من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
خِضْر المَوْصلِّي
كعبة فضلٍ مُرتفِعة المقام، تضمَّنتْ أَلْسَنةُ الرُّواة الْتِزامَ مدْحِه فللِّهِ ذلك التَّضّمُّن والالْتِزام.
رأيتُه في عُنْفُوان العمر والدنيا كلُّها رِياض، والأيَّام كلُّها أعْياد وأعْراس، والأوقاتُ كلُّها سَحَر، والأشْهَر كلُّها نَيْسَان.
فلَوْ بِعْتُ يوماً منه بالدَّهرِ كلِّهلفكَّرْتُ ثانياً في إرْتِجاعِهِ
وهو حسَنةٌ في صحائِف الأيَّام واللَّيالِي، وروضةٌ تُنْبِت الشُّكرَ في رِياض المعالِي، والعيشُ كلُّه نَضِر، وقد قيل لكلِّ زمان خَضِرٍ.
إذا ما ذكَرْنَا جُودَه كان حاضرانأَى أو دَنَى يسْعَى على قَدَم الخِضْرِ
وأقام بمكة مع بني حسَن مُخْضَرّ الأكْناف، وصنَّف باسم السيد حسن كتابه) شرح شواهد الكشَّاف (، شرحاً تشبَّثَ بأهدابِه السِّحْر، وناطَ به تمِيمَةً مُعلَّقةً بجِيد الدَّهْر، وقد ملكْتُه وطالعتُه، فرأيت فيه ما يدل على سَعَةِ إطِّلاعِه، وطول طَوْلِه وبَاعِه.
وهو تلميذ والدي، وكان يسلُك معه طريقَ الأدب، ويجْثُو بين يدَيْه على الرُّكَب.
وأنشدني له قولَه مُضمِّناً:
تبدَّلْ عن البَرْش المُبلِّد بالطِّلافعالمِ أهْل البَرْش غِمْرٌ وجَاهِلُ
فما البَرْش إن فتَّشْتَ عن كُنْهِهِ سِوَىدُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وللأسْعد بن مَمَّاتي، مما أنشده في كتابه) سلافة الزرجون (:
ندِبميَ لا تَهْزَأْ بمشْمُولةٍ فإنبدَا لك منها بَهْجَةٌ وشَمائِلُ
وراقَك منها رِقَّةٌ في قَوامِهاولاحَتْ كشمسٍ أضْعَفتْها الأصائِلُ
فلا تغْتَرِرْ منها بِلينٍ فإنهادُوَيْهِيَة تصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وهذا من قصيدة لَبِيد، التي أولها:
ألا كلُّ شئٍ ما خلاَ اللهَ باطلُوكلُّ نعيمٍ لا محالَة زائِلُ
وكلُّ أُناسٍ سوْفَ تدخلُ بْينَهمدُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وقد ضمَّن زكيّ الدين بن قريع منها أيضاً في قولهِ:
تأمَّلْ صُحَيْفاتِ الوجودِ فإنَّهامن الجانب السَّامِي إليكَ رسائْلُ
وقد خُطَّ فيها إن تأمَّلْتَ خطَّهاألاَ كلُّ شيء ما خَلا اللهَ باطِلُ
وفي معناه قول العلاَّمة الشيخ حسن البُورِينِيّ:
وُرْقُ الرِّياضِ إذا نظَرْتَ دفاتِرٌمَشْحونَةٌ بأدِلَّةِ التَّوْحيدِ
وهو في معنى شِعر أبي نُؤاس المشهور.
ومما مدَحتُ به حضرة مولانا خِضْر المذكور:
وصَباً من كُئُوسِ ذِكْرِكَ سَكْرَىلكَ حمَّلْتُها ثَناءً وشُكْرَا
ولِوَجْدِي رَقَّتْ كطْبِعكَ لُطْفاًواسْتعارَتْ من طِيبِ ذِكْرِكَ نَشْرَا
معك القلبُ حيثُما سِرْتَ يسْرِيفاسْألَنْه عنِّى فذلكَ أدْرَى
مِن أُوليِ العَزْم لِي فُؤادٌ كَلِيِمٌفي النَّوَى لا يزالُ يتْبَعُ خِضْرَا
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع