من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
معروف الشَّامِيّ
هو ممَّن اتسم بالأدب في الحديث والقديم، وسَرَى ذكرهُ كما سرى من الرياض النَّسيم، فسَمَتْ مقاصِدُه، وعَذُبتْ مصادِرُه وموارِدُه فليس للرَّبيع نَضارةُ تلك الشِّيَم، ولا للغْيثِ شِيَمُ ذلك الكرَم، فرَوْضَةُ مآثرِه يانعة الزَّهْر، ونُسخةُ محاسنِه مُخلَّدةُ في صحائفِ الدَّهْر.
لا زال جَدَثُه روضةً من رياض الجِنان، ومَنزِلاً تحُلُّ فيه قوافلُ الغُفْران، ما بكَى المطَرُ لِفراق الغَمام، فضحِك النَّوْرُ على بُكائِه في الأكْمام.
فمما أنشدتُ له قوله:
يا مُفرَداً أضْحَتْ ظواهرُ شأْنِهِما فوقَها في الحُسْنِ غيْر المَخْبَرِ
يا سالباً فلبي الشَّجِيْ وما اشْتَكىمنه الجفاءَ إلى السَّميع المُبصِرِ
مِنِّي إليكَ مع النسَّيمِ تحيَّةًفتَقتْ نوافِجُها بمِسْكٍ أَذفَرِ
مِن مَنْطقٍ يزهُو بحسنِ بَرَاعةٍتُزْرِي حلاوتهُ بطَعْم السُّكَّرِ
فكأنَّها وكأنَّه وكأنَّهامن جَوْهرٍ في جَوْهرِ جَوْهرٍ
يُبدِي التَّداخلَ في الجواهرِ عَنْوةًلبَصيرةِ المِقْدامِ لا المُتَحَيِّرِ
فكأنَّما قِرْطاسُها أسرارناُوالبَيْنُ بينهما سَوادُ الأسْطُرِ
أرجُو على قُرْبِ المَزَارِ يُقرَّب الْبارِي تعالى مَوْرِدي من مَصْدَرِي
في ذلك الشَّرفِ المُعَلّى المُنّتهىطَربُ المشُوقِ وجَنّة المُتّذَكِّرَ
) ونقلِ لي عنه فصلٌ في كَحَّال، صورته (فلان انْتَهى إلى فوق ما يُضرَب به المثَل، إن قيل يَسْرِق الكُحْلَ من العَيْن، فهذا يسرِق العيْنَ من الكُحْل، فقد أوْدَع كُحلَه حُزْنَ يعقوب، فمن كُحِل منه ابْيَضَتَّ عيْناه، وجحَد مُعجزةَ القميص اليُوسُفِيّ، فلو مَرُّوا به على ناظرِ تقرَّح جَفْناه، وهو من الذين إذا رَفَعوا أمْيالَهم فإنما هي لعَيْن الشمسِ، ولشَمْس العين مِزْوَلة، وإذا أوْلَج أحدُهم المِيلَ في المُكْحُلَة، فهو أولى بالرَّجم ممَّن أوْلَج المِيل في المُكْحُلة انتهى.
وأنا أظنُّ أن هذا من كلام القاضي الفاضل.
ومن هذا قولُ مِهْيار، في طبيب كَحَّال:
أفْنَى وأعْمَى ذا الطبيبُ بطِبِّهوبكُحْلِه الأحْياءَ والبُصَراءَ
فإذا نظَرتَ رأيتَ من عُمْيانِهأمماً على أمْواتِه قُرَّاءَ
ومنه أخذ الزغاري قوله:
أعْمَى الورَى بكِحالهِوالموتُ من وَصفاتِهِ
فكثيُر من عُمْيانِهِيقرَا على أمْواتِهِ
وإنما خصُّوا العُميان بالقراءة؛ لأنهم معروفون بكثرة الحِفظ، وقد قيل: إنه ما أخذَ اللهُ من عبدِه حاسَّة إلا نقَل قُوَّتَها لغيرِها.
ولابن عُنَين:
لو أنَّ طُلاَّبَ المطالبِ عندهُمْعِلْمٌ بأنَّك للعُيونِ تُغَوِّرُ
لأتَوْا إليكَ بكلِّ ما أمَّلْتَهمنهُم وكان لك الجزاءُ الأوْفرُ
ودعَوْك بالصَّبَّاغ لمَّا أن رأَوْايغشَى لدَيْك ماءٌ أصْفَرُ
وبِكفَّكَ المِيلُ الذي يَحْكِي عَصَامُوسَى فكم عينٍ به تَتَفَجَّرُ
ولمحمد بن الأكْفَانيّ:
ولقد عجِبْتُ لِمَن أتَى بالكِيِميَافي كُحْلِه إذ جاءَ بالشَّنْعاءِ
يُلْقِي على العينِ النُّحاسَ يُحيِلُهافي لَمْحةٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ
وأحسن منه قولي:
كُحْلُ كَحَّالِنا غدَا إكْسِيرَامنه قد عَلَّم الورَى الكِيميَاءَ
فحَديدُ الأبصار يُلْقَى عليهعادَ في الحالِ فِضَّةْ بَيْضاءَ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع