ إرْشاداً وإذْعاناَ
وسِيرةٌ عن أبى حفْصٍ تلقَّنهاإلى وَقارٍ يُضاهِي هَدْى سَلْماناَ
مُصاحِبٌ حُسْنَ فعل الخير يعشَقهُمُراقِبٌ ربَّه سِرَّاً وإعْلاناَ
يقْضِي النهارَ بآراءٍ مُسدَّدةٍويقطعُ الليلَ تسْبيحاً وقُرآناَ
لأيٍّوِرْدٍ نُوَلَّى اليوم وِجْهَتناوقد غدا بحرُه الطَّامِيُّ مُرْجاناَ
لئِنْ مُنِحْنا بلَحْظٍ من مواهبِهِنِلْنا الثُّريَّا وكان الخيرُ عُقْباناَ
شفَى بدرْسِ) الشَّفا (مرضَى دِرايتِنالَّما أفاد مع) الإيضاح (إنْقاناَ
هيْهاتَ هيهاتَ مَن في القوم يُشْبهُهُهل السَّرابُ يُضاهي الغيْثَ هَتَّاناَ
إذا مشَى فعلَى الأعْناقِ مِشْيَتُهوإن رأيْتَ رجالَ الحيَّ رُكْباناَ
يا سَّيدَ العلماءِ العاملين ومَنهو الإمام المُفدَّى حيثُما كاناَ
أبْرأْتَ ذِمَّةَ دهرٍ جاء يَمْنحُنِيبعد الإساءةِ من لُقْياكَ إحساناَ
دهرٌ يُقتَّل آمالي وأوسِعُهإذ أنت مِن أهلهِ حَمْداً وشُكْراناَ
فطَأْ كما شِئْتَ لا تنفكُّ مُنتصِراًبأَخْمَصَيْكَ من الأعداء تِيجاناَ
واهْنَأْ فأَنت الذي أوْلاهُ خالقُهُمن الملائِكِ أنصاراً وأعواناً
واسمَعْ لها من قوافٍ لا يُماثِلُهاقولٌ من الشَّعر إلا قولُ حَسَّاناَ
واستَجْلِها نُزَهاً لو أنَّها رُزِقتْحظَّا لكانت لعيْنِ الدهرِ إنساناَ
قال: ومما أجبت به لغز في يراع، أرسله إلي الفاضل الذي طابت) بذكر مآثره (الأسماع محمد الكريمي،) وفي ضمنه لغز في مهند (:
فِدَى لك رُوحِي مِن رَشاً مْتَبَّرمِومن مُنْجِدٍ بالْمستَهامِ ومتْهِمِ
ومِن عاتِبٍ إلاَّ على غير مُذْنِبٍومِن ظالمٍ إلاَّ غير مُجْرِمِ
سقتْنِي العيونُ النُّجْلُ منك سُلافةًجرَتْ قبلَ خلْقِي في عروقي وأعْظُمِي
وأسْلَمني فيك الغرامُ إلى الرَّدَىفإن كنتَ مَن يرْضَى بذلك فأسْلَمِ
بعُدتَ ولى في كلَّ عُضْوٍ حُشاشةٌتذُوبُ وطَرْفٌ هامِعُ الْجَفَنِ بالدَّمِ
ولستُ مَلوماً أن مَن أيْقظَ النَّوىحُظوظِي التي لم تُجْنِ غيرَ تَنَدُّمِ
جلَبْتُ إلى نفسِي المنيَّةَ عندمارمَيتُ فلم تُخْطِئْ فؤادِيَ أسْهُمِي
أتَى اللهُ أن أبْكِى لغير صَبابةٍوأرْتاعَ إلا مِن حبيبٍ بُمؤْلِمِ
سَجِيَّةُ النفسٍ لا تزالُ مَليحةًمن الضَّيْمِ مَرْمِيّاَ بها كلُّ مُجْرِمِ
أجَمَّعُ شُرَّدَ المعالي وإنَّنيأبيتُ بفكرٍ في الهوى مُتَقسَّمِ
وأنْدُب أوقاتاً ألذَّ من الُمنَىتقَضَّيْنَ لي بين الحَطِيمِ وزَمزمِ
تطارحُني فيهِنَّ ذاتُ تَبَسُّمٍحديثَ هوًى أحْلى من الشُّهْدِ في الْفَمِ
مَوشَّحةُ الأعْطافِ حالِيةُ الطَّلاَتُقلّد عِقْداً من دُموعي ومِن دَمِي
أبَتْ أن تُرَى إلا لِطَرْفِ تفكُّرٍويَلثِمها إلا شِفَاهُ تَوهُّمِ
أبِيت سَلِيمَ القلبِ منها كأنَّنيأراقبُ صَفْوَ العيشِ من فَمِ أرْقَمِ
وما أنا مَن يَسْلُو هواها وينْثَنيإلى أحدٍ غيرِ الكريمِ المُعَظَّمِ
محمدٍ السَّامِي الجَنابِ ومَن غَدَاله كَرَمُ الأخْلاقِ دون التَّكَرُّمِ
هُمامٌ لقد أضْحَتْ مآثِرُ فضْلِهِعلى جَبْهةِ الدنيا كغُرَّةِ أدْهَمِ
ومَوْلًى إذا ضَنَّ السَّحابُ بِوَبْلِهِعليْنَا سَقاناَ مُسْجَماً بعد مُسْجَمِ
له سُؤْدُدٌ حَلَّ السَّماكَيْنِ رفْعةًوذلك إرْثٌ فيه من عَهْدِ آدَمِ
وكَفٌّ تحلَّتْ بالسَّماحِ بَنانُهاَبغيْرِ نُضارِ الفضْلِ لم تَتَخَتَّمِ
فما روضةٌ غَنَّاءُ باكيةُ الَحْيَاتبَسَّمُ عن ثَغْرَىْ أقَاح وعَنْدَمِ
تُمدَّ بها ريحُ الصَّبا خَطواتِهاوتَرْفَلُ في ثوبٍ من النَّورِ مُعْلَمِ
بأبْهجَ وجْهاً منه عند هِباتِهإذا يَّممت يُمْناهُ آمالُ مُعْدِمِ
فيا ماجداً كل المفاخِر أصبَحتْإلى مجدِه الوَضَّاحِ تُعْزَى وتَنْتَمِي
أتَتْ تتَهادَى منكَ في مِرْطِ دَلَّهاخَرِيدةُ أفْكارٍ وطَبْعٍ مُسَلَّمِ
وما اصْطَحبَتْ إلا البلاغةَ مَحْرَماًوهل غيرُها للبِكْر يُلْفى بمَحْرَمِ
لها صوتُ داودٍ وصورةُ يُوسُفٍوحِكمةُ لُقمانٍ وعِفَّةُ مَرْيَمِ
تُسائِلُنا عمَّا براه إلهنَالتَسْطِيرِ آجالٍ ورِزْقٍ مُقسَّمِ
جَرى قْبلَ خلْق الخلْق في اللَّوْحِ بالذييكونُ وما قد كان مِن قبلُ فاعْلَمِ
يَراعٌ يُراعُ الخَطْبُ منه وإنَّهليُثْمِر من جَدْوَى يَدَيْكَ بأنْعُمِ
أرانِي طريقَ الفضْلِ حتى سلَكْتُهوأوْضحَ لي مِن لُغْزِهِ كلَّ مُبْهَمِ
فما اسمٌ رُباعِيٌ إذا بَانَ صَدْرُهغدَوْتَ به ذَا لَوْعَةٍ وتَرَنُّمِ
وما هِي إلا بَلْدةٌ في رُبوعِهايطيب مُقام المُسْتَهامِ المُتَيَّمِ
وإن مَحت الأفْكارُ من ذَاك ثالِثاًبكَيْتَ الصَّبا فيه وعَهْدَ التَّنَعُّمِ
ويُذْكِرُني أخْلاقَك الغُرَّ شِطْرُهُوتحْرِيفُه ضِدٌّ لكم لم يُكَرَّمِ
ويُبْدِى لنا من قَلْبِه الشمسَ في الضُّحَىويطلُعُ فيها أنجُماً بعد أنْجُمِ
وثانِيةِ مَحْمودٌ لدى كلَّ عاشِقٍومَن ذا يَراهُ مِن وُشاةٍ ولُوَّمِ
ويُسْلِمُني يومَ التَّرَحُّل قلبُهولكنَّه مِن غيرِ كفٍّومِعْصَمِ
ويُوصِلُ ما بين الملوكِ وقَصْدِهاوإن هَمَّ في أمرٍ على الفوْرِ يفْصِمِ
حَلِيُف نُحُولٍ لم يذُقْ قَطُّ جَفْنُهُمَناماً ولم يطمَعْ بطَيْفٍ مُسَلَّمِ
فَعولٌ ولكن ليس يُدْعَى بفاعلٍقَؤولٌ ولكن ليس بالمُتَكلَّمِ
على أنه قد بان بعْدَ خفائِهوأصبحَ مشهوراً لَدَى كلَّ ضَيْغَمِ
فأنْزِلْهُ من نادِيكَ أشْرفَ منزلٍوألْبِسْهُ حَلْياً من قريضٍ مُنظَّمِ
ولولا معانِيكَ العِذابُ وصَوْغُهالكان عسيراً بالمديحِ تكلُّمِي
وقابِلْ جوابي بالقَبُولِ تفضُّلاًوسامِحْ فإن الفضّلَ للمُتَقَدَّمِ
قال: وقلت متغزلاً:
وافَى الربيعُ فما عليك بِعَارِخَلَعُ العِذارِ ولا ارِْتشافُ عُقارِ
صَهباءُ ليس يجوزُ عندي مَزْجُهاإلا برِيقَةِ شادِنٍ مِعْطارِ
تدعُ الدُّجى صُبْحاً إذا هيَ أُبْرزتْفكأَنما اعْتُصِرتْ من الأنْوارِ
ُقْم هاتِها حيثُ الهَزَارُ قد اغْتَدَىفي الأيْكِ مُنعكِفاً على التَّهْدَارِ
طَيرٌ أعاد الغصنَ جُنْكاً رُكَّبَتْأوْتارُه مِن فِضَّةِ الأمْطارِ
وتبُثُّه رِيحُ الصَّبا ويَبُثُّهاذِكْرَ الهوى مِن سالِفِ الأعْصارِ
فانْهَضْ لتغْتَنمِ الشَّبيبةَ قبل أنيَرْمِي المشِيبُ الصَّفْوَ بالأكدارِ
واشرَبْ على وَرْدِ الرُّبَى إن لم تَجِدْوَرْدَ الخُدودِ لقِلَّةِ الدَّينارِ
وانْصِبْ بفكركَ في الهوى شَرَك المُنَىلوقُوعِ ظل أو خَيالٍ سَارِي
هذا ولسْتُ أرَى إذا فُقِد الذيأهْوَى جِنانَ الخُلدِ غيرَ النَّارِ
هيْهاتَ ما النَّايُ الرَّخِيمُ ونَشُوةُ الخمرِ القديمِ ونَغْمَةُ الأوْتارِ
وحَنِينُ هيْنَمةِ الرياضِ عشِيَّةًوتراسُلُ الأطْيارِ في الأسْحارِ
عِنْدي بأحْسَنَ من مُساجَلةِ الأَحِبَّةِ بالصَّبابةِ في سَنا الأقْمارِ
من كلَّ معبودِ الجمالِ مُحَكَّمٍفيماَ يَشاَ مُسْتَعْبِدِ الأحْرارِ
قال: وقلت متذكراً لمغاني الأنس التي انمحت آثارها، ولم يبق للاماني ما تشبث به إلا أخبارها:
قَصْرَ الأمير بوادي النَّيْرَ بَيْن سَقَىرُباك عّني مِن الوَسْمِىّ مِدْرارُ
كم مَرَّ لي فيك أيّام هَواجرُهاأصائِلٌ ولَيالِهنَّ أسْحارُ
حيثُ الشَّبيبةُ بِكْرٌ في غَضارَتِهاوللصَّبابةِ أحْلافٌ وأنْصارُ
حيثُ الرَّياضُ تُغنَّيمي حَمائِمُهابالدُّفَّ والجُنْكِ والسَّنْطورُ لي جاَرُ
حيثُ الخمائلُ أفْلاكٌ بها طلَعتْزَهْرٌ من الزُّهْرِ والنُّدمانُ أقْمارُ
حيثُ المُدامةُ رقَّتْ في زُجاجتِهايُديرُها فاتِرُ الأجْفانِ سَحَّارُ
عِطْرِيَّةٌ نقضَتْ فيها عوارِضُهفَتِيقَ مِسْكٍ له الأرْواحُ سُفَّارُ
ياقُوتةٌ أُفْرِغَتْ في قِشْرِ لُؤْلُؤةٍفَلاحَ للشُّرْب منها النُّورُ والنَّارُ
شمسٌ تعاطَيْتُها من راحَتَيْ قمرٍله من الحسن ما يَرْضَى ويْختارُ
يسْعَى إلى بها تحت الدُّجَى حَذِراًمن الوُشاةِ لأنَّ الليلَ سَتَّارُ
مُتَوَّجُ الرَّاحِ بالإبْرِيقِ ذا قُرطٍمثل الهلالِ له الجَوْزاءُ زُنَّارُ
يسْقِى وأسْقِيه من ثَغْرِ ومن قَدَحٍإلى الصَّباحِ فمِرْباحٌ وَمِخْسارُ
يضمُّنا بأعالي القصْرِ ثوبُ هوًىزُرَّتْ عليه من الأشْواقِ أزْرارُ
أمتَّعُ الطَّرْفَ منَّى في محاسِنِهوليس عندي من العُذَّالِ أشْعارُ
حتى تيقَّظَ دهْرِي بعد ما غفَلتْعنَّي حوادِثُه والدهرُ غَدَّارُ
قال: وقلت:
سقَى اللهُ يومَ القصْرِ إذ كان بيْنناحديثٌ كُمرْفَضَّ الجُمانِ المُنَضَّدِ
برَوْضٍ يجولُ الماءُ تحت ظِلالِهكأيْمٍ مَرُوعٍ أو حُسامٍ مُجَرَّدِ
يلوحُ به قانِي الشَّقيق وقد حكىلواحظَ مخْمورٍ كُحِلّنَ بإْثمِدِ
ويَهْمِى به قطرُ النَّدى فتخالُهمُبَدَّدَ عِقْدٍ في فِراشِ زُمُرُّدِ
ورَيْحانُة الغَضُّ الشَهِيُّ كأنهمَبادِى عِذارٍ فوق خدٍ مُورَّدِ
سقاني به راحَ الرُّضابِ مُهَفْهَفٌفرُحْتُ به لا أفْرُقُ اليومَ من غَدِ
وبتُّ أظنُّ الجُلَّنارَ بدَوْحِةنجومْ عَقِيقٍ في سماء زَبَرْجَدِ
إلى أن بدَتْ شمسُ النَّهارِ كأنهامَجِنُّ كَمِىٍ قد تحلَّى بعَسْجَدِ
قال: وقلت متغزلا:
قم للمُدامةِ يا نديم فإنهاشَرَكُ المُنَى وحُبالَةُ الأفْراحِ
حمراءُ صافيةُ المزاجِ كأنَّهاوَرْدُ الخدودِ أذِيبَ في الأقْداحِ
شمسٌ إذا بزغَتْ لعْيِنك في الدُّجَىأغْنَتْكَ عن صُبُحٍ وعن مِصْباحِ
مِسْكِيَّةٌ أنّى فَضَضْتَ خِتامَهاعَبِق النَّدِىُّ بنَشْرِها الفَضَّاحِ
تفْتَرُّ عن حَبَب ثغورُ كُؤوسِهاكسِقيط طَلٍّفي ثغورِ أَقاحِ
بسْقِيكَها رَشَأٌ إذا غَنَّى بهارقَصتْ لذاك معاطِفُ الأرُواحِ
قال: وقلت أيضاً متغزلاً:
ألَدَيْهِ نَهْبُ النفوسِ مُباحُرَشَأٌ سافِكُ الدَّمَا سَفَّاحُ
أيُّ أسْدٍ تجُولُ حول حِماهُوكِناسٍ له الظُّباَ والرَّماحُ
ابنُ عشرٍ وأربعٍ لو تبدَّىفي دُجَى الليلِ قلتُ لاحَ الصَّباحُ
وما ربيعُ العيونِ غيرَ مُحيَّاهُ إليه أرواحُنا تَرْتَاحُ
ليَ من وَجْنتَيْهِ وَرْدٌ جَنِىٌّم ومُدامٌ من ثَغْرِه وأَقاحُ
تتَدابَى له القلوبُ وإن شَطَّ ممَزارٌ وأبْعِدتْ أشْباحُ
إنَّ كُتْبي إليه صُحْفُ الأمانيوبها الرُّسْلُ بيْنَنا الأرْواحُ
قال: وقلت في الشيب:
لا تَلُمْني على اجْتنابيَ للْكَأْسِ رُوَيْداً فما عَلىَّ مَلامُ
ما ترى الشَّيْبَ فِضَّةً في عِذارِيسبَكَتْهُ بنارِها الأيَّامُ
قال: وقلت في غرض اقتضى ذلك:
أساءَ كِبارُنا في الدهرِ حتَّىجرَى هذا العقابُ على الصَّغارِ
لقد شربَ الأوائلُ كأْسَ خمرٍغدَتْ منه الأواخِرُ في خُمارِ
قال: وقلت متغزلاً:
ألقى فُؤادِي في أُوَارِىقمرٌ سُرَاه مِن اسكدارِ
يْمضِي الدُّجَى ونواظِرِيفي حُبَّة ترْعَى الدَّرارِي
وأوَدُّ لو علِقَتْ بذيْلِ الوعْدِ منه يَدُ انْتظارِي
يْجنِي فأُبْدِى العذرَ عنهـ وليس يْرضى باعْتِذارِي
أتَرَاهُ يدْرِي بالذيقاسَيْتُه أم غيرَ دارِ
أشكُو الظَّمأَ أبداً وماء ُالحسنِ في خَدَّيْهِ جارِ
أغْدُو به حَيْرانَ لاأدْرِى يميني من يَسارِي
رِيمٌ أبَتْ أخلاقُهإلا التَّخَلُّقَ بالنَّفارِ
فعشِقْتُه وعليهِ مِندون الورَى وقَعَ اخْتِيارِي
قال: وقلت متغزلاً:
وشادنٍ أرْكبنِيهَواهُ طَرْفَ الخَطَرِ
مُهَفْهَفٍ مُبْتهِجٍيَهْزُو بضَوْء القمرِ
يكادُ أن يشْربَهإذا تَبدَّى نظَرِي
أبِيتُ فيه قَلِقاًعلى فِراشِ السَّهرٍ
كأنَّ عقْلِي كُرَهٌلصَوْلجانِ الفِكَرِ
قال: وقلت متغزلا:
بِيَ ريمٌ كِناسُهُ المُرَّانُما لِقلْبِ من مُقْلتَيِهْ أَمانُ
ذُو عِذارٍ كأنه ظُلْمةٌ الشَّرْكِ ووجْهٍ كأنه الإيمانُ
وكأنَّا من أنْسِه ومُحَيَّاهُ بروضٍ تُظِلُّنا الأفْنانُ
خدُّهُ الوردُ والبنُفسجُ صُدْغاهُ لعينِي وثَغْرُه الأُقْحٌوَانُ
وكأنَّ الحديثَ منه هو اللُّؤْلُؤ يَرْفَضُّ بيْننا والجُمانُ
وكأن النَّدِىَّ والكأْسُ تُجْلَىفيه أُفْقٌ نجومُه النُّدْمانُ
وكأنَّ الأنْفاسَ منه نسِيمٌوكأنَّا إذا شَدَا أغْصانُ
وكأنَّ النُّدمانَ في دَوْحَةِ اللَّهوِغُضونٌ ثمارُها الكِتْمانُ
يتعاطَوْن أكُؤُسَ العُتْبِ إذْ طافَ عليهمْ بها المُنَى والأمَانُ
يا سقَى ذلك الزَّمانَ وحَّياهُ مُلِثٌّ مِن الرَّضا هَتَّانُ
زمَنٌ كلُّه ربيعٌ وعيْشٌغُصنُه يانعُ الجَنَى فَيّنانُ
مَرّض لي بالشَّآمِ والعمرُ غَضٌّوشَبابي يَزِينُه العُنْفُوانُ
ابن عَشرٍ وأرْبَعٍ وثَمانٍهِي عيدٌ وبعضُها مِهْرَجاَنُ
قال: وقلت متغزلاً:
نَبَّهْ جُفونَكْ من نُعاسِكواسْمَح بريِقك أوْ بكأسِكْ
طاب الصَّبوحُ فهاتِهاواشْرَبْ معي بحياةِ رَأسِكْ
ما الوَردُ إلا من خُدودِكَ والبَنَفْسَجُ من نُواسِكْ
أفْدِيكَ ظَبيْاً أرْتجِيكَ وأتَّقِى سَطَواتِ بَاسِكْ
تخْشَى الأسودُ مَهابةًمِن أن تَمُرَّ على كِناسِكْ
قال: وقلت متغزلاً، من قصيدة:
أتُرَى أين حَلَّ أم أين أَمْسَىغُصْنُ باَنٍ يُقِلُّ أعْلاهُ شَمْساً
ليتَ أنى وقد ترحَّلَ بِيدٌكُنَّ أمسِ لأسْطُرِ العينِ طرْساَ
لَهْفَ شاكٍ يرى المعاهَد صُماًّبعد ما شَطَّ والمعالِمَ خُرْساَ
صَدَّعُ البَيْنُ منه ثَمّ فُؤاداًكان صَخْراً فعاد بالوَجْدِ خَنْساَ
ومنها:
شادِنٌ أظْلمُ الخلائقِ ألْحاظاَ وأمْضَىِ فْعلاً وأكبرُ نَفْساَ
علّمْته الأيَّامُ طُرْقَ التَّجنَّيوالليالِي أقْرَأْنَه الصَّدَّ دَرْساَ
أطْلَعَ الحسنُ في حديقةِ خدَّيهـ وُروداً تركْنَ لَوْنِيَ وَرْساً
ومنها:
طالَما بِتُّ بالخَدائِعِ أسْقيهِ ثلاثاً حيناً وأشْرَبُ خَمْساً
نمزُجُ الكأسَ بالحديثِ وما ألْطفَ ذاك الحديثَ معنًى وحِسَّا
لستُ أدْرِى أمِن عُصارةِ خَدَّيْهِ أم الرَّاِح صَفْوُ ما نتَحَسَّى
لا رأَتْ مُقْلتِي مُحيَّاهُ إن كان فؤادِي يسْلُوه أو يَتَأسَّى
قال: وقلت:
لا تتَّهِمْ بالسوءِ دَهْرَك إنَّهُجَبَلٌ يُجِيبُ صَداكَ منه صَدَاءُ
مِرآتُك الدنياَ وفعلُك صُورةٌفيها فما الشَّنْعاءُ والحَسْنَاءُ
قال: وقلت متغزلاً:
تناَهَى عندَهُ الأملُوقصَّر دونَه العَذَلُ
رَشاً يفْتَرُّ عن بَرَدٍتكاد تُذِيُبه القُبَلُ
يخامِرُ عِطْفَه ثَمَلٌيميلُ به ويْعتدِلُ
يُمثَّل ما يُروَّفُهبصَفْحِة خَدَّه الخجَلُ
فليت به كما اتَّصلَتْحشاَيَ الطَّرفُ يتَّصِلُ
إذا ما الخِدْرُ أبْرزَهُتَناهَبُ حُسنَه المُقَلُ
لقد أغْرَاهُ في تَلَفِيشَبابٌ ناضِرٌ خَضِلُ
وقَدٌّ حَشْوُهُ هَيَفٌوطَرْفٌ مِلْؤُه كَحَلُ
فما الْخَطَّىُّ غيرَ قَنَاقَواٍم زانَهُ المَيَلُ
ولا الهِنْدِيُّ غيرَ ظُباًحَواها النَّاظِرُ الغزِلُ
سقَى خَلْساً بذِى إِضَمٍمضَيْن الصَّيَّبُ الهَطِلُ
وعْيشاً حين أذْكرُهأمِيلُ كأنني ثَمِلُ
ورَبْعاً كنتُ أعْهَدُهوأُنْسِى فيه مُقْتبِلُ
بكَيْتُ دماً على زَمنٍلدَى تَوْدِيعه الأجَلُ
ليالٍ كلُّها سَحَرٌودهرٌ كلُّه أُصُلُ
) وهي طويلة (قال: وقلت في الحماسة:
لعَمْرُ أبى الرَّاقِي السَّماكَينِ رِفْعَةًوحامِي ذِمارَ المجْدِ بالحِلْمِ والبْاَسِ
فما أنا من يرْضَى القليلَ مِن العُلاولا أنا مَّمن يحْتَسِي فضْلةَ الكاَسِ
هي النَّفسُ فاْحمِلْها على الضيْمِ إِنْ تُرِدْلها العِزَّ وانقُضْ راحَتَيْك من النَّاسِ
قال: وقلت أيضاً:
ومُنْتزَه يروقُ الطَّرْفَ حُسناًلما فيهِ من المَرْأَى البَدِيعِ
تجولُ كتائِبُ الأزْهارِ فيهوقد كُسِبَتْ حُلَى الغَيْثِ المرِيعِ
وبات الوردُ فيها وهْو شاَكِي السَّلاِح يميدُ في الدَّرْعِ الْمَنِيعِ
حكَى مُنْضَمُّ زَنْبقِةِ طُروساًوفيها عَرْضُ أحْوالِ الجميعِ
تُنمَّقُ طَيَّها أيْدِي النُّعامَىوتبْعثُها إلى مَلِكِ الرَّبيعِ
وقلت إذ أنفذت لبعض الأحبة كتابا، فقبله وتلطف في حسن الجواب:
خُذها سُطوراً إليكَ قد بُعِثتْترومُ للنَّفسِ ما يُعَّللُهاَ
في طَيَّ بْيضاءَ ظَلْتُ من وَلَهٍفيكَ بأيْدِي اللَّحاظِ أصقُلُهاَ
أكتُبها والدموعُ تَنْقُطُهابَعبْرةٍ لا أزالُ أُهْمِلُهاَ
لو كان ظَنَّي إذا بَصُرتَ بهانيابةً عن فمِي تُقبَّلُهاَ
لَرُحْت شوقاً إليك مُندرِجاًفي طَيَّها والنَّسيمُ يَحْمِلُهاَ
قال: وقلت:
مَهْلاً سفينةَ آمالِي لعل بأنْتَهُبَّ يوماً رياحُ اللُّطفِ والكرِم
ويا حُظوظِيَ رِفْقاً لستِ مُدرِكَةًغيرَ الذي قسمَ الرحمنُ في القِدَمِ
قال: وقلت أيضاً:
ورَوْضةِ أُنْسٍ بات فيها ابنُ أَيْكَةِيُغرَّدُ والنَّايُ الرَّخِيمُ يُشَنَّفُ
وقد ضمَّنا فيها من الليلِ سابِغاًرِداءُ بأكْنافِ الغَمامِ مُسَجَّفُ
فظَلَّتْ عَرانِينُ الأبارِيقِ بالطَّلاإلى أن بَدَتْ كافُورةُ الصبحِ تَرْعُفُ
وهذا معنى تصرف فيه وأبدع، وأدار منه على المسامع كأس أدب مترع، وقد سبقه إليه غيره، كابن رشيق في قوله:
صَنَمٌ من الكافورِ بات مُعانِقِيفي حُلَّتْين تَعفُّفٍ وتَكَرُّمِ
فذكَرْتُ ليلةَ هجْرِه في وَصْلِهفجَرتْ بقايا أدْمُعِي كالعَنْدَمِ
فطفِقْتُ أمسحُ مُقْلتِي في جِيدِهإذ عادةُ الكافورِ إمْساكُ الدَّمِ
لكنه جعل جيد محبوبة منديله فدنسه، فلو قال:
فجعلتُ عيْني تحت خْمَصِ نْعلِهِإذْ شِيَمةُ الكافورِ إمساكُ الدَّمِ
كان أليق بالأدب.
وممن أجاد في هذا المعنى ابن مرج الكحل الاندلسي، في قوله:
ألاَ بَشَّروا بالصُّبْحِ مِنَّىَ باَكياًأضَرَّ به الليلُ الطويلُ مع البُكاَ
ففي الصُّبحِ للصَّبَّ المُتَيَّمِ راحةٌإذا الليلُ أجْرَى دَمْعَه وإذا شكا
ولا عَجَبٌ أن يُمسِك الصُّبحُ عَبْرَتِيفلم يزلِ الكافورُ للدَّمِ مُمسِكا
وقد قلت أنا في هذا المعنى أيضاً:
وساقَ ليَ السُّرورُ غداً طبيباًله طَرَفٌ يُشِير إلى التَّصابِي
رأَى في الكأْسِ صُبّض دَمِ الحُمَيَّافذَرَّ عليه كافورَ الحُبابِ
قال: ومما قلته أيضاً:
سقَى صَوْبُ الحَياَ زَمناًسرقْناهُ من الغِيَرِ
وقد مَدّ الغَمامٌ رِدَالَه هُدْبٌ من المَطرِ
ومما كتبه إلى الأمير منجك:
يا وحيداً في السَّجاياَوالمزاياَ باتَّفاقِ
وشِهاباً في سمواتِ العُلى سامِي الطَّباقِ
وجَواداً عندَه الأفْراسُ عَرْجاً في السَّباقِ
أنْتَ بَحرٌ دونَه الأبْحُرُ من بعضِ السَّواقِي
لا تسُمْني حَصْرَ أوْصافِك فكرِي في وِثَاقِ
راعَني الدهرُ كما قدْرُعْتَ مِصْراً بالفِراقِ
ومما كتبه إلى الأمير أيضاً:
قد بشَّرتْك بمِصْرَ بعضُ معاشرلم يعلَموا الأقْوالَ في تأْوِيِلهاَ
مِصرُ أقلُّ نَدَى أيادِيك التيمِن فَيْضِ نائِلها أصابِعُ نِيِلهاَ
وهذا كثير الأمثال، كقول ابن نباته المصري:
وافَتْ أصابعُ نِيلِناَفْيضاً وطافَتْ بالبلادِ
وأتَتْ بكلَّ مسَرَّةٍما ذِي أصابعُ بل أياَدِي
واحسن من هذا كله قولي من قصيدة نبوية:
أصابعُ سيَّدِ السَّاداتِ منهالقد رَوَّى الزُّلالُ صَدَى الفُؤادِ
فلو منها ينالُ النَّيلُ ظُفْراًلما مَصَّ الأصابعَ للتَّنادِي
وعهْدِي بالأصابعِ في أيادٍفكم في ذِي الأصابع مِن أياَدِي
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع